فروع الفقه الحنفي

رد المحتار على الدر المختار

محمد أمين بن عمر (ابن عابدين)

دار الكتب العلمية-

سنة النشر: 1412هـ/1992م
رقم الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: ستة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
واعلم أن تعلم العلم يكون فرض عين وهو بقدر ما يحتاج لدينه . وفرض كفاية ، وهو ما زاد عليه لنفع غيره . [ ص: 43 ]

ومندوبا ، وهو التبحر في الفقه وعلم القلب . وحراما ، وهو علم الفلسفة والشعبذة والتنجيم [ ص: 44 ] والرمل وعلوم الطبائعيين والسحر [ ص: 45 ] والكهانة ، ودخل في الفلسفة المنطق ، ومن هذا القسم علم الحرف [ ص: 46 ] وعلم الموسيقى . ومكروها وهو أشعار المولدين من الغزل والبطالة ، ومباحا كأشعارهم - - [ ص: 47 ] التي لا يستخف فيها كذا في فوائد شتى من الأشباه والنظائر .

الحاشية رقم: 1
( قوله : واعلم أن تعلم العلم إلخ ) أي العلم الموصل إلى الآخرة أو الأعم منه . قال العلامي في فصوله : من فرائض الإسلام تعلمه ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده . وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم ، وعلم الزكاة لمن له نصاب ، والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات . وكذا أهل الحرف ، وكل من اشتغل بشيء يفرض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه ا هـ . مطلب في فرض الكفاية وفرض العين

وفي تبيين المحارم : لا شك في فرضية علم الفرائض الخمس وعلم الإخلاص ; لأن صحة العمل موقوفة عليه وعلم الحلال والحرام وعلم الرياء ; لأن العابد محروم من ثواب عمله بالرياء ، وعلم الحسد والعجب إذ هما يأكلان العمل كما تأكل النار الحطب ، وعلم البيع والشراء والنكاح والطلاق لمن أراد الدخول في هذه الأشياء وعلم الألفاظ المحرمة أو المكفرة ، ولعمري هذا من أهم المهمات في هذا الزمان ; لأنك تسمع كثيرا من العوام يتكلمون بما يكفر وهم عنها غافلون ، والاحتياط أن يجدد الجاهل إيمانه كل يوم ويجدد نكاح امرأته عند شاهدين في كل شهر مرة أو مرتين ، إذ الخطأ وإن لم يصدر من الرجل فهو من النساء كثير .

( قوله : وفرض كفاية إلخ ) عرفه في شرح التحرير بالمتحتم المقصود حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله . قال : فيتناول ما هو ديني كصلاة الجنازة ، ودنيوي كالصنائع المحتاج إليها وخرج المسنون ; لأنه غير متحتم ، وفرض العين لأنه منظور بالذات إلى فاعله . ا هـ . قال في تبيين المحارم : وأما فرض الكفاية من العلم ، فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب والحساب والنحو واللغة والكلام والقراءات وأسانيد الحديث وقسمة الوصايا والمواريث والكتابة والمعاني والبديع والبيان والأصول ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر وكل هذه آلة لعلم التفسير والحديث ، وكذا علم الآثار والأخبار والعلم بالرجال وأساميهم وأسامي الصحابة وصفاتهم ، والعلم بالعدالة في الرواية ، والعلم بأحوالهم لتمييز الضعيف من القوي ، والعلم بأعمارهم وأصول الصناعات والفلاحة كالحياكة والسياسة والحجامة . ا هـ .

( قوله : وهو ما زاد عليه ) أي على قدر يحتاجه لدينه في الحال مطلب فرض العين أفضل من فرض الكفاية

[ تنبيه ] فرض العين أفضل من فرض الكفاية ; لأنه مفروض حقا للنفس ، فهو أهم عندها وأكثر مشقة ، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقا للكافة والكافر من جملتهم ، والأمر إذا عم خف ، وإذا خص ثقل . [ ص: 43 ] وقيل فرض الكفاية أفضل ; لأن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها ، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم ، ولا شك في عظم وقع ما هذه صفته . ا هـ . طواقي ، ونقل ط أن المعتمد الأول .

( قوله : وهو التبحر في الفقه ) أي التوسع فيه والاطلاع على غوامضه وكذا غيره من العلوم الشرعية وآلاتها .

( قوله : وعلم القلب ) أي علم الأخلاق ، وهو علم يعرف به أنواع الفضائل وكيفية اكتسابها وأنواع الرذائل وكيفية اجتنابها . ا هـ . ح وهو معطوف على الفقه لا على التبحر لما علمت من أن علم الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرض عين ، ومثلها غيرها من آفات النفوس : كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من الإحياء . قال فيه : ولا ينفك عنها بشر ، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجا إليه ، وإزالتها فرض عين ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها ، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه .

( قوله : الفلسفة ) هو لفظ يوناني ، وتعريبه الحكم المموهة : أي مزينة الظاهر فاسدة الباطن ، كالقول بقدم العالم وغيره من المكفرات والمحرمات ط . وذكر في الإحياء أنها ليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء :

أحدها : الهندسة والحساب ، وهما مباحان ، ولا يمنع منهما إلا من يخاف عليه أن يتجاوزهما إلى علوم مذمومة .

والثاني : المنطق ، وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه ، وهما داخلان في علم الكلام .

والثالث : الإلهيات ، وهو بحث عن ذات الله تعالى وصفاته ، انفردوا فيه بمذاهب بعضها كفر وبعضها بدعة .

والرابع : الطبيعيات ، وبعضها مخالف للشرع ، وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها ، وهو شبيه بنظر الأطباء ، إلا أن الطبيب ينظر في بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح ، وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث تتغير وتتحرك ، ولكن للطب فضل عليه لأنه محتاج إليه . وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها ا هـ .

( قوله : والشعبذة ) الصواب الشعوذة ، وهي كما في القاموس خفة في اليد كالسحر ترى الشيء بغير ما عليه أصله . ا هـ . حموي ، لكن في المصباح شعوذ الرجل شعوذة ، ومنهم من قال شعبذ شعبذة وهو بالذال المعجمة وليس من كلام أهل البادية ، وهي لعب يرى الإنسان منها ما ليس له حقيقة كالسحر . ا هـ . ابن عبد الرزاق . وأفتى العلامة ابن حجر في أهل الحق في الطرقات الذين لهم أشياء غريبة كقطع رأس إنسان وإعادته وجعل نحو دراهم من التراب وغير ذلك بأنهم في معنى السحرة إن لم يكونوا منهم ، فلا يجوز لهم ذلك ولا لأحد أن يقف عليهم ، ثم نقل عن المدونة من كتب المالكية أن الذي يقطع يد الرجل أو يدخل السكين في جوفه إن كان سحرا قتل وإلا عوقب . مطلب في التنجيم والرمل

. ( قوله : والتنجيم ) هو علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية . ا هـ . ح . وفي مختارات النوازل لصاحب الهداية أن علم النجوم في نفسه حسن غير مذموم ، إذ هو قسمان : حسابي [ ص: 44 ] وإنه حق ، وقد نطق به الكتاب . قال الله تعالى - { الشمس والقمر بحسبان } - أي سيرهما بحساب . واستدلالي بسير النجوم وحركة الأفلاك على الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره ، وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض من الصحة والمرض ولو لم يعتقد بقضاء الله تعالى أو ادعى الغيب بنفسه يكفر ، ثم تعلم مقدار ما يعرف به مواقيت الصلاة والقبلة لا بأس به . ا هـ . وأفاد أن تعلم الزائد على هذا المقدار فيه بأس بل صرح في الفصول بحرمته وهو ما مشى عليه الشارح . والظاهر أن المراد به القسم الثاني دون الأول ; ولذا قال في الإحياء : إن علم النجوم في نفسه غير مذموم لذاته إذ هو قسمان إلخ ثم قال ولكنه مذموم في الشرع . وقال عمر : تعلموا من النجوم ما تهتدوا به في البر والبحر ثم امسكوا ، وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه مضر بأكثر الخلق ، فإنه إذا ألقى إليهم أن هذه الآثار تحدث عقيب سير الكواكب وقع في نفوسهم أنها المؤثرة ،

وثانيها : أن أحكام النجوم تخمين محض ، ولقد كان معجزة لإدريس عليه السلام فيما يحكى وقد اندرس .

وثالثها : أنه لا فائدة فيه ، فإن ما قدر كائن والاحتراز منه غير ممكن ا هـ ملخصا .

( قوله : والرمل ) هو علم بضروب أشكال من الخطوط والنقط بقواعد معلومة تخرج حروفا تجمع ويستخرج جملة دالة على عواقب الأمور ، وقد علمت أنه حرام قطعا وأصله لإدريس عليه السلام ط أي فهو شريعة منسوخة . وفي فتاوى ابن حجر أن تعلمه وتعليمه حرام شديد التحريم لما فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه .

( قوله : وعلوم الطبائعيين ) العلم الطبيعي علم يبحث فيه عن أحوال الجسم المحسوس من حيث هو معرض للتغير في الأحوال والثبات فيها . ا هـ . ح . وفي فتاوى ابن حجر : ما كان منه على طريق الفلاسفة حرام ; لأنه يؤدي إلى مفاسد كاعتقاد قدم العالم ونحوه وحرمته مشابهة لحرمة التنجيم من حيث إفضاء كل إلى المفسدة .

. ( قوله : والسحر ) هو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة لأسباب خفية . ا هـ . ح . وفي حاشية الإيضاح لبيري زاده قال الشمني : تعلمه وتعليمه حرام .

أقول : مقتضى الإطلاق ولو تعلم لدفع الضرر عن المسلمين وفي شرح الزعفراني : السحر حق عندنا وجوده وتصوره وأثره . وفي ذخيرة الناظر تعلمه فرض لرد ساحر أهل الحرب ، وحرام ليفرق به بين المرأة وزوجها ، وجائز ليوفق بينهما . ا هـ . ابن عبد الرزاق . قال ط بعد نقله عن بعضهم عن المحيط : وفيه أنه ورد في الحديث النهي عن التولة بوزن عنبة : وهي ما يفعل ليحبب المرأة إلى زوجها . ا هـ .

أقول : بل نص على حرمتها في الخانية ، وعلله ابن وهبان بأنه ضرب من السحر . قال ابن الشحنة ومقتضاه أنه ليس مجرد كتابة آيات ، بل فيه شيء زائد ا هـ وسيأتي تمامه قبيل إحياء الموات إن شاء الله تعالى . وذكر في فتح القدير أنه لا تقبل توبة الساحر والزنديق في ظاهر المذهب فيجب قتل الساحر ولا يستتاب بسعيه بالفساد لا بمجرد علمه إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره ا هـ . [ ص: 45 ] وذكر في تبيين المحارم عن الإمام أبي منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ ويجب البحث عن حقيقته ، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا . ا هـ .

أقول : وقد ذكر الإمام القرافي المالكي الفرق بين ما هو سحر يكفر به وبين غيره ، وأطال في ذلك بما يلزم مراجعته من أواخر شرح اللقاني الكبير على الجوهرة . ومن كتاب [ الإعلام في قواطع الإسلام ] للعلامة ابن حجر . مطلب السحر أنواع

وحاصله أن السحر اسم جنس لثلاثة أنواع : الأول : السيمياء ، وهي ما يركب من خواص أرضية كدهن خاص أو كلمات خاصة توجب إدراك الحواس الخمس أو بعضها بما له وجود حقيقي ، أو بما هو تخيل صرف من مأكول أو مشموم أو غيرهما .

الثاني : الهيمياء ، وهي ما يوجب ذلك مضافا لآثار سماوية لا أرضية .

الثالث : بعض خواص الحقائق ، كما يؤخذ سبع أحجار يرمى بها نوع من الكلاب إذا رمى بحجر عضه ، فإذا عضها الكلب وطرحت في ماء فمن شربه ظهرت عليه آثار خاصة فهذه أنواع السحر الثلاثة ، قد تقع بما هو كفر من لفظ أو اعتقاد أو فعل ، وقد تقع بغيره كوضع الأحجار . وللسحر فصول كثيرة في كتبهم . فليس كل ما يسمى سحرا كفرا ، إذ ليس التكفير به لما يترتب عليه من الضرر بل لما يقع به مما هو كفر كاعتقاد انفراد الكواكب : بالربوبية أو إهانة قرآن أو كلام مكفر ونحو ذلك ا هـ ملخصا ، وهذا موافق لكلام إمام الهدى أبي منصور الماتريدي ، ثم إنه لا يلزم من عدم كفره مطلقا عدم قتله ; لأن قتله بسبب سعيه بالفساد كما مر . فإذا ثبت إضراره بسحره ولو بغير مكفر : يقتل دفعا لشره كالخناق وقطاع الطريق . مطلب في الكهانة

. ( قوله : والكهانة ) وهي تعاطي الخبر عن الكائنات في المستقبل وادعاء معرفة الأسرار . قال في نهاية الحديث : وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا يلقي إليه الأخبار عن الكائنات ، ومنهم أنه يعرف الأمور بمقدمات يستدل بها على موافقها من كلام من يسأله أو حاله أو فعله وهذا يخصونه باسم العراف كالمدعي معرفة المسروق ونحوه ، وحديث " من أتى كاهنا " يشمل العراف والمنجم . والعرب تسمي كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا ، ومنهم من يسمي المنجم والطبيب كاهنا ا هـ ابن عبد الرزاق .

( قوله : ودخل في الفلسفة المنطق ) لأنه الجزء الثاني منها كما قدمناه . والمراد به المذكور في كتبهم للاستدلال على مذاهبهم الباطلة . أما منطق الإسلاميين الذي مقدماته قواعد إسلامية فلا وجه للقول بحرمته بل سماه الغزالي معيار العلوم ، وقد ألف فيه علماء الإسلام ومنهم المحقق ابن الهمام فإنه أتى منه ببيان معظم مطالبه في مقدمة كتابه التحرير الأصولي .

( قوله : علم الحرف ) يحتمل أن المراد به الكاف الذي هو إشارة إلى الكيمياء ، ولا شك في حرمتها لما فيها من ضياع المال والاشتغال بما لا يفيد . ويحتمل أن المراد به جمع حروف يخرج منها دلالة على حركات . ويحتمل أن المراد علم أسرار الحروف بأوفاق الاستخدام وغير ذلك . ا هـ . ط . ويحتمل أن المراد الطلسمات ، وهي كما في شرح اللقاني نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل هذا العلم في أجسام من المعادن أو غيرها تحدث لها خاصة ربطت بها في مجاري العادات . ا هـ .

هذا وقد ذكر العلامة ابن حجر في باب الأنجاس من التحفة أنه اختلف في انقلاب الشيء عن حقيقته [ ص: 46 ] كالنحاس إلى الذهب هل هو ثابت ؟ فقيل نعم لانقلاب العصا ثعبانا حقيقة وإلا لبطل الإعجاز . وقيل لا لأن قلب الحقائق محال . والحق الأول إلى أن قال : تنبيه ، كثيرا ما يسأل عن علم الكيمياء وتعلمه هل يحل أو لا ، ولم نر لأحد كلاما في ذلك . والذي يظهر أنه ينبني على هذا الخلاف ، فعلى الأول من علم العلم الموصل لذلك القلب علما يقينيا جاز له علمه وتعليمه إذ لا محذور فيه بوجه ، وإن قلنا بالثاني أو لم يعلم الإنسان ذلك العلم اليقيني وكان ذلك وسيلة إلى الغش فالوجه الحرمة ا هـ ملخصا .

وحاصله أنه إذا قلنا بإثبات قلب الحقائق وهو الحق جاز العمل به وتعلمه ; لأنه ليس بغش لأن النحاس ينقلب ذهبا أو فضة حقيقة . وإن قلنا إنه غير ثابت لا يجوز ; لأنه غش كما لا يجوز لمن لا يعلمه حقيقة لما فيه من إتلاف المال أو غش المسلمين والظاهر أن مذهبنا ثبوت انقلاب الحقائق بدليل ما ذكروه في انقلاب عين النجاسة . كانقلاب الخمر خلا والدم مسكا ونحو ذلك ، والله أعلم .

( قوله : وعلم الموسيقي ) بكسر القاف : وهو علم رياضي يعرف منه أحوال النغم والإيقاعات ، وكيفية تأليف اللحون ، وإيجاد الآلات . وموضوعه الصوت من جهة تأثيره في النفوس باعتبار نظامه في طبقته وزمانه . وثمرته بسط الأرواح وتعديلها وتفويتها وقبضها أيضا . مطلب في الكلام على إنشاد الشعر

. ( قوله : وهو أشعار المولدين ) أي الشعراء الذين حدثوا بعد شعراء العرب . قال في القاموس : المولدة المحدثة من كل شيء ومن الشعراء لحدوثهم . وفي آخر الريحانة للشهاب الخفاجي : بلغاء العرب في الشعر والخطب على ست طبقات : الجاهلية الأولى من عاد وقحطان . والمخضرمون . وهم من أدرك الجاهلية والإسلام . والإسلاميون والمولدون والمحدثون والمتأخرون ومن ألحق بهم من العصريين ، والثلاثة الأول هم ما هم في البلاغة والجزالة . ومعرفة شعرهم رواية ودراية عند فقهاء الإسلام فرض كفاية ; لأنه به تثبت قواعد العربية التي بها يعلم الكتاب والسنة المتوقف على معرفتهما الأحكام التي يتميز بها الحلال من الحرام . وكلامهم وإن جاز فيه الخطأ في المعاني فلا يجوز فيه الخطأ في الألفاظ وتركيب المباني ا هـ .

( قوله : عن الغزل ) المراد به ما فيه وصف النساء والغلمان . وهو في الأصل كما في القاموس : اسم لمحادثة النساء . وعطف عليه قوله والبطالة عطف عام على خاص لأنه نوع منها . فشمل وصف حال المحب مع المحبوب أو مع عذاله من الوصل والهجر واللوعة والغرام ونحو ذلك . قال في المصباح : البطالة نقيض العمالة . من بطل الأجير من العمل فهو بطال بين البطالة بالفتح وحكي بالكسر وهو أفصح وربما قيل بالضم . وذكر ابن عبد الرزاق أنه وجد بهامش المصباح بخط مصنفه ما حاصله : الفعالة بالفتح قد يكون وصفا للطبيعة كالرزانة والجهالة . وبالكسر للصناعة كالتجارة . وبالضم لما يرمى كالقلامة . وقد يضمن اللفظ المعاني الثلاثة فيجوز فيه الحركات الثلاثة ، فالبطالة بالفتح لأنه وصف ثابت ، وبالكسر لأنه أشبه الصناعة للمداومة عليها ، وبالضم لأنها مما يرفض . ا هـ .

أقول : وعلى هذا يمكن أن يكون إشارة إلى أن المكروه منه ما داوم عليه وجعله صناعة له حتى غلب عليه وأشغله عن ذكر الله تعالى وعن العلوم الشرعية . وبه فسر الحديث المتفق عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم { لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا } ، فاليسير من ذلك لا بأس به إذا قصد به إظهار النكات واللطافات والتشابيه الفائقة والمعاني الرائقة ، وإن كان في وصف الخدود والقدود ، فإن علماء البديع قد استشهدوا من ذلك [ ص: 47 ] بأشعار المولدين وغيرهم لهذا القصد . وقد ذكر المحقق ابن الهمام في إشهادات فتح القدير أن المحرم منه ما كان في اللفظ ما لا يحل كصفة الذكور والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر المهيج إليها والحانات والهجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه ، لا إذا أراد إنشاد الشعر للاستشهاد به أو ليعلم فصاحته وبلاغته . ويدل على أن وصف المرأة كذلك غير مانع إنشاد أبي هريرة رضي الله عنه لذلك وهو محرم ، وكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومما يقطع به في هذا قول كعب رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم :

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول     تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
كأنه منهل بالراح معلول

وكثير في شعر حسان رضي الله تعالى عنه من هذا كقوله وقد سمعه النبي صلى الله عليه وسلم :

تبلت فؤادك في المنام خريدة     تسقي الضجيع ببارد بسام

فأما الزهريات المجردة عن ذلك المتضمنة وصف الرياحين والأزهار والمياه فلا وجه لمنعه نعم إذا قيل على الملاهي امتنع وإن كان مواعظ وحكما ا هـ ملخصا .

وفي الذخيرة عن النوازل قراءة شعر الأدب إذا كان فيه ذكر الفسق والخمر والغلام يكره ، والاعتماد في الغلام على ما ذكرنا في المرأة : أي من أنها إن كانت معينة حية يكره ، وإن كانت ميتة فلا . ا هـ . وسيأتي تمام الكلام على ذلك أيضا قبيل باب الوتر والنوافل إن شاء الله تعالى .

( قوله : التي لا يستخف فيها ) أي ليس فيها استخفاف بأحد من المسلمين كذكر عوراته والأخذ في عرضه . وفي بعض نسخ الأشباه لا سخف فيها : أي لا رقة وخفة ابن عبد الرزاق

السابق

|

| من 23

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة