English| Deutsch| Français| Español

  لجوؤك إلى الله ارتفاعٌ إليه ، واتباعك للشيطان ارتماء عليه ، وشتان بين من يرتفع إلى ملكوت السماوات ، وبين من يهوي إلى أسفل الدركات 

    فلسطين

هل نقد "إسرائيل" جريمة ؟

اقترح أحد أعضاء الكونجرس إصدار قانون يمنع توجيه النقد لـ"إسرائيل" في الجامعات الأميركية وإنذار مثل هذه الجامعات بأنه ستُحجب عنها المعونات الحكومية إذا سمحت بتوجيه اللوم للدولة اليهودية، بل وسيُعتبر مثل هذا النقد بمثابة سوء استخدام لمفهوم حرية الفكر، لأنه معادٍ للسامية، وهو أمر يعاقب عليه القانون.

وقد قدم الاقتراح بالقانون الجديد السناتور ريك سانتوروم (Rick Santorum) المعروف بدعمه لمشروع قانون محاسبة سوريا، الذي يتهم سوريا بدعم الإرهاب وتطوير أسلحة دمار شامل. وسمى السناتور سانتوروم مشروع قانونه الجديد: التعددية الأيديولوجية؛ لأنه سيقرر أن التعددية الأيديولوجية شرط أساسي للدعم المالي من جانب الحكومة، (واستخدام مصطلح التعددية الأيديولوجية لخنق أي نقد لإسرائيل هو مثل آخر على الكيفية التي يقوم بها الإعلام الغربي بتشويه المصطلحات وتعبئتها بالمضمون الذي يريد أن يفرضه عليها). وقد أيده السناتور سام براونباك (Sam Brownbank) وهو من المحافظين الجدد، ومن أكثر أعضاء مجلس الشيوخ تأييداً لإسرائيل، ويطالب السيناتور بتشكيل لجنة حكومية لرصد أي وقائع معادية للسامية (بمعنى أي نقد لإسرائيل) في الجامعات الأميركية.

ووراء هذا القانون تراث طويل، فأي مؤلف يجد نفسه عرضةً للهجوم إذا تجرأ وكتب دراسة علمية أو غير علمية تطعن في أن عدد ضحايا النازية من اليهود ستة ملايين ، أو تثير الشكوك بخصوص أفران الغاز وغاز زيكلون ب. وقد وقع كثيرون ضحية هذا الهجوم، ومنهم: بول راسينيه، الذي فنَّد في كتابه الضخم: أسطورة غرف الغاز وجود هذه الغرف أساساً ، وبيَّن أنها أكذوبة تاريخية. ومن ضحايا هذا القانون :هنري روكيه، الذي تقدم برسالة للدكتوراه إلى جامعة نانت في فرنسا تتضمن المعنى نفسه، وقد أجازت الجامعة الرسالة ومنحته الدرجة العلمية بامتياز، ولكن الحكومة الفرنسية ألغت قرار اللجنة وسحبت منه الدرجة.

وقد أصدر ستاجليش (Staglish)، أحد قضاة مدينة هامبورج، كتاباً بعنوان أسطورة أوشفيتس، والكتاب هو رسالة للدكتوراه كان القاضي قد قدمها إلى جامعة جوتينجن، وتوصَّل فيها إلى أن كثيراً من النصوص وشهادات الشهود بخصوص معسكر أوشفيتس أو عما كان يجري فيه غير صحيح بالمرة ومليء بالتناقضات، وقد أُجيزت الدكتوراه بالفعل، وما إن صدر الكتاب حتى قررت الجامعة سحب الدكتوراه من الرجل. كما أصدرت السلطات القضائية قراراً بخصم 10 في المئة من راتبه.

وقد تعرض المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج (David Irving) للمطاردة منذ نهاية الثمانينيات لأنه ينكر الإبادة، مع أن مجلة ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس

(The New York Review of Books) وصفته بأنه يعرف عن الاشتراكية الوطنية (أي النازية) أكثر من أي عالم آخر متخصص في هذا الحقل، وأشارت إلى كتابه عن حرب هتلر بأنه أفضل دراسة عن الجانب الألماني في الحرب. وعلى رغم كل هذا طُرد من كندا وبعد ذلك من أستراليا، ومُنع من إلقاء محاضراته فيهما. وأصدرت إحدى المحاكم الألمانية حكماً بتغريمه عشرة آلاف مارك لمجرد أنه نفى أن اليهود كانوا يموتون في غرف الغاز في معسكر أوشفيتس. وبالمثل، كان المفكر الفرنسي روجيه جارودي هدفاً دائماً للهجوم بسبب فضحه للتوظيف الصهيوني لوقائع الاضطهاد النازي لليهود، ولما تتسم به الفكرة الصهيونية من طبيعة خرافية معادية للتاريخ وللإنسانية.

وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته (أو هوته) في فرنسا مع صدور قانون فابيوس (رقم 43) في مايو 1990 المسمى قانون جيسو (وهو اسم النائب الشيوعي الذي تبنَّى هذا القانون). ويُحرِّم هذا القانون أي تشكيك في الجرائم المقترفة ضد الإنسانية بإضافة المادة 24 مكرر إلى قانون حرية الصحافة عام 1881، جاء فيها: يُعاقب بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفقرة السادسة من المادة 24، كل من ينكر وجود أي من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية كما وردت في المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية الملحق باتفاق لندن الموقع في 8 أغسطس 1945.

كيف يمكن- إذن- تفسير هذا الموقف الهستيري الذي يسود دولاً تزعم أنها ديمقراطية ليبرالية علمانية تفصل الدين عن الدولة، ولكنها مع هذا تقوم بتحريم إنكار الإبادة أو حتى التساؤل بخصوص مدى دقة الأعداد التي يروجها الصهاينة، كما تجرِّم أي شخصٍ تسوِّل له نفسه توجيه انتقادٍ لسلوك أعضاء الجماعات اليهودية، وأخيراً تجرِّم الهجوم على دولة محتلة لأراضي الغير، وتقوم بخرق كل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية؟

كيف يمكن تفسير هذا؟

الدولة الصهيونية دولة وظيفية، أسسها الغرب وأوكل لها وظيفة الدفاع عن مصالحه، وتزودها الولايات المتحدة بالدعم المالي والسياسي والعسكري. ولابد أن الجماهير الأميركية تتساءل عن مبرر تدفق هذه المليارات على دولة لا يزيد عدد سكانها على خمسة ملايين، وعن مبرر أن تأخذ الولايات المتحدة صفها ضد كل الدول العربية والإسلامية خاصةً بعد أن أصبح شارون، الصهيوني السفاح بشكل واضح فاضح، هو زعيمها وقائدها، وبعد أن أيَّدت هذه الدولة الولايات المتحدة دون تحفظ في غزوها للعراق، بل وحركت جماعات الضغط الصهيونية للتأكيد على هذا الغزو.

وقد أصبح معروفاً أن المحافظين الجدد، ممن يُطلق عليهم اسم صقور الإدارة الأميركية، سواء كانوا من اليهود أو غير اليهود، هم من الصهاينة الذين يؤيدون التدخل الأميركي في كل أنحاء العالم وفرض الهيمنة الأميركية الإمبريالية. وقد ظهرت موجة احتجاج شديدة بين أساتذة وطلاب الجامعات الأميركية ضد الدولة الصهيونية وضد تورط الولايات المتحدة في المغامرات العسكرية الإمبراطورية، ومن شأن هذا أن يفضح الإدارة الأميركية ....

وقد حاولت كل الإدارات الأميركية السابقة التصدي لهذا النقد عن طريق الدعم المالي والسياسي حتى يمكنها الحفاظ على قاعدتها الاستعمارية الصهيونية، وذلك بأن ربطت دولة إسرائيل بالمقدسات المسيحية وبمفاهيم آخر الأيام، وبذلك استفادت من المد الديني الذي يجتاح المجتمعات العلمانية الحديثة ووظفته لصالحها، وجعلت من الإبادة النازية ثم الدولة الصهيونية أموراً مقدسةً، والمقدس، بطبيعة الحال، لا يمكن أن يُوجه إليه النقد، فهو مطلق يتجاوز الزمان والمكان. وإذا فهمنا الأمر على هذا النحو ندرك أن مشروع قرار السناتور سانتوروم ليس جديداً كل الجدة، بل هو أمر كامن في الرؤية الأميركية للدولة الصهيونية وفي طريقة توظيف النخبة للخطاب الديني.
د. محمد السيد سعيد
صحيفة الاتحاد الإماراتية 18/5/2003