يستخدم الناس اللهجات العامية في أحاديثهم اليومية أكثر من استخدامهم للفصحى، وهم يتحـدثـون في الـمـجتـمع الواحد لهجات شتى...

وجاءت اللهجات كما قيدتها كتب التراث اللغوي في تسميات مـثل الكشلـشة، العنـعـنة، والفحفحـة، والثـلـثلة، والتضـجع، والعجعجة...

ولقد استعمل العرب العامية للدلالة على مستوى اللغة العربية الـذي يـستعمله سـواد الـناس وعـامتهم فـي التـعبير عن أغراضهم، وما العامية في رأيهم إلا الوجه الآخر للفصحى محرفًا قليلاً أو كثيرًا على ألسن الناس ونطقهم.

ففي القديم كانت الفروق بين اللهجات تكاد تقتصر على الخصائص النطقية والعادات الصوتية، وما عرض له اللغويون القدامى من أمثلة تخالف اللغة الموحدة المطردة في الفصاحة كان قليلاً (1).

علاقة العامية بالفصحى:

لم تكن نظرة علمائنا إلى اللهجات مقرونة بالريبة والتخوف بقدر ما كانت مشوبة بالاستنكار وعدم الرضا، ولهذا صنفوا اللهجات في أدنى مراتب الفصاحة، لا خارجها، ووصفوها بالمذمومة والقبيحة والرديئة والمرغوب عنها (1).

وعلى الرغم من أن العامية لا تعتمد على قواعد ثابتة، ومنها كثير مشتق من لغات الأعاجم، فإن المشتغلين بالدراسات اللغوية يؤكدون أن اللهجات العامية حافظت على ثروة هائلة من الألفاظ الفصيحة المهملة عند الكتاب والأدباء والمصطلحات العربية الصحيحة التي استنبـطت أيام ازدهـار الـمدنية ولم يضمها معجم ولا سجلها أحد من علماء اللغة إلا في القليل النادر(2).

وعلى سبيل المثال، تحتوي العامية الجزائرية على عدد هام من ألفاظ القرآن الكريم، ويتم توظيفها وفق السياقات التي وردت في كتاب الله عز وجل.. وفي ذلك نذكر ما يأتي(3):

\ نقول: غاظه الشيء، ويستعمل هذا اللفظ عندما يفقد المرء شيئًا عزيزًا عليه، أو يمنى بخسارة لم يكن يريدها، أو يخونه شخص ما كان يثق فيه.. قال الله تعالى: {وإذا خلو عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } (آل عمران:119) .

ونقول: فرّط (بتشديد الراء ) في الشيء، بمعنى قصر فيه وضيعه وبدده، وتستخدم خاصة عندما يهاجر الشخص ولا يسأل عن والديه أو أهله.. قال الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء } (الأنعام: 38) .

ونـقول: تـاه فــلان، بـمعنى ضـل الطريق وسـار متـحـيـرًا.. قال تعالى:{ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } (المائدة:26).

ونقول: هذا الطفل اليوم ما به خانس؟؟ عندما يكون منزو وعليه علامات الخوف والترقب، ويكون ذلك عادة عندما يقوم بعمل يعـلـم أنـه ســوف يغـضب والديه إذا علموه، كتكسير أثاث البـيـت، أو عراك، قال تعالى: { قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس } (الناس:1-4).

ونقول أيضًا: "أرض سائبة، وصوف منفوشة، ويحنث، وبرئ المريض، وغشي، والملة، والبنان، أي أصبع الرجل "، وغيرها كثير.

مخاطر الدعوة إلى العامية:

إن اللغة العربية في الوقت الراهن قد انتشرت انتشارًا واسعًا مس جميع الميادين والحقول، لكن هذا الاتساع جرى في كثير من الأحيان على حساب مقومات شخصيتها، فبدت للملاحظ أنها لغة عربية في حروفها، وفي بعض ألفاظها، بينما في معظم استعمالاتها وتركيبها اتسمت بالاعوجاج والانحراف عن طبيعتها اللفظية ودلالاتها المعنوية، الأمر الذي أخرجها من اللغة الواحدة إلى اللهجات المتعددة التي تشتمل على خليط من الكلمات الأجنبية (الدخيلة ) ومن الألفاظ العربية المنحرفة عن الصيغ الأصيلة(1).

إن الدعوة إلى العامية تمتد بجذورها في التاريخ، وقد لعب المستشرقون دورًا بالغ الخطورة والأثر، وكان أول من دعا إلى التحول من الفصحى إلى العامية الـمستشرق الألماني ولهام سميث، الذي كان مديرًا لدار الكتب المصرية خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي.

لقد أدرك علماء الغرب الترابط الوثيق بين اللغة العربية والدين الإسلامي وعرفوا أن الإسلام لا يفهم إلا بها، وأنها ركن جوهري من القرآن الكريم (...) فأخذوا يوجهون السهام إليها، وبذلوا الجهود الكبيرة لإضعافها وتدميرها وإبعاد المسلمين عنها، وصرفهم عن الفصحى التي تؤدى بها(1).

لقد أخذوا يروجون للغة العامية واللهجات الإقليمية المحلية لتكون لغة التخاطب والكتابة والآداب والفنون والمعاملات، وكان ذلك أسلوبًا من أساليب إضعاف اللغة العربية وإهمالها، وكان أيضًا جزءًا من المؤامرة عليها(2).

يتحدث الشيخ محمد الغزالي بمرارة جلية عن المـحاولات الرامية لضرب اللغـة الـعـربية وإضـعافـها والتمكين للهجات، حيث يقول(3): "لا أزال أذكر أيامًا كان يتكلم الأزهريون فيها باللغة الفصحى ".

فوضع الاستعمار خطته كي يجعل من كلامهم "بالنحو " مثار السخرية ومبعث الهزء في كل مجلس.

ونجح الاستعمار في إبعاد الفصحى عن لغة التخاطب ليستأنف إبعادها عن لغة التأليف والإذاعة.

ثم يروي حادثة وقعت له نفسه قائلاً: "أطلعني أحد الأصدقاء على مجلة أسبوعية أخرجت لسانها لي لأني أنطق الجيم جيمًا والقاف بلغة العرب؟؟

للقاف والجيم رنين يرتطم بقفاه كأنه صفعة مزعجة؟؟

إن الغريب ليس إفلاح الاستعمار في خلق هذا المخنث المسخ، ولكن الغريب أن يتسلل هذا المسخ إلى وسائل الإعلام ليكون له حق توجيه الجماهير.. توجيهها إلى أين؟

إلى مواطن الخزي والندامة، مواطن الارتداد والنكوص... "

استعمال العامية في وسائل الإعلام أضر بلغة القرآن:

إن من أكبر العوامل الضارة باللغة العربية وبمستقبلها وحتى بمستقبل الوحدة العربية استعمال اللهجات المحلية في السينما والمسرح وفي الإذاعة والتلفزة، إذ يجمع بين البلاد العربية لغة القرآن، والعدول عنها إلى اللهجات المحلية هو خصم لهذه الوحدة، وقد قال أحد الأدباء: "الذين ينادون بإحلال العامية لسهولتها محل الفصحى لصعوبتها هم أشبه بمن ينادون بتعميم الجهل لأنه سهل وإلغاء العلم لأنه صعب المنال "(1).

يقول الدكتور مسعود بوبو(1): "ينبغي لنا ألا يغيب عن بالنا أن الظاهرة اللهجية لا تقف عند النطق كما كان الحال قديمًا، بل تتعداه إلى الكتابة المرئية واضحة على "شاشات التلفزيون".. والكتابة اللهجية تنطوي على الخطأ الإملائي والخطأ النحوي، ورؤيتها على هذه الصورة المتكررة يرسخها في أذهان أجيالنا قبل معرفتهم السلامة اللغوية، وهذا يجعل من العسير محوها من أذهانهم ".

ثم يقارن بين عوائق فهم اللغة الفصحى واللهجات العامية حيث يخلص إلى القول: "وليس صحيحًا ما يقال عن وجود عوائق تحول دون فهم ما يؤدى باللغة الفصحى، بل العوائق دون فهم اللهجات أكثر وأشـد ضـررًا، فالفـصحـى موحـدة يفهمها الـجميع، أو السواد الأعظم من العرب المتعلمين، في حين يصعب على الجميع - متعلمين وغير متعلمين- الإحاطة باللهجات العربية على اختلاف مواصفاتها ومناطقها ".

وفي السياق نفسه يقول الأستاذ محي الدين عبد الحليم(2): فإذا استعرضنا برامج التلفزيون أو الإذاعة في معظم البلاد العربية لوجدنا أن نسبة ما تبثه بالعامية تزيد عما تبثه بالفصحى، ولا سيما في الأعمال الدرامية والمنوعات التي يندر فيها استعمال الفصيح من اللغة بحجة أن وسائل الإعلام تخاطب الجمهور ككل.. وكون هذا الجمهور ذو ثقافات متباينة، ونتيجة للابتذال واستخدام الألفاظ والكلمات الهابطة من طرف الإعلاميين، وعدم الحفاظ على الحد الأدنى من الأصول والقواعد اللغوية، أدى إلى الاستخفاف بقواعد اللغة العربية، كما أدى ذلك إلى الترويج إلى السوقية وشيوع الكلمات والمصطلحات غير اللائقة.

إن بعض خصوم العربية يختفون وراء الدعوة إلى تيسير التعبير بها وتسهيله، والتيسير عندهم يعني التخلي عن قواعدها وعن الأساليب الصحيحة في التعبير عنها، وعن أساليبها الصحيحة في التعبير بها، ويمكن أن نلمس هذا في وسائل الإعلام وأساليب الإشهار، إذ نادرًا ما نقرأ كلامًا عربيًا صحيحًا فيما تكتبه الصحف والمجلات أو فيما تذيعه مختلف وسائل الإعلام وهؤلاء الذين يفضلون استعمال التعابير البسيطة غير الصحيحة يغيب عنهم أن المعاني مرتبطة بقوالب صيغها وحالات إعرابها، لأنها في الحقيقة لغة اشتقاقية معربة.. ومعنى أنها اشتقاقيه: أن معاني ألفاظها تتغير كلما تغيرت قوالب صيغها، ومعنى أنها معربة: أن معظم معانيها الإعرابية تتغير كلما تغيرت وظائفها في التركيب(1).

أما اليوم، فأمر اللهجات يثير المخاوف، ويؤرق الغيارى على العربيـة العريقـة، ويقـلق كل مـن يستـشرف بـتـدبر وأناة آثارها المفزعة في المستقبل، ذلك أن اللهجات العربية بتنوعها تبدو بحق كأنها حرب معلنة على العربية الفصحى من محطات التلفزة.. وخطر هذه اللهجات يجيئ من كونها تتعدى المظاهر الصوتية، إذ تتضمن كلمات أجنبية دخيلة ومصطلحات ومسميات مرتجلة بغير خبرة بخصائص اللغة العربية، يسوقها معدون أو مذيعون على نحو مغرق في التسرع ومراعاة الشائع محليًا، أو في مرعاة أذواق الناطقين بها وحدهم، وأحيانًا يمعنون في المحلية فيتحدثون بلهجة منطقة بعينها من هذا القطر أو ذاك، وأحيانًا تبدو اللهجة متأثرة ببقايا اللغة التي كانت رائجة على ألسنة المستعمرين ، ممن كان لهم وجود في كثير من مناطق الوطن العربي قديمًا وحديثًا، أو تبدو متأثرة بألفاظ سقيمة لا مكان لها في مستويات الفصاحة المرتضاة(2).

ويرى بعض الباحثين أن تغليب العامية في بعض وسائل الإعلام كان سببًا من أسباب أزمة اللغة العربية المعاصرة، وذلك لأن وسائل الإعلام تخاطب الجماهير العريضة والمستويات الثقافية المتباينة وتؤثر فيها تأثيرًا نافذًا.. وحجة بعض وسائل الإعلام في استخدام العامية أنها تـحاول إرضـاء كل الأذواق، وأنها تتوجه إلى فئات غفيرة من غير المتعلمين(1).

إن من ينتصرون للعامية بلهجاتها،أو يتحمسون لها بحجة مراعاة الأميين، أو محدودي المعرفة، إنما يفعلون ذلك وكأنهم ينتصرون للمزيد من التخلف والجهل، أو كأنهم يستمرئون الانحطاط(2).

ضبط التعامل مع العامية:

ننهي هذا الفصل بتقديم مقترحات قد تضبط عملية التعامل مع العامية في وسائل الإعلام المحلية، حيث نرى:

- إن العامية في حياة الأمم واقع لا يمكن نكرانه، أو القفز عليه، فهي في جميع الحالات تمثل جزءًا من شخصيتنا، بسلبياتها وإيجابياتها، ومع ذلك ينبغي لنا أن نؤكد حقيقة هامة، وهي أن العامية لا يمكن اعتبارها رافدًا يغني العربية، بل قد تشوه حقيقتها، وتقوّض أعمدتها وأصولها.

- والعامية من الناحية الاتصالية قد تؤدي دورًا محدودًا جدًا، فقد تؤدي وظيفتها الخاصة بالفهم في حدود المنطقة التي تلهج بها، بيد أنه يتقلص دورها كلما ابتعدنا عن موطن اللهجة، وحتى محاولات فهمها يظل صعب المنال، في حين إذا تعلق الأمر بالعربية الفصحى، فالقواميس التي وجدت لهذا الغرض، يمكن أن تقدم خدمات جليلة لمن يريد فهمها أو التعمق فيها. ويجب التنبيه أيضًا إلى أن تهذيب وصقل العامية أو ترقيتها لا ينبغي أن يتم إلا من لدن خبير بأسرار اللهجة واللغة الفصحى، كما يجب أن يوضع في البال ضرورة التوحيد اللغوي للأمة في كل مسعى.

- وإذا كانت العامية تستمد ألفاظها من ينابيع لا حصر لها، وإذا كانت وسائل الإعلام السمعية البصرية تشكل المصدر الأساس لتداول الألفاظ والمفردات، فمن الأنفع استغلال هذه الوسائل - كل واحدة حسب طبيعتها- من أجل تزويد الناس برصيد لغوي جديد يساهم في ترقية لهجاتهم، أو يصحح نطقهم للألفاظ العامية ذات الأصول العربية.

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة