التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » الكامل في التاريخ » ثم دخلت سنة إحدى وستين

مسألة: الجزء الثالث
[ ص: 157 ] 61

ثم دخلت سنة إحدى وستين

ذكر مقتل الحسين ، رضي الله عنه

وسار الحسين بن شراف ، فلما انتصف النهار كبر رجل من أصحابه ، فقال له : مم كبرت ؟ قال : رأيت النخل .

فقال رجلان من بني أسد : ما بهذه الأرض نخلة قط ! فقال الحسين : فما هو ؟ فقالا : لا نراه إلا هوادي الخيل .

فقال : وأنا أيضا أراه ذلك .

وقال لهما : أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقالا : بلى ، هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد .

فمال إليه ، فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا إليهم ، فسبقهم الحسين إلى الجبل فنزل ، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي ، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في حر الظهيرة ، فقال الحسين لأصحابه وفتيانه : اسقوا [ ص: 158 ] القوم ورشفوا الخيل ترشيفا .

ففعلوا ، وكان مجيء القوم من القادسية ، أرسلهم الحصين بن نمير التميمي في هذه الألف يستقبل الحسين ، فلم يزل مواقفا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر ، فأمر الحسين مؤذنه بالأذان فأذن ، وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم ، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن أقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى ، فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم ، وإن لم تفعلوا أو كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه .

فسكتوا وقالوا للمؤذن : أقم ، فأقام ، وقال الحسين للحر : أتريد أن تصلي أنت بأصحابك ؟ فقال : بل صلي أنت ونصلي بصلاتك .

فصلى بهم الحسين ، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه ، ثم صلى بهم الحسين العصر ، ثم استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم .

فقال الحر : إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر .

فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين أيديهم .

فقال الحر : فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد .

فقال الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ! ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحر من ذلك .

فقال له الحسين : ثكلتك أمك ! ما تريد ؟ قال له : أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنا من كان ، ولكني والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه .

فقال له الحسين : ما تريد ؟ قال الحر : أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد .

قال الحسين : إذن والله لا أتبعك .

قال الحر : إذن والله لا أدعك .

فترادا الكلام ، فقال له الحر : إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، [ فإذا أبيت ] فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة حتى

[ ص: 159 ] أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعل الله يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك .

فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحر يسايره .

ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله .

ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غير ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم ، وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي ابن L129 فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهلكم ، فلكم في أسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل ، والمغرور من اغتر بكم ، فحظكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم ، والسلام .

فقال له الحر : إني أذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن .

فقال له الحسين : أبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟ وما أدري ما أقول لك ! ولكني أقول كما قال أخو الأوسي لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : أين تذهب ؟ فإنك مقتول فقال :


سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما     وواسى رجالا صالحين بنفسه
وخالف مثبورا وفارق مجرما     فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم
كفى بك ذلا أن تعيش وترغما



[ ص: 160 ] فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه فكان يسير ناحية عنه حتى انتهى إلى عذيب الهجانات ، كان به هجائن النعمان ترعى هناك فنسب إليها ، فإذا هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي وانتهوا إلى الحسين ، فأقبل إليهم الحر وقال : إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم .

فقال الحسين : لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي ، إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي ، فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك .

فكف الحر عنهم ، فقال لهم الحسين : أخبروني في خبر الناس خلفكم .

فقال له مجمع بن عبيد الله العائذي ، وهو أحدهم : أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم ، وملئت غرائرهم ، فهم ألب واحد عليك ، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك .

وسألهم عن رسوله قيس بن مسهر ، فأخبروه بقتله وما كان منه ، فترقرقت عيناه بالدموع ولم يملك دمعته ، ثم قرأ : فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك .

وقال له الطرماح بن عدي : والله ما أرى معك كثير أحد ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم ، ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعا في صعيد واحد أكثر منه قط ليسيروا إليك ، فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرا فافعل ، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ ، فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض ، والله ما إن دخل علينا ذل قط ، فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم تبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا ، ثم [ ص: 161 ] أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، فوالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف .

فقال له : جزاك الله وقومك خيرا ! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ولا ندري علام ( تتصرف بنا وبهم ) الأمور .

فودعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره ، ففعل ، ثم عاد إلى الحسين ، فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله .

ثم سار الحسين حتى بلغ قصر مقاتل فرأى فسطاطا مضروبا فقال : لمن هذا ؟ فقيل : لعبيد الله بن الحر الجعفي .

فقال : ادعوه لي .

فلما أتاه الرسول يدعوه قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها ، والله ما أريد أن أراه ولا يراني .

فعاد الرسول إلى الحسين فأخبره ، فلبس الحسين نعليه ثم جاء فسلم عليه ودعاه إلى نصره ، فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة ، قال : فإن لا تنصرني فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا ، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك .

فقال له : أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله تعالى .

ثم قام الحسين فخرج إلى رحله ثم سار ليلا ساعة فخفق برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين .

فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال : يا أبت جعلت فداك ! مم حمدت واسترجعت ؟ قال : يا بني إني خفقت برأسي خفقة فعن لي فارس على فرس ، فقال : القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أن أنفسنا نعيت إلينا .

فقال : يا أبت لا أراك الله سوءا .

ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي يرجع إليه العباد .

قال : إذن لا نبالي أن نموت محقين .

فقال له : جزاك الله من ولد خيرا ما جزى ولدا عن والده .

فلما أصبح نزل فصلى ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم ، فأتى الحر فرده وأصحابه ، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه وارتفعوا ، فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلى نينوى ، المكان الذي نزل به الحسين ، فلما نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة ، فوقفوا ينتظرونه ، فسلم على الحر ولم يسلم على الحسين وأصحابه ، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ، فإذا فيه : أما بعد فجعجع بالحسين حين

[ ص: 162 ] يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام .

فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر : هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره .

وأخذهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية ، فقالوا : دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية أو شفية .

فقال لا أستطيع ، هذا الرجل قد بعث عينا علي .

فقال زهير بن القين للحسين : إنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا ابن رسول الله ، وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به ! فقال الحسين : ما كنت لأبدأهم بالقتال .

فقالا له زهير : سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم .

فقال الحسين : ما هي ؟ قال : العقر .

قال : اللهم إني أعوذ بك من العقر ! ثم نزل ، وذلك يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستين .

فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف ، وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف إلى دستبى ، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها وكتب له عهده على الري ، فعسكر بالناس في حمام أعين ، فلما كان من أمر الحسين ما كان دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال له : سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك .

فاستعفاه .

فقال : نعم ، على أن ترد عهدنا .

فلما قال له ذلك قال : أمهلني اليوم حتى أنظر .

فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه ، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة ، وهو ابن أخته ، فقال : أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطع رحمك ، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين ! فقال : أفعل .

وبات ليلته مفكرا في أمره ، فسمع وهو يقول :

[ ص: 163 ]

أأترك ملك الري والري رغبة     أم أرجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها     حجاب وملك الري قرة عين



ثم أتى ابن زياد فقال له : إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به ، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه ، وسمى أناسا .

فقال له ابن زياد : لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث ، فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا .

قال : فإني سائر .

فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين ، فلما نزل به بعث إليه رسولا يسأله ما الذي جاء به ، فقال الحسين : كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم ، فأما إذ كرهوني فإني أنصرف عنهم .

فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك ، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال :


الآن إذ علقت مخالبنا به     يرجو النجاة ( ولات حين مناص
)



ثم كتب إلى عمر يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد فإن فعل ذلك رأينا رأينا ، وأن يمنعه ومن معه الماء .

فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس ، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام ، ونادى عبد الله بن أبي الحصين الأزدي وعداده في بجيلة : يا حسين أما تنظر إلى الماء ؟ لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا ! فقال الحسين : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا .

قال : فمرض فيما بعد فكان يشرب ( الماء ) القلة ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يبغر ثم يقيء ثم يشرب فيما يروى ، فما زال كذلك حتى مات .

فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار في عشرين راجلا يحملون القرب وثلاثين فارسا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملئوا القرب وعادوا ، ثم بعث الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري

[ ص: 164 ] أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك .

فخرج إليه عمر ، فاجتمعا وتحادثا طويلا ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره ، وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد : اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين .

فقال عمر : أخشى أن تهدم داري .

قال : أبنيها لك خيرا منها .

قال : تؤخذ ضياعي .

قال : أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز .

فكره ذلك عمر .

وتحدث الناس بذلك ولم يسمعوه ، وقيل : بل قال له : اختاروا مني واحدة من ثلاث : إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم .

وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال : صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل ، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله ، فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد ، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ودعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس فلم يفعلوا .

ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا وأربعا فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد : أما بعد فإن الله أطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا ، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده ، وفي هذا لكم رضى ، وللأمة صلاح ، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لأميره ، مشفق على قومه ، نعم قد قبلت .

فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة ، وإن عفوت كان ذلك لك ، [ ص: 165 ] والله لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين .

فقال ابن زياد : نعم ما رأيت ! اخرج بهذا الكتاب إلى عمر فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما ، وإن أبوا فليقاتلهم ، وإن فعل فاسمع له وأطع ، وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى الناس واضرب عنقه وابعث إلي برأسه .

وكتب معه إلى عمر بن سعد : أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعا ، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق شاق قاطع ظلوم ، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر وبين العسكر ، والسلام .

فلما أخذ شمر الكتاب كان معه عبد الله بن أبي المحل بن حزام عند ابن زياد ، وكانت عمته أم البنين بنت حزام عند علي ، فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان ، فقال لابن زياد : إن رأيت أن تكتب لبني أختنا أمانا فافعل ، فكتب لهم أمانا فبعث به مع مولى له إليهم ، فلما رأوا الكتاب قالوا : لا حاجة لنا في أمانكم ، أمان الله خير من أمان ابن سمية .

فلما أتى شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر قال له : ما لك ويلك قبح الله ما جئت به ! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به ، أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح ، والله لا يستسلم الحسين أبدا ، والله إن نفس أبيه لبين جنبيه .

فقال له شمر : ما أنت صانع ؟ قال : أتولى ذلك .

ونهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم ، وجاء شمر فدعا العباس بن علي وإخوته فخرجوا إليه ، فقال : أنتم يا بني أختي آمنون .

فقالوا له : لعنك الله ولعن أمانك ! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له ؟

السابق

|

| من 11

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة