التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » الكامل في التاريخ » ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 704 ] 38

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

ذكر ملك عمرو بن العاص مصر وقتل محمد بن أبي بكر الصديق

في هذه السنة قتل محمد بن أبي بكر الصديق بمصر وهو عامل علي عليها ، وقد ذكرنا سبب تولية علي إياه مصر وعزل قيس بن سعد [ عنها ] ودخوله مصر وإنفاذه ابن مضاهم الكلبي إلى أهل خرنبا ، فلما مضى ابن مضاهم إليهم قتلوه ، وخرج معاوية بن حديج السكوني ، وطلب بدم عثمان ودعا إليه ، فأجابه ناس ، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر ، فبلغ ذلك عليا فقال : ما لمصر إلا أحد الرجلين ، صاحبنا الذي عزلنا - يعني قيسا ، أو الأشتر - ، وكان الأشتر قد عاد بعد صفين إلى عمله بالجزيرة ، وقال علي لقيس : أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة ، ثم تسير إلى أذربيجان . فلما بلغ عليا أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه ، فحضر عنده ، فأخبره خبر أهل مصر وقال : ليس لها غيرك فاخرج إليها ، فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك ، واستعن بالله ، واخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، وتشدد حين لا يغني إلا الشدة .

فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك ، فعظم عليه ، وكان قد طمع في مصر ، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم ، وقال له : إن الأشتر قد ولي مصر ، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت . فخرج الحابسات حتى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر ، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل ، [ ص: 705 ] فعرض عليه النزول ، فنزل عنده ، فأتاه بطعام ، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه ، فلما شربه مات .

وأقبل معاوية يقول لأهل الشام : إن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر ، فادعوا الله عليه ، فكانوا يدعون الله عليه كل يوم ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية ، فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية خطيبا ثم قال : أما بعد ، فإنه كانت لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين - يعني عمار بن ياسر - ، وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر .

فلما بلغ عليا موته قال : لليدين وللفم ! وكان قد ثقل عليه لأشياء نقلت عنه . وقيل : إنه لما بلغه قتله قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! مالك وما مالك ، وهل موجود مثل ذلك ؟ لو كان من حديد ، لكان قيدا أو من حجر ، لكان صلدا ! على مثله فلتبك البواكي ! وهذا أصح ; لأنه لو كان كارها له لم يوله مصر .

وكان الأشتر قد روى الحديث عن عمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي ذر . [ ص: 706 ] وروى عنه جماعة . وقال أحمد بن صالح : كان ثقة .

قيل : ولما بلغ محمد بن أبي بكر إنفاذ الأشتر شق عليه ، فكتب إليه علي : أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك ، وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازديادا مني لك في الجد ، ولو نزعت ما تحت يدك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة منه وأعجب إليك ولاية ، إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا نصيحا ، وعلى عدونا شديدا ، وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضي الله عنه ، وضاعف له الثواب ، اصبر لعدوك وشمر للحرب و ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) . وأكثر ذكر الله ، والاستعانة به ، والخوف منه ، يكفك ما أهمك ، ويعنك على ما ولاك .

وكتب إليه محمد : أما بعد فقد انتهى إلي كتابك وفهمته ، وليس أحد من الناس أرضى برأي أمير المؤمنين ، ولا أجهد على عدوه ، ولا أرأف بوليه مني ، وقد خرجت فعسكرت وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا ، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه . والسلام .

وقيل : إنما تولى الأشتر مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر .

وكان أهل الشام ينتظرون بعد صفين أمر الحكمين ، فلما تفرقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة ، ولم يزدد إلا قوة ، واختلف الناس بالعراق على علي ، فما كان لمعاوية هم إلا مصر ، وكان يهاب أهلها لقربهم منه وشدتهم على من كان على رأي عثمان ، وكان يرجو أنه إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي لعظم خراجها ، فدعا معاوية عمرو بن العاص ، وحبيب بن مسلمة ، وبسر بن أبي أرطاة ، والضحاك بن قيس ، وعبد الرحمن بن خالد ، وأبا الأعور السلمي ، وشرحبيل بن السمط الكندي ، فقال لهم : أتدرون لم جمعتكم ؟ فإني جمعتكم لأمر لي مهم ! فقالوا : لم يطلع الله على الغيب أحدا ، وما نعلم ما تريد . فقال عمرو بن العاص : دعوتنا لتسألنا عن رأينا في مصر ، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر ، فنعم الرأي رأيت في افتتاحها ! فإن فيه عزك وعز أصحابك ، وكبت [ ص: 707 ] عدوك ، وذل أهل الشقاق عليك . فقال معاوية : أهمك يا ابن العاص ما أهمك ! وذلك أن عمرا كان صالح معاوية على قتال علي على أن له مصر طعمة ما بقي . وأقبل معاوية على أصحابه وقال : أصاب أبو عبد الله ، فما ترون ؟ فقالوا : ما نرى إلا ما رأى عمرو . قال : ( فكيف أصنع ) ؟ ( فإن عمرا لم يفسر كيف أصنع ) . فقال عمرو : أرى أن تبعث جيشا كثيفا ، عليهم رجل حازم صابر صارم ، تأمنه وتثق به ، فيأتي مصر ، فإنه سيأتيه من كان على مثل رأينا فيظاهره على عدونا ، فإن اجتمع جندك ومن بها على رأينا رجوت أن ينصرك الله .

قال معاوية : أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا ، فنمنيهم ونأمرهم بالثبات ، ونكاتب من بها من عدونا ، فندعوهم إلى صلحنا ، ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا ، فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا ، وإلا كان حربهم من بعد ذلك . إنك يا ابن العاص بورك لك في الشدة والعجلة ، وأنا بورك لي في التؤدة . قال عمرو : افعل ما ترى فما أرى أمرنا يصير إلا إلى الحرب .

فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد ، ومعاوية بن حديج السكوني ، وكانا قد خالفا عليا ، يشكرهما على ذلك ويحثهما على الطلب بدم عثمان ، ويعدهما المواساة في سلطانه ، وبعثه مع مولاه سبيع .

فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج : أما بعد ، فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا وابتعنا به أمر الله أمر نرجو به ثواب ربنا ، والنصر على من خالفنا ، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا ، وأما ما ذكرت من المواساة في سلطانك ، فتالله إن ذلك أمر ما له نهضنا ، ولا إياه أردنا ، فعجل إلينا بخيلك ورجلك ، فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين ، فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك . والسلام .

فجاءه الكتاب وهو بفلسطين ، فدعا أولئك النفر وقال لهم : ما ترون ؟ قالوا : نرى أن تبعث جندا .

فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها ، وبعث معه ستة آلاف رجل ، ووصاه بالتؤدة [ ص: 708 ] وترك العجلة . وسار عمرو فنزل أداني أرض مصر ، فاجتمعت إليه العثمانية ، فأقام بهم ، وكتب إلى محمد بن أبي بكر : أما بعد ، فتنح عني بدمك يا بن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر ، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ، وهم مسلموك ، فاخرج منها إني لك من الناصحين . وبعث معه كتاب معاوية في المعنى أيضا ، ويتهدده بقصده حصار عثمان .

فأرسل محمد الكتابين إلى علي ، ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر ، وأنه رأى التثاقل ممن عنده ويستمده . فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه ، ويعده إنفاذ الجيوش إليه ، ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله . وقام محمد بن أبي بكر في الناس ، وندبهم إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر ، فانتدب معه ألفين ، وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين وكنانة على مقدمته ، وأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا منه سرح الكتائب ، كتيبة بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلا حمل عليها ، فألحقها بعمرو بن العاص ، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية بن حديج ، فأتاه في مثل الدهم ، فأحاطوا بكنانة وأصحابه ، ( واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فلما رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه ، ونزل معه أصحابه ) ، فضاربهم بسيفه حتى استشهد .

وبلغ قتله محمد بن أبي بكر ، فتفرق عنه أصحابه ، وأقبل نحوه عمرو ، وما بقي معه أحد ، فخرج محمد يمشي في الطريق ، فانتهى إلى خربة في ناحية الطريق ، فأوى إليها ، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر ، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق ، فسألهم عنه ، فقال أحدهم : دخلت تلك الخربة ، فرأيت فيها رجلا جالسا . فقال ابن حديج : هو هو . فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا ، وأقبلوا به نحو الفسطاط ، فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص ، وكان في جنده ، وقال : أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه . فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد ، فقال : قتلتم كنانة بن بشر ، وأخلي أنا محمدا ؟ ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) . هيهات هيهات ! فقال لهم محمد بن أبي بكر : اسقوني ماء . فقال له معاوية بن حديج : لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا ، إنكم منعتم عثمان شرب الماء ، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من [ ص: 709 ] الحميم والغساق ! فقال له محمد : يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك ، إنما ذلك إلى الله ، يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك ، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا . ثم قال له : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف حمار ، ثم أحرقه عليك بالنار . فقال محمد : إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء الله ، وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو نارا تلظى ، كلما خبت زادها الله سعيرا . فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ، ثم أحرقه بالنار .

فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا ، وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، وأخذت عيال محمد إليها ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم ، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت .

وقد قيل : إن محمدا قاتل عمرا ومن معه قتالا شديدا فقتل كنانة ، وانهزم محمد ، واختبأ عند جبلة بن مسروق ، فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به ، فخرج محمد فقاتل حتى قتل .

وأما علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد ، قام في الناس خطيبا ، وأخبرهم خبر مصر ، وقصد عمرو إياها ، وندبهم إلى إنجادهم ، وحثهم على ذلك ، وقال : اخرجوا بنا إلى الجرعة ، وهي بين الكوفة والحيرة ، فلما كان الغد خرج إلى الجرعة ، فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار ، فلم يأته أحد ، فرجع ، فلما كان العشي استدعى أشراف الناس وهو كئيب فقال : الحمد لله على ما قضى من أمره ، وقدر من فعله ، وابتلاني بكم ، أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت ، ولا تجيب إذا دعوت ، لا أبا لغيركم ! ما تنتظرون بمصركم والجهاد على حقكم ؟ فوالله لئن جاء الموت ، وليأتيني ، ليفرقن بيني وبينكم ، وأنا لصحبتكم قال ، وبكم غير كثير ، لله أنتم ! أما دين يجمعكم ، ولا محمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم ، ويشن الغارة عليكم ؟ أوليس عجيبا أن معاوية ( يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ) في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء ، وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى ، وبقية الناس على العطاء والمعونة ، فتتفرقون عني تعصونني وتختلفون علي !

فقام كعب بن مالك الأرحبي وقال : يا أمير المؤمنين اندب الناس ، لهذا اليوم كنت [ ص: 710 ] أدخر نفسي . ثم قال : أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه ، وأنا أسير إليه . فخرج معه ألفان . فقال له : سر ، فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم . فسار بهم خمسا .

ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر ، فأخبره بقتل محمد بن أبي بكر ، وكان معه ، وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام ، وكان عينه هناك ، فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر ، وسرور أهل الشام بقتله . فقال علي : أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافا ! فأرسل علي ، فأعاد الجيش الذي أنفذه وقام في الناس خطيبا وقال :

ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور ، والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا ! ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد ، فعند الله نحتسبه ! أما والله ، إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحب هدي المؤمن ، إني والله ما ألوم نفسي على تقصير ، وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير ، وإني لأتقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم ، وأقوم فيكم بالرأي المصيب ، وأستصرخكم معلنا ، وأناديكم نداء المستغيث ، فلا تسمعون لي قولا ، ولا تطيعون لي أمرا ، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة ، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ، ولا تنقض بكم الأوتار ، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة ، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب ، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ، فأف لكم ! ثم نزل .

( معاوية بن حديج : بضم الحاء ، وفتح الدال المهملتين . جارية بن قدامة : بالجيم ، وفي آخره ياء تحتها نقطتان . بسر بن أبي أرطاة ، بضم الباء الموحدة ، وسكون السين المهملة ) .

[ ص: 711 ] ذكر إرسال معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة

في هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر واستيلاء عمرو بن العاص على مصر ، سير معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي إلى البصرة ، وقال له : إن جل أهلها يرون رأينا في عثمان ، وقد اقتتلوا في الطلب بدمه ، فهم لذلك حنقون ، يودون أن يأتيهم من يجمعهم ، وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم ، فانزل في مضر ، وتودد الأزد ، فإنهم كلهم معك ، وادع ربيعة ، فلن ينحرف عنك أحد سواهم ، لأنهم كلهم ترابية فاحذرهم .

فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة ، وكان ابن عباس قد خرج إلى علي بالكوفة واستخلف زياد بن أبيه على البصرة ، فلما وصل ابن الحضرمي إلى البصرة نزل في بني تميم ، فأتاه العثمانية مسلمين عليه ، وحضره غيرهم ، فخطبهم وقال : إن عثمان إمامكم إمام الهدى قتل مظلوما ، قتله علي ، فطلبتم بدمه فجزاكم الله خيرا .

فقام الضحاك بن قيس الهلالي ، وكان على شرطة ابن عباس ، فقال : قبح الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه ! أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير ، أتيانا وقد بايعنا عليا واستقامت أمورنا ، فحملانا على الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضا ، ونحن الآن مجتمعون على بيعته ، وقد أقال العثرة ، وعفا عن المسيء ، أفتأمرنا أن ننتضي أسيافنا ، ويضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا ؟ والله ليوم من أيام علي خير من معاوية ( وآل معاوية ) ! فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك : اسكت فلست بأهل أن تتكلم . ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال : نحن أنصارك ويدك ، والقول قولك فاقرأ كتابك . فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم ، وحبه العافية ، وسده ثغورهم ، ويذكر قتله ، ويدعوهم إلى الطلب بدمه ، ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة ، ويعطيهم عطاءين في السنة . فلما فرغ من قراءته قام الأحنف فقال : لا ناقتي في هذا ولا جملي . واعتزل القوم . وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال : أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة . وكان عباس بن صحار العبدي مخالفا لقومه في حب علي ، فقام وقال : لننصرنك بأيدينا وألسنتنا . فقال له المثنى بن مخربة العبدي : والله لئن لم ترجع [ ص: 712 ] إلى مكانك الذي جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا ، ولا يغرنك هذا الذي يتكلم - يعني ابن صحار - .

فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان : أنت ناب من أنياب العرب فانصرني . فقال : لو نزلت في داري لنصرتك .

فلما رأى زياد ذلك خاف ، فاستدعى حضين بن المنذر ، ومالك بن مسمع فقال : أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته ، وقد كان من ابن الحضرمي ما ترون ، وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين . فقال حضين بن المنذر : نعم . وقال مالك وكان رأيه مائلا إلى بني أمية : هذا أمر لي فيه شركاء أستشير فيه وأنظر . فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة ، فأرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين . فقال : إن حملته إلى داري أجرتكما . فنقله إلى داره بالحدان ، ونقل المنبر أيضا ، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان ويطعم الطعام . فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي : يا أبا محمد إني لا أرى ابن الحضرمي يكف وأراه سيقاتلكم ، ولا أدري ما عند أصحابك ، فانظر ما عندهم . فلما صلى زياد جلس في المسجد ، واجتمع الناس إليه ، فقال جابر : يا معشر الأزد ، إن تميما تزعم أنهم هم الناس ، وأنهم أصبر منكم عند البأس ، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم ، ويأخذوا جاركم ويخرجوه قسرا ، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين ! فقال صبرة بن شيمان ، وكان مفخما : إن جاء الأحنف جئت ، وإن جاء حتاتهم جئت ، وإن جاء شبابهم ففينا شباب .

وكتب زياد إلى علي بالخبر ، فأرسل علي إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي ثم التميمي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي ، فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه ، وكتب إلى زياد يعلمه ذلك . فقدم أعين ، فأتى زيادا ، فنزل عنده ، وجمع رجالا وأتى قومه ، ونهض إلى ابن الحضرمي ومن معه ودعاهم ، فشتموه ، وواقفهم نهاره ، ثم انصرف عنهم ، فدخل عليه قوم ، قيل إنهم من الخوارج ، وقيل وضعهم ابن الحضرمي على قتله ، وكان معهم ، فقتلوه غيلة ، فلما قتل أعين أراد زياد قتالهم ، فأرسلت تميم إلى الأزد : إنا [ ص: 713 ] لم نعرض لجاركم فما تريدون إلى جارنا ؟ فكرهت الأزد قتالهم وقالوا : إن عرضوا لجارنا منعناه .

وكتب زياد إلى علي يخبره خبر أعين وقتله ، فأرسل علي جارية بن قدامة السعدي ، وهو من بني سعد من تميم ، وبعث معه خمسين رجلا ، وقيل خمسمائة من تميم ، وكتب إلى زياد يأمره بمعونة جارية والإشارة عليه . فقدم جارية البصرة ، فحذره زياد ما أصاب أعين ، فقام جارية في الأزد فجزاهم خيرا وقال : عرفتم الحق إذ جهله غيركم . وقرأ كتاب علي إلى أهل البصرة يوبخهم ويتهددهم ويعنفهم ، ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها هباء . فقال صبرة بن شيمان : سمعا لأمير المؤمنين وطاعة ! نحن حرب لمن حاربه وسلم لمن سالمه . وقال أبو صفرة - والد المهلب ، - لزياد : لو أدركت يوم الجمل ما قاتل قومي أمير المؤمنين . وقيل : إن أبا صفرة كان توفي في مسيره إلى صفين ، والله أعلم .

وصار جارية إلى قومه ، وقرأ عليهم كتاب علي ووعدهم ، فأجابه أكثرهم ، فسار إلى ابن الحضرمي ومعه الأزد ومن تبعه من قومه ، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن خازم السلمي ، فاقتتلوا ساعة ، وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية ، فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن خازم ، فأتته أمه عجلى ، وكانت حبشية ، فأمرته بالنزول ، فأبى ، فقالت : والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي ! فنزل ونجا ، وأحرق جارية القصر بمن فيه ، فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلا معه ، وعاد زياد إلى القصر ، وكان قصر سنبيل لفارس قديما ، ( وصار لسنبيل السعدي ، وحوله خندق ) . وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر ، فقال عمرو بن العرندس :


رددنا زيادا إلى داره وجار تميم دخانا ذهب     لحى الله قوما شووا جارهم
ولم يدفعوا عنه حر اللهب



[ ص: 714 ] في أبيات غير هذه ، وقال جرير :


غدرتم بالزبير فما وفيتم     وفاء الأزد إذ منعوا زيادا
فأصبح جارهم بنجاة عز     وجار مجاشع أمسى رمادا
فلو عاقدت حبل أبي سعيد     لذاد القوم ما حمل النجادا
وأدنى الخيل من رهج المنايا     وأغشاها الأسنة والصعادا



جارية بن قدامة : بالجيم والياء تحتها نقطتان . وحارثة بن بدر : بالحاء المهملة ، وبعدها ثاء مثلثة . وعبد الله بن خازم : بالخاء المعجمة والزاي . ( والمثنى بن مخربة : بضم الميم ، وفتح الخاء المعجمة ، وكسر الراء المشددة ، وآخره باء موحدة ) .

السابق

|

| من 4

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة