التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 526 ] 35

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين

ذكر مسير من سار إلى حصر عثمان

قيل : في هذه السنة كان مسير من سار من أهل مصر إلى ذي خشب ، ومسير من سار من أهل العراق إلى ذي المروة .

وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا ، وأسلم أيام عثمان ، ثم تنقل في الحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس ، فلم يقدر منهم على ذلك ، فأخرجه أهل الشام ، فأتى مصر فأقام فيهم وقال لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع ، فوضع لهم الرجعة ، فقبلت منه ، ثم قال لهم بعد ذلك : إنه كان لكل نبي وصي ، وعلي وصي محمد ، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووثب على وصيه ، وإن عثمان أخذها بغير حق ، فانهضوا في هذا الأمر وابتدءوا بالطعن على أمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس .

وبث دعاته ، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه ، ودعوا في السر إلى ما هو عليه رأيهم ، وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم ، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون ، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا بذلك الأرض إذاعة ، فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء ، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار ، فقالوا : إنا لفي عافية مما فيه الناس . فأتوا عثمان فقالوا : يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا ؟ فقال : ما جاءني إلا السلامة وأنتم شركائي وشهود المؤمنين ، فأشيروا علي . قالوا : نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم .

فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة ، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة ، [ ص: 527 ] وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر ، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام ، وفرق رجالا سواهم ، فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا : ما أنكرنا شيئا أيها الناس ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم . وتأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل ، فوصل كتاب من عبد الله بن أبي سرح يذكر أن عمارا قد استماله قوم وانقطعوا إليه ، منهم : عبد الله بن السوداء ، وخالد بن ملجم ، وسودان بن حمران ، وكنانة بن بشر .

فكتب عثمان إلى أهل الأمصار : [ أما بعد ] فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم ، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون ، فمن ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو من عمالي ، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين . فلما قرئ في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان . وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه في الموسم : عبد الله بن عامر ، وعبد الله بن سعد ، ومعاوية ، وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرا ، فقال : ويحكم ما هذه الشكاية والإذاعة ؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي ! فقالوا له : ألم تبعث ؟ ألم يرجع إليك الخبر عن العوام ؟ ألم يرجع رسلك ولم يشافههم أحد بشيء ؟ والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ، ولا يحل الأخذ بهذه الإذاعة ! فقال : أشيروا علي . فقال سعيد : هذا أمر مصنوع يلقى في السر فيتحدث به الناس ، ودواء ذلك طلب هؤلاء وقتل الذين يخرج هذا من عنده . وقال عبد الله بن سعد : خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم . وقال معاوية : قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير ، والرجلان أعلم بناحيتيهما ، والرأي حسن الأدب . وقال عمرو : أرى أنك قد لنت لهم ورخيت عليهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة ، وتلين في موضع اللين .

فقال عثمان : قد سمعت كل ما أشرتم به علي ، ولكل أمر باب يؤتى منه ، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن ، وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن فنكفكفه باللين والمؤاتاة إلا في حدود الله ، فإن فتح فلا يكون لأحد علي حجة حق ، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا ، وإن رحى الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها . سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم ، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها . فلما نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقل على الطريق رجز به الحادي فقال :

[ ص: 528 ]

قد علمت ضوامر المطي وضمرات عوج القسي     أن الأمير بعده علي
وفي الزبير خلف رضي      [ وطلحة الحامي لها ولي

]

فقال كعب : كذبت بل يلي بعده صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية - فطمع فيها من يومئذ .

فلما قدم عثمان المدينة دعا عليا وطلحة والزبير وعنده معاوية ، فحمد الله معاوية ثم قال : أنتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخيرته من خلفه وولاة أمر هذه الأمة ، لا يطمع فيه أحد غيركم ، اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع ، وقد كبر وولى عمره ، ولو انتظرتم به الهرم لكان قريبا ، مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغه ذلك ، وقد فشت مقالة خفتها عليكم فما عتبتم فيه من شيء ، فهذه يدي لكم به ، ولا تطمعوا الناس في أمركم ، فوالله إن طمعوا فيه لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارا .

قال علي : ما لك ولذلك لا أم لك ؟ قال : دع أمي فإنها ليست بشر أمهاتكم ، قد أسلمت وبايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجبني عما أقول لك . فقال عثمان : صدق ابن أخي ، أنا أخبركم عني وعما وليت ، إن صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش ، فبسطت يدي في شيء من ذلك لما أقوم به فيه ، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع . فقالوا : قد أصبت وأحسنت ، قد أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا ، وأعطيت مروان خمسة عشر ألفا . فأخذ منهما ذلك ، فرضوا وخرجوا راضين .

وقال معاوية لعثمان : اخرج معي إلى الشام فإنهم على الطاعة قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به . فقال : لا أبيع جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء وإن كان فيه خيط عنقي . قال : فإن بعثت إليك جندا منهم يقيم معك لنائبة إن نابت ؟ قال : لا أضيق على جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : والله لتغتالن ولتغزين ! فقال : حسبي الله ونعم الوكيل !

ثم خرج معاوية فمر على نفر من المهاجرين فيهم علي وطلحة والزبير وعليه ثياب [ ص: 529 ] السفر ، فقام عليهم وقال : إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون عليه حتى بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد ، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم والناس لهم تبع ، وإن طلبوا الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم ، وإن الله على البدل لقادر ، وإني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك . ثم ودعهم ومضى . فقال علي : [ ما ] كنت أرى في هذا خيرا . فقال الزبير : والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم .

واتعد المنحرفون عن عثمان يوما يخرجون فيه بالأمصار جميعا إذا سار عنها الأمراء ، فلم يتهيأ لهم ذلك ، ولما رجع الأمراء ولم يتم لهم الوثوب صاروا يكاتبون في القدوم إلى المدينة ، لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن أشياء لتطير في الناس . وكان بمصر محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة يحرضان على عثمان .

فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة ، وقيل : في ألف ، وفيهم كنانة بن بشر الليثي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة بن فلان السكوني ، وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي ، وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدي ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم العامري ، وهم في عداد أهل مصر ، وخرج أهل البصرة فيهم حكيم بن جبلة العبدي ، وذريح بن عباد ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحترش ، وهم بعداد أهل مصر ، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي ، فخرجوا جميعا في شوال وأظهروا أنهم يريدون الحج ، فلما كانوا من المدينة على ثلاث ، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب ، وكان هواهم في طلحة ، وتقدم ناس من أهل الكوفة ، وكان هواهم في الزبير ، وتركوا الأعوص ، وجاءهم ناس من أهل مصر ، وكان هواهم في علي ، ونزلوا عامتهم بذي المروة ، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر ، وعبد الله بن الأصم وقالا لهم : لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد لكم ، فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا ، فوالله إن كان هذا حقا واستحلوا قتالنا بعد علم حالنا إن أمرنا لباطل ، وإن كان الذي بلغنا باطلا رجعنا إليكم بالخبر . قالوا : اذهبا . فذهبا فدخلا المدينة فلقيا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعليا وطلحة والزبير ، فقالا : إنما نريد هذا البيت ونستعفي من بعض عمالنا ، واستأذناهم في الدخول ، [ ص: 530 ] فكلمهما أبي ونهاهما ، فرجعا إلى أصحابهما . فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا عليا ، ونفر من أهل البصرة فأتوا طلحة ، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير ، وقال كل فريق منهم : إن بايعنا صاحبنا وإلا كذبناهم وفرقنا جماعتهم ، ثم رجعنا عليهم حتى نبغتهم . فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلدا سيفه ، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فسلموا عليه وعرضوا عليه ، فصاح بهم وطردهم وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وجيش ذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - فانصرفوا عنه . وأتى البصريون طلحة فقال لهم مثل ذلك ، وكان قد أرسل ابنيه إلى عثمان ، وأتى الكوفيون الزبير فقال لهم مثل ذلك ، وكان قد أرسل ابنه عبد الله إلى عثمان .

فرجعوا وتفرقوا عن ذي خشب وذي المروة والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل المدينة ثم يرجعوا إليهم . فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة ، فرجعوا بهم ، فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ، ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا : من كف يده فهو آمن . وصلى عثمان بالناس أياما ، ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا الناس من كلامه ، وأتاهم أهل المدينة وفيهم علي فقال لهم : ما ردكم بعد ذهابكم ؟ فقالوا : أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا . وأتى طلحة الكوفيين فسألهم عن عودتهم فقالوا مثل ذلك . وأتى الزبير البصريين فقالوا مثل ذلك ، وكل منهم يقول : نحن نمنع إخواننا وننصرهم ، كأنما كانوا على ميعاد . فقال لهم علي : كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل حتى رجعتم علينا ؟ هذا والله أمر أبرم بليل ! فقالوا : ضعوه كيف شئتم ، لا حاجة لنا في هذا الرجل - ليعتزل عنا . وعثمان يصلي بهم وهم يصلون خلفه ، وهم أدق في عينه من التراب ، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع .

وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستنجدهم ويأمرهم بالحث للمنع عنه ، ويعرفهم ما الناس فيه . فخرج أهل الأمصار على الصعب والذلول ، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري ، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج ، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة ، منهم : عقبة بن عامر ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وحنظلة الكاتب ، وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن التابعين : مسروق ، [ ص: 531 ] والأسود ، وشريح ، وعبد الله بن حكيم ، وغيرهم ، وقام بالبصرة : عمران بن حصين ، وأنس بن مالك ، وهشام بن عامر ، وغيرهم من الصحابة ، ومن التابعين : كعب بن سور ، وهرم بن حيان ، وغيرهما ، وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر .

ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة ، خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال : يا هؤلاء ، الله الله ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فامحوا الخطأ بالصواب . فقام محمد بن مسلمة فقال : أنا أشهد بذلك ، فأقعده حكيم بن جبلة ، وقام زيد بن ثابت ، فأقعده محمد بن أبي قتيرة ، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه ، فأدخل داره واستقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان ، منهم : سعد بن أبي وقاص ، والحسين بن علي ، وزيد بن ثابت ، وأبو هريرة . فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف ، فانصرفوا ، وأقبل علي ، وطلحة ، والزبير ، فدخلوا على عثمان يعودونه من صرعته ، ويشكون إليه ما يجدون ، وكان عند عثمان نفر من بني أمية فيهم مروان بن الحكم ، فقالوا كلهم لعلي : أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع ، والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا ! فقام مغضبا وعاد هو والجماعة إلى منازلهم . وصلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ، ثم منعوه الصلاة ، وصلى بالناس أميرهم الغافقي ، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليتمنع به ، وكان الحصار أربعين يوما ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح .

وقد قيل : إن محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان على عثمان ، وسار محمد بن أبي بكر مع من سار إلى عثمان ، وأقام ابن أبي حذيفة بمصر وغلب عليها لما سار عنها عبد الله بن سعد ، على ما يأتي . فلما خرج المصريون إلى قصد عثمان أظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وعليهم عبد الرحمن بن عديس [ ص: 532 ] البلوي ، وبعث عبد الله بن سعد رسولا إلى عثمان يخبره بحالهم ، وأنهم قد أظهروا العمرة وقصدهم خلعه أو قتله ، فخطب عثمان الناس وأعلمهم حالهم ، وقال لهم : إنهم قد أسرعوا إلى الفتنة واستطالوا عمري ، والله لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة مما يرون من الدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة .

وكان عبد الله بن سعد قد خرج إلى عثمان في آثار المصريين بإذنه له ، فلما كان بأيلة بلغه أن المصريين رجعوا إلى عثمان فحصروه ، وأن محمد بن أبي حذيفة غلب على مصر واستجابوا له ، فعاد عبد الله إلى مصر فمنع عنها ، فأتى فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان .

فلما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون ، ولما رأى عثمان ذلك جاء إلى علي فدخل عليه بيته فقال له : يا ابن عم ، إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي ، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك ، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني ، فإن في دخولهم علي توهينا لأمري وجرأة علي ! فقال علي : على أي شيء أردهم عنك ؟ قال : على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي . فقال علي : إني قد كلمتك مرة بعد أخرى ، فكل ذلك نخرج ونقول ثم ترجع عنه ، وهذا من فعل مروان ، وابن عامر ، ومعاوية ، وعبد الله بن سعد ، فإنك أطعتهم وعصيتني . قال عثمان : فأنا أعصيهم وأطيعك .

فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد بن زيد ، وأبو جهم العدوي ، وجبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام ، ومروان وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي ، وأبو حميد ، وزيد بن ثابت ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومن العرب نيار بن مكرز ، فأتوا المصريين فكلموهم ، وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة ، فسمعوا مقالتهم ورجعوا إلى مصر . فقال ابن عديس لمحمد بن مسلمة : أتوصينا بحاجة ؟ قال : نعم ، تتقي الله وترد من قبلك عن إمامهم ، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع . قال ابن عديس : أفعل إن شاء الله . ورجع علي ومن معه إلى المدينة ، فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه ، ثم خرج من عنده ، فمكث عثمان ذلك اليوم ، وجاءه مروان بكرة الغد فقال له : [ ص: 533 ] تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا ، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع دفعه . ففعل عثمان ، فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص : اتق الله يا عثمان ، فإنك قد ركبت أمورا وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب . فناداه عثمان : وإنك هنالك يا ابن النابغة ! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل ! فنودي من ناحية أخرى : تب إلى الله . فرفع يديه وقال : اللهم إني أول تائب !

وخرج عمرو بن العاص إلى منزله بفلسطين ، وكان يقول : والله إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان . وأتى عليا وطلحة والزبير فحرضهم على عثمان ، ( فبينما هو بقصره بفلسطين ومعه ابناه محمد وعبد الله ، وسلامة بن روح الجذامي إذ مر به راكب من المدينة ، فسأله عمرو عن عثمان ، فقال : هو محصور . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النار . ثم مر به راكب آخر فسأله فقال : قتل عثمان . فقال عمرو : أنا أبو عبد الله ، إذا حككت قرحة نكأتها . فقال له سلامة بن روح : يا معشر قريش كان بينكم وبين العرب باب فكسرتموه ! فقال : أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق شرعا سواء ) .

وقيل : إن عليا لما رجع من عند المصريين بعد رجوعهم إلى عثمان قال له : تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والأمانة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك ، فلا آمن أن يجيء ركب آخر من الكوفة والبصرة فتقول : يا علي اركب إليهم ، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك . فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة وقال : أنا أول من اتعظ ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا في رأيهم ، فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد ، وما عن الله مذهب إلا إليه ، فوالله لأعطينكم الرضا ولأنحين مروان وذويه ، ولا أحتجب عنكم ! فرق الناس وبكوا حتى أخضلوا لحاهم وبكى هو أيضا .

فلما نزل عثمان وجد مروان وسعيدا ونفرا من بني أمية في منزله لم يكونوا شهدوا [ ص: 534 ] خطبته ، فلما جلس قال مروان : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت ؟ فقالت نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان : لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه ، إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها . فقال لها مروان : ما أنت وذاك ! فوالله قد مات أبوك وما يحسن يتوضأ ! فقالت : مهلا يا مروان عن ذكر ( الآباء ! تخبر ) عن أبي وهو غائب تكذب عليه ، وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ؟ أما والله لولا أنه عمه . ( وأنه يناله غمه ) لأخبرتك عنه ما لن أكذب عليه . قالت : فأعرض عنها مروان ، فقال : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت ؟ قال : تكلم . فقال مروان : بأبي أنت وأمي ، والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ الحزام الطبيين وخلف السيل الزبى ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل ، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها أجمل من توبة يخوف عليها ، وأنت إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقر بالخطيئة ، وقد اجتمع بالباب أمثال الجبال من الناس . فقال عثمان : فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحيي أن أكلمهم . فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا ، فقال : ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب ؟ شاهت الوجوه ! ألا من أريد ؟ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ! اخرجوا عنا ، والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم . ارجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا . فرجع الناس وأتى بعضهم عليا فأخبره الخبر .

فأقبل علي على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فقال : أحضرت خطبة عثمان ؟ قال : نعم . قال : أفحضرت مقالة مروان للناس ؟ قال : نعم . فقال علي : أي عباد الله ! يا للمسلمين ! إني إن قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقي ، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ؟

[ ص: 535 ] والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ! وايم الله إني لأراه يوردك ولا يصدرك ! وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك .

( فلما خرج علي دخلت عليه امرأته نائلة ابنة الفرافصة فقالت : قد سمعت قول علي وليس يعاودك ، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء . قال : فما أصنع ؟ قالت : تتقي الله وتتبع سنة صاحبيك ، فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة ، وإنما تركك الناس لمكانه ، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة وهو لا يعصى . فأرسل عثمان إلى علي فلم يأته وقال : قد أعلمته أني غير عائد . فبلغ مروان مقالة نائلة فيه ، فجلس بين يدي عثمان فقال : يا ابنة الفرافصة ! فقال عثمان : لا تذكرنها بحرف فأسود وجهك ، فهي والله أنصح لي ! فكف مروان ) .

وأتى عثمان إلى علي بمنزله ليلا وقال له : إني غير عائد ، وإني فاعل . فقال له علي : بعدما تكلمت على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأعطيت من نفسك ، ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم . فخرج عثمان من عنده وهو يقول : خذلتني وجرأت الناس علي . فقال علي : والله إني لأكثر الناس ذبا عنك ، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي .

ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل إلى أن منع عثمان الماء . فقال علي لطلحة ( أريد أن ) تدخل عليه الروايا ، وغضب غضبا شديدا حتى دخلت الروايا على عثمان .

قال : وقد قيل إن عليا كان عند حصر عثمان بخيبر ، فقدم المدينة والناس مجتمعون عند طلحة ، وكان ممن له فيه أثر ، فلما قدم علي أتاه عثمان وقال له : أما بعد فإن لي حق الإسلام وحق الإخاء والقرابة والصهر ، ولو لم يكن من ذلك شيء وكنا في الجاهلية لكان عارا على بني عبد مناف أن ينتزع أخو بني تيم ، يعني طلحة أمرهم . فقال له علي : سيأتيك الخبر ، ثم خرج إلى المسجد فرأى أسامة فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة ، وهو [ في ] خلوة من الناس ، فقال له : يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه ؟ فقال يا أبا [ ص: 536 ] الحسن بعدما مس الحزام الطبيين . فانصرف علي حتى أتى بيت المال فقال : افتحوه ، فلم يجدوا المفاتيح ، فكسر الباب وأعطى الناس ، فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده ، وسر بذلك عثمان ، وجاء طلحة فدخل على عثمان وقال له : يا أمير المؤمنين أردت أمرا فحال الله بيني وبينه ! فقال عثمان : والله ما جئت تائبا ، ولكن جئت مغلوبا ، الله حسيبك يا طلحة !

السابق

|

| من 8

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة