الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        باب القرعة في المشكلات وقوله عز وجل إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وقال ابن عباس اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية وعال قلم زكرياء الجرية فكفلها زكرياء وقوله فساهم أقرع فكان من المدحضين من المسهومين وقال أبو هريرة عرض النبي صلى الله عليه وسلم على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم أيهم يحلف

                                                                                                                                                                                                        2540 حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا ما لك قال تأذيتم بي ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم [ ص: 346 ]

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        [ ص: 346 ] قوله : ( باب القرعة في المشكلات ) أي مشروعيتها ، ووجه إدخالها في كتاب الشهادات أنها من جملة [ ص: 347 ] البينات التي تثبت بها الحقوق ، فكما تقطع الخصومة والنزاع بالبينة كذلك تقطع بالقرعة . ووقع في رواية السرخسي وحده " من المشكلات " والأول أوضح ، وليست " من " للتبعيض إن كانت محفوظة ، ومشروعية القرعة مما اختلف فيه ، والجمهور على القول بها في الجملة ، وأنكرها بعض الحنفية ، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها ، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل ، وفسرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين فأكثر وتقع المشاححة فيه فيقرع لفصل النزاع ، وقال إسماعيل القاضي : ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق كما زعم بعض الكوفيين ، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يقترعوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له في الملك مشاعا فيضم في موضع بعينه ، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة .

                                                                                                                                                                                                        وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئا معينا فيختاره الآخر ، فيقطع التنازع ، وهي إما في الحقوق المتساوية وإما في تعيين الملك ، فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة ، وكذا بين الأئمة في الصلوات والمؤذنين ، والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم ، والحاضنات إذا كن في درجة والأولياء في التزويج والاستباق إلى الصف الأول وفي إحياء الموات ، وفي نقل المعدن ومقاعد الأسواق ، والتقديم بالدعوى عند الحاكم والتزاحم على أخذ اللقيط والنزول في الخان المسبل ونحوه ، وفي السفر ببعض الزوجات وفي ابتداء القسم والدخول في ابتداء النكاح وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصي بعتقهم ولم يسعهم الثلث ، وهذه الأخيرة من صور القسم الثاني أيضا وهو تعيين الملك ومن صور تعيين الملك الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقوله عز وجل : إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم أشار بذلك إلى الاحتجاج بهذه القصة في صحة الحكم بالقرعة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه ، ولا سيما إذا ورد في شرعنا تقريره ، وساقه مساق الاستحسان والثناء على فاعله ، وهذا منه .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال ابن عباس إلخ ) وصله ابن جرير بمعناه . وقوله : ( وعال قلم زكريا ) أي ارتفع على الماء ، وفي رواية الكشميهني " وعلا " وفي نسخة " وعدا " بالدال . و " الجرية " بكسر الجيم والمعنى أنهم اقترعوا على كفالة مريم أيهم يكفلها فأخرج كل واحد منهم قلما وألقوها كلها في الماء ، فجرت أقلام الجميع مع الجرية إلى أسفل وارتفع قلم زكريا فأخذها . وأخرج ابن العديم في " تاريخ حلب " بسنده إلى شعيب بن إسحاق أن النهر الذي ألقوا فيه الأقلام هو نهر قويق النهر المشهور بحلب .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقوله ) أي وقول الله عز وجل .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فساهم : أقرع ) هو تفسير ابن عباس أخرجه ابن جرير من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عنه ، وروي عن السدي قال : قوله : " فساهم " أي قارع وهو أوضح .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فكان من المدحضين : من المسهومين ) هو تفسير ابن عباس أيضا أخرجه ابن جرير بالإسناد المذكور بلفظ " فكان من المقروعين " . ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ " فكان من المسهومين " والاحتجاج بهذه الآية في إثبات القرعة يتوقف على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا ، وهو كذلك ما لم يرد [ ص: 348 ] في شرعنا ما يخالفه ، وهذه المسألة من هذا القبيل ، لأنه كان في شرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض ، وليس ذلك في شرعنا لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال أبو هريرة : عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - إلخ ) وصله قبل بأبواب ، وتقدم الكلام عليه في " باب إذا تسارع قوم في اليمين " وهو حجة في العمل بالقرعة . ثم ذكر المصنف في الباب أيضا أربعة أحاديث .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية