التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 180 ] 11

ذكر أحداث سنة إحدى عشرة

في المحرم من هذه السنة ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثا إلى الشام ، وأميرهم أسامة بن زيد مولاه ، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتكلم المنافقون في إمارته ، وقالوا : أمر غلاما على جلة المهاجرين والأنصار . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ، وإنه لخليق للإمارة ، وكان أبوه خليقا لها . وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون ، منهم : أبو بكر وعمر ، فبينما الناس على ذلك ابتدئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضه .

ذكر مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووفاته

ابتدئ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضه أواخر صفر ، في بيت زينب بنت جحش ، وكان يدور على نسائه حتى اشتد مرضه في بيت ميمونة ، فجمع نساءه ، فأستأذنهن أن يتمرض في بيت عائشة ، ووصلت أخبار بظهور الأسود العنسي باليمن ، ومسيلمة باليمامة ، وطليحة في بني أسد ، وعسكر بسميراء ، وسيجيء ذكر أخبارهم إن شاء الله - تعالى - .

فتأخر مسير أسامة لمرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولخبر الأسود العنسي ومسيلمة ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - عاصبا رأسه من الصداع قال : إني رأيت فيما يرى النائم أن في عضدي سوارين من ذهب ، فنفختهما فطارا ، فأولتهما بكذاب اليمامة وكذاب صنعاء . وأمر بإنفاذ جيش أسامة وقال : لعن الله الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

[ ص: 181 ] وخرج أسامة فضرب الجرف العسكر وتمهل الناس ، وثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يشغله شدة مرضه عن إنفاذ أمر الله ، فأرسل إلى نفر من الأنصار في أمر الأسود ، فأصيب الأسود في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته بيوم ، فأرسل إلى جماعة من الناس يحثهم على جهاد من عندهم من المرتدين .

وقال أبو مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم : أيقظني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة وقال : إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع ، فانطلق معي . فانطلقت معه ، فسلم عليهم ، ثم قال : ليهنئكم ما أصبحتم فيه ، قد أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم . ثم قال : قد أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد بها ، ثم الجنة ، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي . ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف ، فبدئ بمرضه الذي قبض فيه .

قالت عائشة : فلما رجع من البقيع وجدني وأنا أجد صداعا وأنا أقول : وارأساه ! قال : بل أنا والله يا عائشة وارأساه ! ثم قال : ما ضرك لو مت قبلي ، فقمت عليك وكفنتك ، وصليت عليك ودفنتك ؟ فقلت : كأني بك والله لو فعلت ذلك ، فرجعت إلى بيتي فعرست ببعض نسائك . فتبسم ، وتتام به وجعه ، وتمرض في بيتي .

فخرج منه يوما بين رجلين أحدهما الفضل بن العباس ، والآخر علي ، قال الفضل : فأخرجته حتى جلس على المنبر ، فحمد الله ، وكان أول ما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن صلى على أصحاب أحد ، فأكثر واستغفر لهم ، ثم قال : أيها الناس ، إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم ، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه ، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ، ولا يخش الشحناء من قبلي ، فإنها ليست من شأني ، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ [ ص: 182 ] مني حقا إن كان له ، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس .

ثم نزل فصلى الظهر ، ثم رجع إلى المنبر ، فعاد لمقالته الأولى . فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم ، فأعطاه عوضا . ثم قال : أيها الناس ، من كان عنده شيء فليؤده ، ولا يقل : فضوح الدنيا ، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة . ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ، ثم قال : إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده . فبكى أبو بكر وقال : فديناك بأنفسنا وآبائنا ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : لا يبقين في المسجد باب إلا باب أبي بكر ، فإني لا أعلم أحدا أفضل في الصحبة عندي منه ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام .

ثم أوصى بالأنصار فقال : يا معشر المهاجرين ، أصبحتم تزيدون ، وأصبحت الأنصار لا تزيد ، والأنصار عيبتي التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم
.

قال ابن مسعود : نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر . فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة ، فنظر إلينا فشدد ، ودمعت عيناه وقال : مرحبا بكم ، حياكم الله ، رحمكم الله ، آواكم الله ، حفظكم الله ، رفعكم الله ، وفقكم الله ، سلمكم الله ، قبلكم الله ، أوصيكم بتقوى الله ، وأوصي الله بكم ، وأستخلفه عليكم ، وأؤديكم إليه ، إني لكم منه نذير وبشير ، ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده ، فإنه قال لي ولكم : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين . قلنا : فمتى أجلك ؟ قال : دنا الفراق ، والمنقلب إلى الله ، وسدرة المنتهى ، والرفيق الأعلى ، وجنة المأوى . فقلنا : من يغسلك ؟ قال : أهلي . قلنا : فيم نكفنك ؟ قال : في ثيابي أو في بياض . قلنا : فمن يصلي عليك ؟ قال : مهلا ، غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا . [ ص: 183 ] فبكينا وبكى ، ثم قال : ضعوني على سريري على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعة ليصلي علي جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت مع الملائكة ، ثم ادخلوا علي فوجا فصلوا علي ، ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة ، أقرئوا أنفسكم مني السلام ، ومن غاب من أصحابي فأقرئوه مني السلام ، ومن تابعكم على ديني فأقرئوه السلام .

قال ابن عباس : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! - ثم جرت دموعه على خديه - اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرضه ووجعه ، فقال : ايتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا . فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهجر . فجعلوا يعيدون عليه فقال : دعوني ، فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه . فأوصى بثلاث : أن يخرج المشركون من جزيرة العرب ، وأن يجاز الوفد بنحو مما كان يجيزهم . وسكت عن الثالثة عمدا ، أو قال : نسيتها .

وخرج علي بن أبي طالب من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه . فقال الناس : كيف أصبح رسول الله ؟ قال : أصبح بحمد الله بارئا . فأخذ بيده العباس فقال : أنت بعد ثلاث عبد العصا ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيتوفى في مرضه هذا ، وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب ، فاذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاسأله فيمن يكون هذا الأمر ، فإن كان فينا علمناه ، وإن كان في غيرنا أمره أوصى بنا . فقال علي : لئن سألناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعناها ، لا يعطيناها الناس أبدا ، والله لا أسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبدا .

قال : فما اشتد الضحى حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالت عائشة : قالت أسماء بنت عميس : ما وجعه إلا ذات الجنب ، فلو لددتموه ، ففعلوا . فلما أفاق قال : لم فعلتم هذا ؟ قالوا : ظننا أن بك ذات الجنب . قال : لم يكن الله ليسلطها علي . ثم قال : لا تبقن أحدا لددتموه إلا عمي ، وكان العباس حاضرا ، ففعلوا .

قال أسامة : لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هبطت أنا ومن معي إلى المدينة ، فدخلنا عليه وقد صمت فلا يتكلم ، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي ، فعلمت أنه يدعو لي .

[ ص: 184 ] قالت عائشة : وكنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كثيرا : إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره . قالت : فلما احتضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول : بل الرفيق الأعلى . قالت : قلت : إذا والله لا يختارنا ، وعلمت أنه تخير .

ولما اشتد مرضه أذنه بلال بالصلاة فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس . قالت عائشة : فقلت : إنه رجل رقيق ، وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق ذلك . فقال : مروا أبا بكر فيصلي بالناس . فقلت مثل ذلك ، فغضب ، وقال : إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر يصلي بالناس . فتقدم أبو بكر ، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفة فخرج بين رجلين ، فلما دنا من أبي بكر تأخر أبو بكر ، فأشار إليه أن قم مقامك ، فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جنب أبي بكر جالسا ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر .

وصلى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة ، وقيل : ثلاثة أيام .

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في اليوم الذي توفي فيه إلى الناس في صلاة الصبح ، فكاد الناس يفتتنون في صلاتهم ؛ فرحا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحا لما رأى من هيئتهم في الصلاة ، ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أفاق من وجعه ، ورجع أبو بكر إلى منزله بالسنح .

[ ص: 185 ] قالت عائشة : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يموت وعنده قدح فيه ماء ، يدخل يده في القدح ، ثم يمسح وجهه بالماء ، ثم يقول : اللهم أعني على سكرات الموت . قال : ثم دخل بعض آل أبي بكر وفي يده سواك ، فنظر إليه نظرا عرفت أنه يريده ، فأخذته فلينته ، ثم ناولته إياه ، فاستن به ثم وضعه ، ثم ثقل في حجري ، قالت : فذهبت أنظر في وجهه ، وإذا بصره قد شخص وهو يقول : بل الرفيق الأعلى . فقبض .

قالت : توفي وهو بين سحري ونحري ، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض في حجري ، فوضعت رأسه على وسادة ، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي .

ولما اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه ، ونزل به الموت - جعل يأخذ الماء بيده ويجعله على وجهه ، ويقول : واكرباه ! فتقول فاطمة : واكربي لكربك يا أبتي ! فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم : لا كرب على أبيك بعد اليوم . فلما رأى شدة جزعها استدناها وسارها ، فبكت ، ثم سارها فضحكت ، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألتها عائشة عن ذلك ، قالت : أخبرني أنه ميت ، فبكيت ، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به ، فضحكت .

وروي عنها أنها قالت : ثم سارني الثانية ، وأخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة ، فضحكت .

وكان موته يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ، ودفن من الغد نصف النهار ، وقيل : مات نصف النهار يوم الاثنين ، لليلتين بقيتا من ربيع الأول .

ولما توفي كان أبو بكر بمنزله بالسنح ، وعمر حاضر ، فلما توفي قام عمر فقال : إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي ، وإنه والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، والله ليرجعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليقطعن أيدي [ ص: 186 ] رجال وأرجلهم زعموا أنه مات .

وأقبل أبو بكر وعمر يكلم الناس ، فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مسجى في ناحية البيت ، فكشف عن وجهه ثم قبله ، وقال : بأبي أنت وأمي ، طبت حيا وميتا ، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها . ثم رد الثوب على وجهه ، ثم خرج وعمر يكلم الناس ، فأمره بالسكوت فأبى ، فأقبل أبو بكر على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ثم تلا هذه الآية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين . قال : فوالله لكأن الناس ما سمعوها إلا منه . قال عمر : فوالله ما هو إلا إذ سمعتها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي ، وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات .

ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصل خبره إلى مكة ، وعامله عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية ، استخفى عتاب وارتجت مكة ، وكاد أهلها يرتدون ، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بهم ، فاجتمعوا إليه ، فقال : يا أهل مكة ، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد ، والله ليتمن الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقد رأيته قائما مقامي هذا وحده وهو يقول : قولوا معي : لا إله إلا الله تدن لكم العرب ، وتؤد إليكم العجم الجزية ، والله لتنفقن كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله - فمن بين مستهزئ ومصدق ، فكان ما رأيتم ، والله ليكونن الباقي . فامتنع الناس من الردة . وهذا المقام الذي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أسر سهيل بن عمرو في بدر لعمر بن الخطاب ، وقد ذكر هناك .

السابق

|

| من 18

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة