الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يوم معبس ومضرس

ثم التقوا عند معبس ومضرس ، وهما جداران ، فكانت الخزرج وراء مضرس ، وكانت الأوس وراء معبس ، فأقاموا أياما يقتتلون قتالا شديدا ، ثم انهزمت الأوس حتى دخلت البيوت والآطام ، وكانت هزيمة قبيحة لم ينهزموا مثلها . ثم إن بني عمرو بن عوف وبني أوس مناة من الأوس وادعوا الخزرج ، فامتنع من الموادعة بنو عبد الأشهل وبنو ظفر وغيرهم من الأوس وقالوا : لا نصالح حتى ندرك ثأرنا من الخزرج . فألحت الخزرج عليهم بالأذى والغارة حين وادعهم بنو عمرو بن عوف وأوس مناة ، فعزمت الأوس إلا من ذكرنا على الانتقال من المدينة ، فأغارت بنو سلمة على مال لبني الأشهل يقال له الرعل ، فقاتلوهم عليه ، فجرح سعد بن معاذ الأشهلي جراحة شديدة ، واحتمله بنو سلمة إلى عمرو بن الجموح الخزرجي ، فأجاره وأجار الرعل من الحريق وقطع الأشجار ، فلما كان يوم بعاث جازاه سعد على ما نذكره إن شاء الله .

ثم سارت الأوس إلى مكة لتحالف قريشا على الخزرج ، وأظهروا أنهم يريدون العمرة . وكانت عادتهم أنه إذا أراد أحدهم العمرة أو الحج لم يعرض إليه خصمه ، ويعلق المعتمر على بيته كرانيف النخل ففعلوا ذلك وساروا إلى مكة فقدموها وحالفوا قريشا وأبو جهل غائب . فلما قدم أنكر ذلك وقال لقريش : أما سمعتم قول الأول : ويل للأهل من النازل ! إنهم لأهل عدد وجلد ، ولقل ما نزل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلدهم وغلبوهم عليه . قالوا : فما المخرج من حلفهم ؟ قال : أنا أكفيكموهم ، ثم خرج حتى جاء الأوس فقال : إنكم حالفتم قومي وأنا غائب ، فجئت لأحالفكم وأذكر لكم من أمرنا ما تكونون بعده على رأس أمركم . إنا قوم تخرج إماؤنا إلى أسواقنا ولا يزال الرجل منا يدرك الأمة فيضرب عجيزتها ، فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل نساؤنا حالفناكم ، وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا . فقالوا : لا نقر بهذا . وكانت الأنصار بأسرها فيهم غيرة شديدة ، فردوا إليهم حلفهم وساروا إلى بلادهم ، فقال حسان بن ثابت يفتخر بما أصاب قومه من الأوس : [ ص: 600 ]

ألا أبلغ أبا قيس رسولا إذا ألقى لها سمعا تبين     فلست لحاصن إن لم تزركم
خلال الدار مسبلة طحون     يدين لها العزيز إذا رآها
ويهرب من مخافتها القطين     تشيب الناهد العذراء منها
ويسقط من مخافتها الجنين     يطوف بكم من النجار أسد
كأسد الغيل مسكنها العرين     يظل الليث فيها مستكينا
له في كل ملتفت أنين     كأن بهاءها للناظريها
من الأثلات والبيض الفتين     كأنهم من الماذي عليهم
جمال حين يجتلدون جون     فقد لاقاك قبل بعاث قتل
وبعد بعاث ذل مستكين



وهي طويلة أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية