أصول الفقه

البحر المحيط

بدر الدين بن محمد بهادر الزركشي

دار الكتبي

سنة النشر: 1414هـ/1994م
رقم الطبعة: ط1
عدد الأجزاء: ثمانية أجزاء

مسألة: الجزء الثامن
[ ص: 95 ] الاستحسان وقد نوزع في ذكره في جملة الأدلة بأن الاستحسان العقلي لا مجال له في الشرع ، والاستحسان الشرعي لا يخرج عما ذكرناه ، فما وجه ذكره ؟ وهو لغة : اعتماد الشيء حسنا ، سواء كان علما أو جهلا ، ولهذا قال الشافعي : القول بالاستحسان باطل ، فإنه لا ينبئ عن انتحال مذهب بحجة شرعية ، وما اقتضته الحجة الشرعية هو الدين سواء استحسنه نفسه أم لا . ونسب القول به إلى أبي حنيفة ، وعن أصحابه أنه أحد القياسين ، وقد حكاه عنه الشافعي وبشر المريسي . قال الماوردي : وأنكر أصحابه ما حكى الشافعي عنه ، ونسبه إمام الحرمين إلى مالك ، وأنكره القرطبي وقال : ليس معروفا من مذهبه . وقد أنكره الجمهور ، حتى قال الشافعي : " من استحسن فقد شرع " . وهي من محاسن كلامه . قال الروياني : ومعناه أن ينصب من جهة نفسه شرعا غير شرع المصطفى .

[ ص: 96 ] قال أصحابنا : ومن شرع فقد كفر . وسكت الشافعي عن المقدمة الثانية لوضوحها . قال السنجي في شرح التلخيص " : مراده لو جاز الاستحسان بالرأي على خلاف الدليل لكان هذا بعث شريعة أخرى على خلاف ما أمر الله ، والدليل عليه أن أكثر الشريعة مبني على خلاف العادات ، وعلى أن النفوس لا تميل إليها . ولهذا قال عليه السلام : { حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات } وحينئذ فلا يجوز استحسان ما في العادات على خلاف الدليل . وقال الشافعي في " الرسالة " : الاستحسان تلذذ ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب ، وأن يخرج كل واحد لنفسه شرعا ، وأي استحسان في سفك دم امرئ مسلم . وأشار بذلك إلى إيجاب الحد على المشهود عليه بالزنى في الزوايا . قال أبو حنيفة : القياس أنه لا رجم عليه ولكنا نرجمه استحسانا . وقال في آخر " الرسالة " : " تلذذ " وإنما قال ذلك لأنه قد اشتهر عنهم أن المراد به حكم المجتهد بما يقع في خاطره من غير دليل . وقال ابن القطان : قد كان أهل العراق على طريقة في القول بالاستحسان ، وهو ما استحسنته عقولهم وإن لم يكن على أصل ، فقالوا به في كثير من مسائلهم حتى قالوا في الجزاء : إن القياس أن فيه القيمة ، والاستحسان : شاة ، وقالوا في الشهود بالزوايا : الحد استحسانا . قال : وقد تكلم الشافعي وأصحابه عن بطلانه بقوله عليه السلام ، حين بعث معاذا ودله على الاجتهاد عند فقد النص ، ولم يذكر له الاستحسان . وقد نهى الله عن اتباع الهوى وممن أنكروا الاستحسان من الحنفية الطحطاوي ، حكاه ابن حزم .

[ ص: 97 ] واعلم أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع ، وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة . قال الفارض المعتزلي في النكت " : وقد جرت لفظة ( الاستحسان ) لإياس بن معاوية ، ولمالك بن أنس في كتابه ، وللشافعي في مواضع . انتهى . وعن ابن القاسم ، قال مالك : تسعة أعشار العلم الاستحسان . قال أصبغ بن الفرج : الاستحسان في العلم يكون أبلغ من القياس . ذكره في كتاب أمهات الأولاد من " المستخرجة " نقله ابن حزم في الأحكام " . وقال الباجي : ذكر محمد بن خويز منداد معنى الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك : هو القول بأقوى الدليلين ، كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر ، وتخصيص الرعاف دون القيء بالبناء ، للحديث فيه ، وذلك لأنه لو لم ترد سنة بالبناء في الرعاف لكان في حكم القيء في أنه لا يصح البناء ، لأن القياس يقتضي تتابع الصلاة ، فإذا وردت السنة في الرخصة بترك التتابع في بعض المواضع صرنا إليه ، وأبقينا الباقي على الأصل . قال : وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل ، فإن سماه استحسانا فلا مشاحة في التسمية . انتهى .

[ ص: 98 ] وقال الإبياري : الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان ، لا على ما سبق ، بل حاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي ، فهو يقدم الاستدلال المرسل على القياس . ومثاله : لو اشترى سلعة بالخيار ثم مات وله ورثة . فقيل : يرد ، وقيل : يختار الإمضاء . قال أشهب : القياس الفسخ ، ولكنا نستحسن إن أراد الإمضاء أن يأخذ من لم يمض إذا امتنع البائع من قبول نصيب الراد . وقال ابن القاسم : قلت لمالك : لم يقض بالشاهد واليمين في جراح العمد وليس بمال ؟ فقال : إنه لشيء استحسناه . والظاهر أنه قاسه على الأموال .

وقال بعض محققي المالكية : بحثت عن موارد الاستحسان في مذهبنا فإذا هو يرجع إلى ترك الدليل بمعارضة ما يعارضه بعض مقتضاه ، كترك الدليل للعرف في رد الأيمان إلى العرف أو المصالحة ، كما في تضمين الأجير المشترك ، ولإجماع أهل المدينة كما في إيجاب غرم القيمة على من قط ذنب بغلة الحاكم ، أو في اليسير ، كرفع المشقة وإيثار التوسعة كما جاز التفاضل اليسير في المراطلة ، وإجازة بيع وصرف في اليسير . وقال بعضهم : هو معنى ليس في سلوكه إبطال القواعد ، ولا يجري عليها جريا مخلصا ، كما في مسألة خيار الرؤية . وقال ابن السمعاني : إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل ، ولا أحد يقول به . ثم حكى كلام أبي زيد أنه اسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي ، حتى كان القياس غير الاستحسان على سبيل المعارضة ، وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقوف عن العمل به بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله ، ولم يكن لهم من هذه التسمية إلا التمييز بين حكم الأصل الذي يبنى على الأصل قياسا ، والذي قال استحسانا وهذا كما ميز أهل النحو بين وجوه [ ص: 99 ] النصب فقالوا : هذا نصب على الظرف ، وهذا نصب على المصدر . ثم نبه ابن السمعاني على أن الخلاف بيننا وبينهم لفظي ، فإن تفسير الاستحسان بما يشنع عليهم لا يقولون به .

والذي يقولون به إنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه . فهذا مما لم ينكره . لكن هذا الاسم لا نعرفه اسما لما يقال به بمثل هذا الدليل . وقريب منه قول القفال : إن كان المراد بالاستحسان ما دل عليه الأصول لمعانيها فهو حسن ، لقيام الحجة له وتحسين الدلائل ، فهذا لا ننكره ونقول به . وإن كان ما يقبح في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه بحجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ . وقال السنجي : الاستحسان كلمة يطلقها أهل العلم ، وهي على ضربين : أحدهما : واجب بالإجماع ، وهو أن يقدم الدليل الشرعي أو العقلي على حسنه ، كالقول بحدوث العالم ، وقدم المحدث ، وبعثه الرسل وإثبات صدقهم ، وكون المعجزة حجة عليهم ، ومثل مسائل الفقه ، لهذا الضرب يجب تحسينه ، لأن الحسن ما حسنه الشرع ، والقبح ما قبحه . والثاني : أن يكون على مخالفة الدليل مثل أن يكون الشيء محظورا بدليل شرعي وفي عادات الناس إباحته ، ويكون في الشرع دليل يغلظه ، وفي عادات الناس التخفيف ، فهذا عندنا يحرم القول به ويجب اتباع الدليل وترك العادة والرأي . وسواء كان ذلك الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك الدليل إن كان خبر واحد أو قياسا استحسن تركهما والأخذ بالعادات ، كقوله في خبر المتبايعين : أرأيت لو كانا في سفينة ، فرد الخبر بالاستحسان وعادة الناس . وكقوله في شهود الزوايا . انتهى .

[ ص: 100 ] إذا علمت هذا فاعلم أنه قد اختلفت الحنفية في حقيقة الاستحسان على أقوال : أحدها : أنه العمل بأقوى القياسين : وعلى هذا يرتفع الخلاف ، كما قال الماوردي والروياني ، لأنا نوافقهم عليه ، لأنه الأحسن . والثاني : أنه تخصيص العلة ، كما خص خروج الجص والنورة من علة الربا في البر وإن كان مكيلا ، وجزم به صاحب " العنوان " . قال شارحه : وفي حصره في هذا المعنى نظر عندي ، وعلى هذا التفسير قال القفال والماوردي : نحن نخالفهم بناء على أنه لا يجوز تخصيص العلة عندنا . قال ابن الصباغ : ولو كان هذا التخصيص لما جاز تركه إلى القياس ، كما لا يجوز التمسك بالعام مع قيام دليل المخصص . الثالث : أنه ترك أقوى القياسين بأضعفهما إذا كان حتما ، كما قال في شهود الزنى : القياس أنه لا يحد ، ولكن أحده استحسانا .

قال الماوردي والروياني : وهو بهذا التفسير يخالف فيه ، لأن أقوى القياسين عندنا أحسن من أضعفهما ، ولأن في مسألة الزوايا لا قياس أصلا ولا خبرا . الرابع : أنه تخصيص القياس بالسنة ، حكاه القاضي الحسين ، ولأجله قال إمام الحرمين أنهم ربما يسندون لما يرونه إلى خبر ، كمصيرهم إلى أن الناسي بالأكل لا يفطر ، لخبر أبي هريرة . الخامس : قال إلكيا : وهو أحسن ما قيل في تفسيره ، ما قاله أبو الحسن الكرخي أنه قطع المسائل عن نظائرها لدليل خاص يقتضي العدول عن الحكم الأول فيه إلى الثاني ، سواء كان قياسا أو نصا ، يعني أن المجتهد يعدل عن الحكم من مسألة بما يحكم في نظائرها إن الحكم بخلافه ، لوجه [ ص: 101 ] يقتضي العدول عنه ، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل : ما لي صدقة على الزكاة . فإن هذا القول منه عام في التصديق بجميع ماله .

وقال أبو حنيفة : يختص بمال الزكاة ، لقوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة ، فعدل عن الحكم في مسألة المال الذي ليس هو بزكوي بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم ، لدليل اقتضى العدول وهو الآية . وقال عبد الوهاب : هو قول المحصلين من الحنفية ، قال : ويجب أن يكون هو الذي قال به أصحابنا ، فقال القاضي أبو الطيب : يجب أن يكون ذلك الدليل أقوى من القياس الذي اقتضى إلحاقها بنظائرها ، لأنه لا يجوز ترك القياس ولا غيره من الأدلة إلا لما هو أقوى منه ، وحينئذ فيكون مذهبه كله استحسانا ، لأنه عدول بالخاص عن بقية أفراد العام لدليل . وحكى ابن القطان عن الكرخي أنه فسره بأدق القياسين . وقال في المنخول " : الصحيح في ضبطه قول الكرخي . وقد قسمه أربعة أقسام : أحدها : اتباع الحديث وترك القياس ، كما فعلوا في مسألة القهقهة ونبيذ التمر . الثاني : اتباع قول الصحابي إذا خالف القياس ، كما قالوا في أجرة العبد الآبق بأربعين ، اتباعا لابن عباس . الثالث : اتباع العادة المطردة ، كالمعاطاة ، فإن استمرارها يشهد بصحة نقلها خلفا عن سلف ، ويغلب على الظن أنه في عصر الرسول .

الرابع : اتباع معنى خفي هو أخص بالمقصود ، كما في إيجاب الحد بشهود الزوايا ، لإمكان أن يكون فعلة واحدة كأن يزحف فيها . قال الغزالي : وتقديم الخبر على القياس وجب عندنا ، لكن الخبر الصحيح . وكذلك قول الصحابي إذا خالف القياس يتبع عندنا . وأما أن الأعصار .

[ ص: 102 ] لا تتفاوت فمردود ، لأن العقود الفاسدة في الكثرة حدثت بعد عصر الصحابة والسلف . فأما المعنى الخفي إذا كان أخص فهو متبع . ولكن أبا حنيفة لم يكتف بموجبه حتى أتى بالعجب فقال : يجب الحد على من شهد عليه أربعة بالزنى أربع زوايا ، كل واحد يشهد على زاوية . قال : ولعله كان يتزحف في زنية واحدة . وأي استحسان في سفك دم امرئ مسلم بهذا الخيال . انتهى . وقضية كلام الرافعي أن الخلاف في الثالث ، فقال : المنقول عن أبي حنيفة أنه يتبع ما استحسن بالعادة ويترك الكتاب والسنة المتواترة . ومثله بشهود الزنى . انتهى . وذكر أبو بكر محمد بن أحمد البلعمي الحنفي في كتاب الغرر في الأصول " أنه تعليق الحكم بالمعنى الخفي قال : ولا عيب إذن في إطلاقه ، بل العيب على من جهل حقيقته وقال به من حيث عيب عن قائله . قال : وذكر أبو بكر الرازي في كتابه قال : حدثني بعض قضاة مدينة السلام ممن كان يلي القضاء في زمان المستعين بالله ، قال : سمعت إبراهيم بن جابر ، وكان رجلا كثير العلم ، صنف في اختلاف الفقهاء ، وكان يقول بنفي القياس بعد أن أثبته .

قلت له : ما الذي أوجب عندك القول بنفي القياس بعد القول به ؟ قال : قرأت كتاب إبطال الاستحسان " للشافعي ، فرأيته صحيحا في معناه ، إلا أن جميع ما احتج به هو بعينه يبطل القياس ، وصح به عندي بطلانه . قال : فهذه حكاية تنادي على الخصم أنه يقول بما يعود عليه بالنقض . قلت : إن كان الاستحسان كما نقول فهو نوع من القياس ، فلا وجه لتسميتك به باسم آخر . ولئن قلت : لا مشاحة في الاصطلاح قلنا : هنا يوهم أنه دليل غير القياس ، فقل : هو قياس في المعنى . وله اسم آخر في [ ص: 103 ] اللفظ ، وهو أحد أنواع القياس ، وحينئذ فيرتفع الخلاف . السادس : أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تقتصر عنه عبارته ، فلا يقدر أن يتفوه به . قال الغزالي رحمه الله : وهذا هو بين ، لأن ما يقدر على التعبير عنه لا يدري هو وهم أو تحقيق .

ورد عليه القرطبي : بأن ما يحصل في النفس من مجموع قرائن الأقوال من علم أو ظن ، لا يتأتى عن دليله عبارة مطابقة له . ثم لا يلزم من الاختلال بالعبارة الإخلال بالمعبر عنه ، فإن تصحيح المعاني بالعلم اليقيني لا بالنطق اللفظي ، قال : ويظهر لي أن هذا أشبه ما يفسر به الاستحسان . قلت : وعلى هذا ينبغي أن يتمسك به المجتهد فيما غلب على ظنه . أما المناظر فلا يسمع منه ، بل لا بد من بيانه ليظهر خطؤه من صوابه . وقال الخوارزمي في " الكافي " : ينبغي أن يكون هذا هو محل الخلاف ولا ينبغي أن يكون حجة ، إذ لا شاهد له . السابع : أنه مما يستحسنه المجتهد برأي نفسه وحديثه من غير دليل . وهذا هو ظاهر لفظ الاستحسان ، وهو الذي حكاه الشافعي عن أبي حنيفة كما قال القاضي أبو الطيب في تعليقه " ، قال : وأنكره أصحاب أبي حنيفة ، وقال الشيخ الشيرازي : إنه الذي يصح عنه . وإليه أشار الشافعي بقوله : " من استحسن فقد شرع " .

وهذا مردود ، لأنه قول في الشريعة بمجرد التشهي ، ومخالف لقوله تعالى : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } لكن الحنفية ينكرون هذا التفسير لما فيه من الشناعة . قلت : وهو الصواب في النقل عن أبي حنيفة . وفد صنف الشافعي كتابا في الأم " في الرد على أبي حنيفة في الاستحسان ، وقال من جملته : قال أبو حنيفة لما رد خيار المجلس بين المتتابعين : أرأيت لو كانا في سفينة ، فترك الحديث الصحيح بهذا التخمين . وقال في مسألة شهود الزوايا : القياس أنهم قذفة يحدون وترد شهادتهم ، لكن استحسن قبولها .

[ ص: 104 ] ورجم المشهود عليه . قال الشافعي رحمه الله تعالى : وأي استحسان في قتل مسلمين ؟ ، وقال في الزوجين إذا تقاذفا ، قال لها : يا زانية ، فقالت : بل أنت زان ، لا حد ولا لعان ، لأني أستقبح أن ألاعن بينهما ثم أحدها . قال الشافعي : وأقبح منه تعليل حكم الله عليهما . انتهى . وهذا صريح في أن الشافعي فهم عن أبي حنيفة أن مراده بالاستحسان هذا ، فلا وجه لإنكار أصحابه ذلك . وقد احتج أصحابنا على بطلانه بقوله تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } إلى { ذلك خير وأحسن تأويلا } فجعل الأحسن ما كان كذلك ، وقوله : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ولم يقل : إلى الاستحسان . ولأن القياس أقوى من الاستحسان بدليل جواز تخصيص العموم به دون الاستحسان ، فلم يجز أن يتقدم عليه الاستحسان . وقد استدل الخصم بقوله تعالى : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ، وقوله عليه السلام : { ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن } ، ولأن المسلمين أجمعوا على أحكام عدلوا عن الأصول فيها إلى الاستحسان : ( منها ) دخول الواحد إلى الحمام ليستعمل ماء غير مقدر .

[ ص: 105 ] ويشتري المأكول بالمساومة من غير عقد يتلفظ به ، فدل على أن استحسان المسلمين حجة وإن لم يقترن بحجة . وأجاب أصحابنا عن الآية بأنها تتضمن الأخذ بالأحسن دون المستحسن ، وهو ما جاء به الكتاب والسنة لا غيرهما . والحديث موقوف على ابن مسعود . وعن الإجماع بأن المصير إليه بالإجماع لا بالاستحسان .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة