التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » الكامل في التاريخ » ذكر حوادث العرب أيام قباذ

مسألة: الجزء الأول
ذكر حوادث العرب أيام قباذ

[ ص: 379 ] لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر بن امرئ القيس ، كما ذكرناه ، وبعث إليه قباذ : إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد ، وأحب لقاءك ، وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ويداري أعداءه . فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات أحد من العرب ، فطمع الحارث الكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا على السواد ، فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث ، فاستدعاه فحضر ، فقال له : إن لصوصا من العرب صنعت كذا وكذا . فقال : ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود . وطلب منه شيئا من السواد ، فأعطاه ستة طساسيج .

وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع ، وهو باليمن ، يطمعه في بلاد العجم ، فسار تبع حتى نزل الحيرة ، وأرسل ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ ، فحاربه فهزمه شمر حتى لحق بالري ، ثم أدركه بها فقتله ، ثم وجه تبع شمرا إلى خراسان ، ووجه ابنه حسان إلى السغد ، وقال : أيكما سبق إلى الصين فهو عليها ، وكان كل واحد منهما في جيش عظيم ، يقال : كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا .

وأرسل ابن أخيه يعفر إلى الروم ، فنزل على القسطنطينية ، فأعطوه الطاعة والإتاوة ، ومضى إلى رومية فحاصرها فأصاب من معه طاعون ، فوثب الروم عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد .

وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها ، فلم يظفر بها ، وسمع أن ملكها أحمق وأن له ابنة ، وهي التي تقضي الأمور ، فأرسل إليها هدية عظيمة ، وقال لها : إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهبا وفضة وأنا أدفعها إليك [ ص: 380 ] وأمضي إلى الصين ، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك .

فلما بلغتها الرسالة قالت : قد أجبته فليبعث المال ، فأرسل أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان . ولسمرقند أربعة أبواب ، ولكل باب ألفا رجل ، وجعل العلامة بينهما أن يضرب بالجرس ، فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ، وسار إلى الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين ، فأقاما بها حتى ماتا ، وكان مقامهما فيما قيل إحدى وعشرين سنة .

وقيل : عادا في طريقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر ، ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم ، ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازيا بعده .

وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة ، وقيل تهود .

قال ابن إسحاق : كان تبع الآخر ، وهو تبان أسعد أبو كرب ، حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة ، وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها ، وخلف عندهم ابنا له فقتل غيلة ، فقدمها عازما على تخريبها واستئصال أهلها ، فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ورئيسهم عمرو بن الطلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا لقتاله ، وكانوا يقاتلونه نهارا ويقرونه ليلا . فبينما هو على ذلك إذ جاءه حبران من بني قريظة عالمان ، فقالا له : قد سمعنا ما تريد أن تفعل ، وإنك إن أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه ، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة . فقال : ولم ذلك ؟ فقالا : إنها مهاجر نبي من قريش تكون داره . فانتهى عما كان يريد وأعجبه فاتبعهما على دينهما ، واسمهما كعب وأسد ، وكان تبع وقومه أصحاب أوثان .

وسار من المدينة إلى مكة ، وهي طريقه ، فكسا الكعبة الوصائل والملاء ، وكان أول [ ص: 381 ] من كساها ، وجعل لها بابا ومفتاحا ، وخرج متوجها إلى اليمن ، فدعا قومه إلى اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار ، وكانت لهم نار تحكم بينهم فيما يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم . فقال لقومه : أنصفتم . فخرج قومه بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا عند مخرج النار ، فخرجت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران تعرق جباههما لم تضرهما ، فأصفقت حمير على دينه .

وكان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي ، وكان كاهنا ، فقال له تبع : هل تجد لقومي ملكا يوازي ملكي ؟ قال : لا إلا لملك غسان . قال : فهل تجد ملكا يزيد عليه ؟ قال : أجده لبار مبرور ، أيد بالقهور ، ووصف بالزبور ، وفضلت أمته في السفور ، يفرج الظلم بالنور ، أحمد النبي ، طوبى لأمته حين يجيء ، أحد بني لؤي ، ثم أحد بني قصي ! فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي - صلى الله عليه وسلم .

ثم ملك بعد تبع هذا ، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب ، ربيعة بن نصر اللخمي ، فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد .

فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا إلا أحضره وقال لهم : رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بتأويلها . فقالوا : اقصصها علينا . فقال : إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها ، فلما قال ذلك قال له رجل منهم : إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك عما سألت . واسم سطيح ربيع بن ربيعة ، وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن عدي ، وشق بن مصعب بن يشكر بن أنمار .

[ ص: 382 ] فبعث إليهما ، فقدم عليه سطيح قبل شق ، فلما قدم عليه سطيح سأله عن رؤياه وتأويلها . فقال : رأيت حمحمة ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بأرض بهمة ، فأكلت منها كل ذات جمجمة ؟ قال له الملك : ما أخطأت منها شيئا ، فما عندك من تأويلها ؟ . فقال : أحلف ما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش . قال الملك : وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع ، فمتى يكون أفي زماني أم بعده ؟ . قال : بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من السنين . قال : هل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع ؟ . قال : بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين ، ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين . قال الملك : ومن الذي يلي ذلك ؟ . قال : يليه إرم ذي يزن ، يخرج عليهم من عدن ، فلا يترك أحدا منهم باليمن . قال : فيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع ؟ . قال : بل ينقطع ، يقطعه نبي زكي ، يأتيه الوحي من العلي ، وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم ، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، ويسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون . قال : أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ . قال : نعم والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق ، إن ما أنبأتك به لحق .

ثم قدم عليه شق فقال : يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فأخبرني عنها وعن تأويلها [ ص: 383 ] وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان . قال : نعم ، رأيت جمجمة ، خرجت من ظلمة ، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة .

فلما سمع الملك ذلك قال : ما أخطأت شيئا ، فما تأويلها ؟ . قال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، لينزلن أرضكم السودان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران . قال الملك : وأبيك يا شق ! إن هذا لغائظ ، فمتى هو كائن ؟ . قال : بعدك بزمان ، ثم يستنقظكم منهم عظيم ذو شان ، ويذيقكم أشد الهوان ، وهو غلام ليس بدني ولا مزن ، يخرج من بيت ذي يزن . قال : فهل يدوم سلطانه أم ينقطع ؟ . قال : بل ينقطع برسول مرسل ، يأتي بالحق والعدل ، بين أهل الدين والفضل ، يكون الملك فيه إلى يوم الفصل . قال : وما يوم الفصل ؟ . قال : يوم تجزى فيه الولاة ، ويدعى من السماء بدعوات ، ويسمع منها الأحياء والأموات ، ويجتمع فيه الناس للميقات .

فلما فرغ من مسألتهما جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم ، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك .

فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار ، كان مما هيج أمر الحبشة ، وتحول الملك عن حمير أن حسان سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم ، كما كانت التبابعة تفعل . فلما كان بالعراق قبلت قبائل العرب المسير معه ، فكلموا أخاه عمرا في قتل حسان وتمليكه ، فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين الحميري ، فإنه نهاه عن ذلك ، فلم يقبل منه ، فعمد ذو رعين إلى صفيحة فكتب فيها :

[ ص: 384 ]

ألا من يشتري سهرا بنوم ؟ سعيد من يبيت قرير عين .

    فإما حمير غدرت وخانت
فمعذرة الإله لذي رعين

.

ثم ختمها وأتى بها عمرا فقال : ضع هذه عندك ، ففعل . فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو :


يا عمرو لا تعجل علي منيتي     فالملك تأخذه بغير حشود

.

فأبى إلا قتله ، فقتله بموضع رحبة مالك ، فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل .

ثم عاد إلى اليمن فمنع النوم منه ، فسأل الأطباء وغيرهم عما به وشكا إليهم السهر ، فقال له قائل منهم : ما قتل أحد أخاه أو ذا رحم بغيا إلا منع عنه النوم . فلما سمع ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه ، حتى خلص إلى ذي رعين ، فلما أراد قتله قال : إن لي عندك براءة . قال : وما هي ؟ . قال : أخرج الكتاب الذي استودعتك . فأخرجه فإذا فيه البيتان ، فكف عن قتله ، ولم يلبث عمرو أن هلك ، فتفرقت حمير عند ذلك .

قلت : هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري ، وملك تبع البلاد من بعد قتله من النقل القبيح والغلط الفاحش ، وفساده أشهر من أن يذكر ، فلولا أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء لكان الإعراض عنه أولى . ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذ قتل بالري ، ولا خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذ مات حتف أنفه في زمان معلوم ، وكان ملكه مدة معلومة ، كما ذكرناه قبل ، ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في هذه الرواية .

ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده ، وهذا أشهر من : قفا نبك ، ولو كان [ ص: 385 ] ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير ، كيف كان ملك ابنه بعده وتمكن في الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج ! .

ثم ذكر أيضا أن تبعا وجه ابنه حسان إلى الصين ، وشمرا إلى سمرقند وابن أخيه إلى الروم ، وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها ، فيا ليت شعري ! ما هو اليمن وحضرموت حتى يكون بهما ما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها ، وجيش مع تبع ، وجيش مع حسان يسير بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته ، وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ، ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها ، وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ويملك القسطنطينية ! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها ، واليمن من أقل بلادهم عددا وجنودا ، فلم يقدروا على ذلك ، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبع ؟ ! هذا مما تأباه العقول ، وتمجه الأسماع .

ثم إنه قال : إن ملك تبع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ ، يعني أيام ابنه أنوشروان ، وكان ملكه سبعا وأربعين سنة .

ولا خلاف أيضا أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك حمير منه وكان آخر ملوكهم ذا نواس . وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس ، وانقطع نظامهم حتى طمعت الحبشة فيه وملكته ، وكان ملكهم اليمن أيام قباذ .

وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ ، ويكون تبع هو الذي ملك اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن ؟ هذا مردود محال وقوعه .

وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة ، وقيل أكثر من ذلك ، وكان انقراض ملكهم في آخر ملك أنوشروان ، والخبر في ذلك مشهور ، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر .

[ ص: 386 ] ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون ، فكيف يستقيم أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفا وأربعين سنة ؟ وهذا أعجب إن مدة بعضها سبعون سنة تنقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة ، ولو فكر أبو جعفر في ذلك لاستحيا من نقله .

وأعجب من هذا أنه قال : ثم ملك بعد تبع هذا ربيعة بن نصر اللخمي ، وهذا ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة ، وكان ملك عمرو الحيرة بعد خاله جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك بخمس وتسعين سنة ، وبين أردشير وقباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل ؟ ولو لم يترجم أبو جعفر على هذه الحادثة بقوله : ذكر الحوادث أيام قباذ ، لكان يحتمل تأويلا فيه ، ثم ما قنع بذلك حتى قال ، بعد أن قص مسير تبع : وقتل قباذ وملك البلاد .

وأما ابن إسحاق فإنه قال : إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة هو تبع الأخير ، ويعني بقوله : " تبع الأخير " أنه آخر من سار إلى المشرق وملك البلاد .

فإن ابن إسحاق وغيره يقولون : إن الذي ملك البلاد المشرقية لما توفي ملك بعده عدة تبابعة ، ثم اختل أمرهم زمانا طويلا ، حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت إلى اليمن . فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ ، فلا شك أن تبعا الأخير الذي أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية ، ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة من ملك بني العباس ، ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضا مما بعدها ، حتى يستقيم هذا القول .

ثم إنه قال : إن عمرو بن طلة الأنصاري خرج إلى تبع ، وعمرو هذا قيل إنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - شيخا كبيرا ومات عند مرجعه من غزوة بدر .

[ ص: 387 ] ومن الدليل على بطلانه أيضا أن المسلمين لما قصدوا بلاد الفرس ما زالت الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم : كنتم أقل الأمم وأذلها وأحقرها ، والعرب تقر لهم بذلك ، فلو كان ملك تبع قريب العهد لقالت العرب : إننا بالأمس قتلنا ملككم ، وملكنا بلادكم ، واستبحنا حريمكم وأموالكم ، فسكوت العرب عند ذلك وإقرارهم للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه ، على أن الفرس لا تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه ، فإنهم يزعمون أن ملكهم لم ينقطع من عهد جيومرث ، الذي هو آدم في قول بعضهم ، إلى أن جاء الإسلام ، إلا أيام ملوك الطوائف ، وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك الزمان لم ينقطع انقطاعا كليا ، على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي سار وملك البلاد اختلافا كثيرا ، فقيل : شمر بن غش ، وقيل : تبع أسعد ، وأنه بعث إلى سمرقند شمرا ذا الجناح ، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها . وهذا القدر كاف في كشف الخطأ فيه .

السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة