الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة

                                                                                                                                                                                                        632 حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حفص بن عاصم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل قال ح وحدثني عبد الرحمن يعني ابن بشر قال حدثنا بهز بن أسد قال حدثنا شعبة قال أخبرني سعد بن إبراهيم قال سمعت حفص بن عاصم قال سمعت رجلا من الأزد يقال له مالك ابن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح أربعا الصبح أربعا تابعه غندر ومعاذ عن شعبة في مالك وقال ابن إسحاق عن سعد عن حفص عن عبد الله ابن بحينة وقال حماد أخبرنا سعد عن حفص عن مالك

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ، واختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه ، وقيل إن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يخرجه ، ولما كان الحكم صحيحا ذكره في الترجمة وأخرج في الباب ما يغني عنه ، لكن حديث الترجمة أعم من حديث الباب لأنه يشمل الصلوات كلها وحديث الباب يختص بالصبح كما سنوضحه ، ويحتمل أن يقال : اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان ، هذا من حيث اللفظ ، وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد ، وقد أخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ فلا صلاة إلا التي أقيمت .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( إذا أقيمت ) أي إذا شرع في الإقامة ، وصرح بذلك محمد بن جحادة عن عمرو بن دينار فيما [ ص: 175 ] أخرجه ابن حبان بلفظ " إذا أخذ المؤذن في الإقامة " وقوله " فلا صلاة " أي صحيحة أو كاملة ، والتقدير الأول أولى لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة ، لكن لما لم يقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة المصلي واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال . ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي ، أي فلا تصلوا حينئذ ، ويؤيده ما رواه البخاري في التاريخ والبزار وغيرهما من رواية محمد بن عمار عن شريك بن أبي نمر عن أنس مرفوعا في نحو حديث الباب وفيه ونهى أن يصليا إذا أقيمت الصلاة وورد بصيغة النهي أيضا فيما رواه أحمد من وجه آخر عن ابن بحينة في قصته هذه فقال " لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر واجعلوا بينهما فصلا " والنهي المذكور للتنزيه لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( إلا المكتوبة ) فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة سواء كانت راتبة أم لا ، لأن المراد بالمكتوبة المفروضة ، وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث قيل يا رسول الله ولا ركعتي الفجر ؟ قال : ولا ركعتي الفجر أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب وإسناده حسن ، والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة ، لكن المراد الحاضرة ، وصرح بذلك أحمد والطحاوي من طريق أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( مر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل ) لم يسق البخاري لفظ رواية إبراهيم بن سعد ، بل تحول إلى رواية شعبة فأوهم أنهما متوافقتان ، وليس كذلك فقد ساق مسلم رواية إبراهيم بن سعد بالسند المذكور ولفظه مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح ، فكلمه بشيء لا ندري ما هو ، فلما انصرفنا أحطنا به نقول : ماذا قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال قال لي : يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعا ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة في كونه - صلى الله عليه وسلم - كلم الرجل وهو يصلي ، ورواية شعبة تقتضي أنه كلمه بعد أن فرغ ، ويمكن الجمع بينهما بأنه كلمه أولا سرا فلهذا احتاجوا أن يسألوه ، ثم كلمه ثانيا جهرا فسمعوه ، وفائدة التكرار تأكيد الإنكار .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( حدثني عبد الرحمن ) هو ابن بشر بن الحكم كما جزم به ابن عساكر وأخرجه الجوزقي من طريقه .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( سمعت رجلا من الأزد ) في رواية الأصيلي " من الأسد " بالمهملة الساكنة بدل الزاي الساكنة وهي لغة صحيحة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( يقال له مالك ابن بحينة ) هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي ، وتابعه على ذلك أبو عوانة وحماد بن سلمة ، وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والإسماعيلي وابن الشرفي والدارقطني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين : أحدهما أن بحينة والدة عبد الله لا مالك ،

                                                                                                                                                                                                        وثانيهما أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك ، وهو عبد الله بن مالك بن القشب بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة وهو لقب واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله ، قال ابن سعد : قدم مالك بن القشب مكة يعني في الجاهلية فحالف بني المطلب بن عبد مناف وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب واسمها عبدة ، وبحينة لقب ، وأدركت بحينة الإسلام فأسلمت وصحبت ، وأسلم ابنها عبد الله قديما ، ولم يذكر أحد مالكا في الصحابة [ ص: 176 ] إلا بعض ممن تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له ، وكذا أغرب الداودي الشارح فقال : هذا الاختلاف لا يضر فأي الرجلين كان فهو صاحب ، وحكى ابن عبد البر اختلافا في بحينة هل هي أم عبد الله أو أم مالك ؟ والصواب أنها أم عبد الله كما تقدم ، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف ويعرب إعراب عبد الله كما في عبد الله بن أبي بن سلول ومحمد بن علي بن الحنفية .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( رأى رجلا ) هو عبد الله الراوي كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو يصلي ، وفي رواية أخرى له " خرج وابن القشب يصلي " ووقع لبعض الرواة هنا " ابن أبي القشب " وهو خطأ كما بينته في كتاب الصحابة . ووقع نحو هذه القصة أيضا لابن عباس قال كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة ، فجذبني النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : أتصلي الصبح أربعا ؟ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم ، فيحتمل تعدد القصة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( لاث ) بمثلثة خفيفة ، أي أدار وأحاط . قال ابن قتيبة : أصل اللوث الطي ، يقال لاث عمامته إذا أدارها .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( به الناس ) ظاهره أن الضمير للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، لكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة تقتضي أنه للرجل .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( آلصبح أربعا ؟ ) بهمزة ممدودة في أوله ، ويجوز قصرها ، وهو استفهام إنكار ، وأعاده تأكيدا للإنكار . والصبح بالنصب بإضمار فعل تقديره أتصلي الصبح ؟ وأربعا منصوب على الحال ، قاله ابن مالك . وقال الكرماني على البدلية قال : ويجوز رفع الصبح أي الصبح تصلي أربعا ؟ . واختلف في حكمة هذا الإنكار فقال القاضي عياض وغيره : لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها . ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد " يوشك أحدكم " وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك ، وهو متعقب بعموم حديث الترجمة .

                                                                                                                                                                                                        وقيل لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل . وقال النووي : الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام ، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة اهـ . وهذا يليق بقول من يرى بقضاء النافلة وهو قول الجمهور ، ومن ثم قال من لا يرى بذلك : إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإمام .

                                                                                                                                                                                                        وقال بعضهم : إن كان في الأخيرة لم يكره له التشاغل بالنافلة ، بشرط الأمن من الالتباس كما تقدم ، والأول عن المالكية ، والثاني عن الحنفية ولهم في ذلك سلف عن ابن مسعود وغيره ، وكأنهم لما تعارض عندهم الأمر بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحالة جمعوا بين الأمرين بذلك ، وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا يلتبسا ، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك ، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية المسجد لم يكره ، وهو متعقب بما ذكر ، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلا ، لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعا ثم دخل في الفرض ، ويدل على ذلك أيضا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح ، فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سأله لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلا بها فدل على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض ، وهو موافق لعموم [ ص: 177 ] حديث الترجمة . وقد فهم ابن عمر اختصاص المنع بمن يكون في المسجد لا خارجا عنه ، فصح عنه أنه كان يحصب من يتنفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة ، وصح عنه أنه قصد المسجد فسمع الإقامة فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ثم دخل المسجد فصلى مع الإمام ، قال ابن عبد البر وغيره : الحجة عند التنازع السنة ، فمن أدلى بها فقد أفلح ، وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة ، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في الإقامة " حي على الصلاة " معناه هلموا إلى الصلاة أي التي يقام لها ، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره والله أعلم . واستدل بعموم قوله " فلا صلاة إلا المكتوبة " لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة ، وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعية ، وخص آخرون النهي بمن ينشئ النافلة عملا بعموم قوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم ، وقيل يفرق بين من يخشى فوت الفريضة في الجماعة فيقطع وإلا فلا ، واستدل بقوله " التي أقيمت " بأن المأموم لا يصلي فرضا ولا نفلا خلف من يصلي فرضا آخر ، كالظهر مثلا خلف من يصلي العصر ، وإن جازت إعادة الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( تابعه غندر ومعاذ عن شعبة عن مالك ) أي تابعا بهز بن أسد في روايته عن شعبة بهذا الإسناد فقالا عن مالك بن بحينة ، وفي رواية الكشميهني عن شعبة عن مالك أي بإسناده ، والأول يقتضي اختصاص المتابعة بقوله عن مالك بن بحينة فقط ، والثاني يشمل جميع الإسناد والمتن ، وهو أولى لأنه الواقع في نفس الأمر . وطريق غندر وصلها أحمد في مسنده عنه كذلك ، وطريق معاذ - وهو ابن معاذ العنبري البصري - وصلها الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه ، وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة ، وكذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وحجاج والنسائي من رواية وهب بن جرير والإسماعيلي من رواية يزيد بن هارون كلهم عن شعبة كذلك .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال ابن إسحاق ) أي صاحب المغازي عن سعد أي ابن إبراهيم ، وهذه الرواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه وهي الراجحة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال حماد ) يعني ابن سلمة كما جزم به المزي وآخرون ، وكذا أخرجه الطحاوي وابن منده موصولا من طريقه ، ووهم الكرماني في زعمه أنه حماد بن زيد ، والمراد أن حمادا وافق شعبة في قوله عن مالك بن بحينة ، وقد وافقهما أبو عوانة فيما أخرجه الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن قتيبة عنه ، لكن أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة فوقع في روايتهما عن ابن بحينة مبهما ، وكأن ذلك وقع من قتيبة في وقت عمدا ليكون أقرب إلى الصواب ، قال أبو مسعود : أهل المدينة يقولون عبد الله بن بحينة وأهل العراق يقولون مالك بن بحينة ، والأول هو الصواب . انتهى . فيحتمل أن يكون السهو فيه من سعد بن إبراهيم لما حدث به بالعراق .

                                                                                                                                                                                                        وقد رواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد على وجه آخر من الوهم قال " عن عبد الله بن مالك بن بحينة عن أبيه " قال مسلم في صحيحه : قوله عن أبيه خطأ . انتهى . وكأنه لما رأى أهل العراق يقولون عن مالك بن بحينة ظن أن رواية أهل المدينة مرسلة فوهم في ذلك ، والله أعلم .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية