شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة:
الفصل الثالث

687 - عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - ، قال : عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بطريق مكة ، ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة ، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس ، فاستيقظ القوم ، وقد فزعوا ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي ، وقال : ( إن هذا واد به شيطان ) . فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي ، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا ، وأن يتوضئوا ، وأمر بلالا أن ينادي للصلاة - أو يقيم - ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، ثم انصرف وقد رأى من فزعهم ، فقال : يا أيها الناس ، إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ; فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ، ثم فزع إليها ، فليصلها كما كان يصليها في وقتها ) ، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق ، فقال : ( إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه ، ثم لم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام ) .

الحاشية رقم: 1
الفصل الثالث

687 - ( عن زيد بن أسلم ) تابعي ، مولى عمر بن الخطاب ، قاله الطيبي ( قال : عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ) فيه تجريد أو تأكيد ، فإن التعريس نزول الليل أو آخره ( بطريق مكة ) قال ابن حجر : هذا يدل على أن هذه القضية غير الأولى ، لأن تلك بين خيبر والمدينة ، وهذه بين مكة والمدينة ( ووكل بلالا ) أي : أمره ( أن يوقظهم للصلاة ) أي : لصلاة الصبح ، وخص بلالا بذلك ; لأن المؤذن هو الذي يرقب الوقت ويحرسه ( فرقد بلال ) أي : بعدما سهر مدة وغلبه النوم ( ورقدوا ) أي : النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمادا على بلال ( حتى استيقظوا ) أي : كلهم جميعا ، وأولهم أفضلهم ( وقد طلعت عليهم الشمس ) الجملة حالية ( فاستيقظ القوم ) قال الطيبي : كرره لينيط به قوله ( فقد فزعوا ) أي : من فوات الصبح ( فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا ) أي : أن يرحلوا ( حتى يخرجوا من ذلك الوادي ، وقال : ( إن هذا واد به شيطان ) أي : مسلط أو شيطان عظيم ( فركبوا ) أي : وساروا ( حتى خرجوا من ذلك الوادي ، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا ، وأن يتوضئوا ، وأمر بلالا أن ينادي ) أي : يؤذن أو يعلم للصلاة ( - أو يقيم - ) أي : بعد الأذان ، فأو للشك ، أو بمعنى الجمع المطلق كالواو على ما قاله الكوفيون والأخفش والجرمي كما نقله [ في ] المغني ، ويؤيده ما ذكره ابن الهمام أن في أبي داود وغيره ، أنه عليه السلام أمر بلالا بالأذان والإقامة . قلت : لا قال الشيخ الألباني في المشكاة : أن الجمع أفضل ، فالحمل عليه أولى وأكمل ، ولما قدمناه في الفصل الأول . ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ) أي : قضى صلاة الصبح جماعة ( ثم انصرف ) أي : عن الصلاة ( وقد رأى من فزعهم ) أي : أدرك بعض فزعهم ، أو رأى عليهم بعض آثار خوفهم وهيبتهم من الله تعالى لما حسبوا أن في النوم تقصيرا ، وأما قول ابن حجر ، أي شيئا كثيرا كما : انظر دلائل النبوة ح عليه السياق ، فغير ظاهر من السباق واللحاق ( فقال ) تسلية لهم وتسكينا لفزعهم ( يا أيها الناس ، إن الله قبض أرواحنا ) كما يدل عليه قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها

[ ص: 580 ] قال الطيبي : فيه تسلية للقوم مما فزعوا منه ، وأن تلك الغفلة كانت بمشيئة الله - تعالى - قلت : هذا احتجاج بالقدر ، وحسنه خوفهم مع عدم تقصيرهم في تأخيرهم حيث لا حرج في النوم ، سيما مع الاحتراس بأمر بلال لإيقاظ الناس ( ولو شاء ) أي : أن يردها إلينا في حين قبل هذا الوقت ( لردها إلينا في حين غير هذا ) بالجر على الصفة ، وقيل : بالنصب على الاستثناء أي : غير هذا الحين ، وهو يحتمل قبل طلوع الشمس من تلك الليلة ، وهو الظاهر ، فيكون القبض والرد كلاهما مجازا ، ويحتمل يوم القيامة . قال الطيبي : إشارة إلى الموت الحقيقي الذي ينبه عليه قوله تعالى : فيمسك التي قضى عليها الموت وقوله : إن الله قبض أرواحنا إشارة إلى الموت المجازي في قوله تعالى : ويرسل الأخرى أي : التي لم تمت في منامها . ( فإذا رقد أحدكم ) أي : غافلا وذاهلا ( عن الصلاة أو نسيها ) يحتمل أن يكون شكا من الراوي ، وأن يكون تنويعا في الحديث أي : غفل عنها بسبب النوم أو نسيها بأمر آخر قاله الطيبي ، والأظهر التنويع لفظا ومعنى ، فإن لو كان للشك لقال أو نسي ليكون بدلا عن رقد ، أو قال : نسي أحدكم الصلاة ليكون بدلا عن الكل ، ولما تقدم من رواية : " من نسي الصلاة أو نام عنها " ، وأما قول ابن حجر أو للتنويع لا للشك خلافا لمن زعمه ، لأن النسيان خلاف النوم فلا يجدي نفعا ( ثم فزع إليها ) قال الطيبي : ضمن ( فزع ) معنى التجأ فعدي ب ( إلى ) أي : التجأ إلى الصلاة فزعا يعني التجأ من تركها إلى فعلها ، كقوله تعالى : ففروا إلى الله أي : مما سوى الله ( فليصلها ) أي : حين قضاها ( كما كان يصليها في وقتها ) وظاهره أنه يجهر في الجهرية ويسر في السرية خلافا لبعض علمائنا حيث قال : وخافت حتما إن قضى ( ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : من القوم ( إلى أبي بكر الصديق ) فإنه لهم رئيس على التحقيق ، وللنبي صديق وصديق ، ففي التفاته غاية التفات ونهاية نوع من الخصوصيات ( فقال : ( إن الشيطان ) أي : شيطان الوادي ، أو شيطان بلال ، أو الشيطان الكبير ( أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه ) أي : أسنده لما تقدم في الحديث السابق ، ويمكن أنه اضطجع في هذه القضية ، ولم يدر أيهما اللاحق ( ثم لم يزل يهدئه ) من الإهداء أي : يسكنه وينومه . في النهاية : الهدوء والسكون عن الحركات من المشي والاختلاف في الطريق ( كما يهدأ الصبي ) بالبناء للمفعول . قال الطيبي : يقال : أهدأت الصبي وأسكنته وذلك بأن يضرب كفه عليه حتى يسكن وينام ( حتى نام ) .

فإن قلت : كيف أسند تلك الغفلة ابتداء إلى الله سبحانه وتعالى في قوله عليه السلام : إن الله قبض أرواحنا ، وفي قول بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك . ثم أسندها إلى الشيطان ، أجيب بأنه مسألة خلق الأفعال . أي : أراد الله تعالى خلق النوم والنسيان فيهم ، فمكن الشيطان من اكتساب ما هو جالب للغفلة أو النوم من الهدوء وغيره .

( ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا ، فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ، فقال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله ) قال الطيبي : في الحديث إظهار معجزة ، ولذا صدقه الصديق - رضي الله عنه - بالشهادة . ( رواه مالك ) أي : في الموطأ ( مرسلا ) لما تقدم أن زيدا تابعي .

[ ص: 581 ]
السابق

|

| من 9

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة