الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        114 حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثني ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده قال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط قال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( أخبرني يونس ) هو ابن يزيد .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن عبيد الله بن عبد الله ) أي : ابن عتبة بن مسعود .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( لما اشتد ) أي : قوي .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وجعه ) أي : في مرض موته كما سيأتي . وللمصنف في المغازي وللإسماعيلي : " لما حضرت النبي - صلى الله عليه وسلم - الوفاة " وللمصنف من حديث سعيد بن جبير أن ذلك كان يوم الخميس وهو قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أيام .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( بكتاب ) أي : بأدوات الكتاب ، ففيه مجاز الحذف . وقد صرح بذلك في رواية لمسلم قال : " ائتوني بالكتف والدواة " والمراد بالكتف عظم الكتف لأنهم كانوا يكتبون فيها .

                                                                                                                                                                                                        [ ص: 252 ] قوله : ( أكتب ) هو بإسكان الباء جواب الأمر ، ويجوز الرفع على الاستئناف ، وفيه مجاز أيضا أي : آمر بالكتابة . ويحتمل أن يكون على ظاهره كما سيأتي البحث في المسألة في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى . وفي مسند أحمد من حديث علي أنه المأمور بذلك ولفظه " أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن آتيه بطبق - أي : كتف - يكتب ما لا تضل أمته من بعده " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( كتابا ) بعد قوله : " بكتاب " فيه الجناس التام بين الكلمتين ، وإن كانت إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( لا تضلوا ) هو نفي وحذفت النون في الروايات التي اتصلت لنا لأنه بدل من جواب الأمر ، وتعدد جواب الأمر من غير حرف العطف جائز .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( غلبه الوجع ) أي : فيشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتابة ، وكأن عمر رضي الله عنه فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل ، قال القرطبي وغيره : ائتوني أمر ، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال ، لكن ظهر لعمر رضي الله عنه مع طائفة أنه ليس على الوجوب ، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء وقوله تعالى : تبيانا لكل شيء ، ولهذا قال عمر : حسبنا كتاب الله . وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمنه من زيادة الإيضاح ، ودل أمره لهما بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار ، ولهذا عاش - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك أياما ولم يعاود أمرهم بذلك ، ولو كان واجبا لم يتركه لاختلافهم لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف ، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر ، فإذا عزم امتثلوا . وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى . وقد عد هذا من موافقة عمر رضي الله عنه . واختلف في المراد بالكتاب ، فقيل : كان أراد أن يكتب كتابا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف ، وقيل : بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف ، قاله سفيان بن عيينة . ويؤيده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " أخرجه مسلم . وللمصنف معناه ، ومع ذلك فلم يكتب ، والأول أظهر لقول عمر : كتاب الله حسبنا . أي : كافينا . مع أنه يشمل الوجه الثاني لأنه بعض أفراده . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        ( فائدة ) : قال الخطابي : إنما ذهب عمر إلى أنه لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعدم الاجتهاد . وتعقبه ابن الجوزي بأنه لو نص على شيء أو أشياء لم يبطل الاجتهاد لأن الحوادث لا يمكن حصرها . قال : وإنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلا إلى الطعن في ذلك المكتوب ، وسيأتي ما يؤيده في أواخر المغازي .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ولا ينبغي عندي التنازع ) فيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر ، وإن كان ما اختاره عمر صوابا إذ لم يتدارك ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد كما قدمناه . قال القرطبي : واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا ، [ ص: 253 ] وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا ، فما عنف أحدا منهم من أجل الاجتهاد المسوغ والمقصد الصالح . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فخرج ابن عباس يقول ) ظاهره أن ابن عباس كان معهم ، وأنه في تلك الحالة خرج قائلا هذه المقالة . وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر ، بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث ، ففي رواية معمر عند المصنف في الاعتصام وغيره : قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول . وكذا لأحمد من طريق جرير بن حازم عن يونس بن يزيد . وجزم ابن تيمية في الرد على الرافضي بما قلته ، وكل من الأحاديث يأتي بسط القول فيه في مكانه اللائق به ، إلا حديث عبد الله بن عمر فهو عمدة الباب . ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان به وهو يقول ذلك . ويدل عليه رواية أبي نعيم في المستخرج قال عبيد الله : فسمعت ابن عباس يقول . . . إلخ . وإنما تعين حمله على غير ظاهره لأن عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها لأنه ولد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدة طويلة ، ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى . والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( الرزيئة ) هي بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة ، وقد تسهل الهمزة وتشدد الياء ، ومعناها المصيبة ، وزاد في رواية معمر " لاختلافهم ولغطهم " أي أن الاختلاف كان سببا لترك كتابة الكتاب . وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم ، وعلى أن الاختلاف قد يكون سببا في حرمان الخير كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما فرفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك . وفيه وقوع الاجتهاد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما لم ينزل عليه فيه ، وسنذكر بقية ما يتعلق به في أواخر السيرة النبوية من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                        ( تنبيه ) : قدم حديث علي أنه كتب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويطرقه احتمال أن يكون إنما كتب ذلك بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبلغه النهي ، وثنى بحديث أبي هريرة وفيه الأمر بالكتابة وهو بعد النهي فيكون ناسخا ، وثلث بحديث عبد الله بن عمرو وقد بينت أن في بعض طرقه إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - له في ذلك ، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمر أن يكتبوا لأبي شاه لاحتمال اختصاص ذلك بمن يكون أميا أو أعمى ، وختم بحديث ابن عباس الدال على أنه - صلى الله عليه وسلم - هم أن يكتب لأمته كتابا يحصل معه الأمن من الاختلاف وهو لا يهم إلا بحق .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية