فروع الفقه الشافعي

تحفة المحتاج في شرح المنهاج

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
( الحمد ) الذي هو لغة الوصف بالجميل [ ص: 12 ] وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه وهذا هو الشكر لغة ، وأما اصطلاحا فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله فهو أخص مطلقا من الثلاثة - قبله أي ماهيته إن جعلت أل للجنس وهو الأصل أو جميع أفراده إن جعلت للاستغراق وهو أبلغ [ ص: 13 ] مملوك أو مستحق ( لله ) أي لذاته وإن انتقم فلا مرد منه لغيره تعالى بالحقيقة والجملة خبرية لفظا إنشائية معنى إذ القصد بها الثناء على الله تعالى بمضمونها المذكور من اتصافه تعالى بصفات ذاته وأفعاله الجميلة وملكه واستحقاقه لجميع الحمد من الخلق .

قيل ويرادفه المدح ، ورجح واعترض وقيل بينهما فرق وفي تحقيقه أقوال وجمع بين الابتداءين الحقيقي بالبسملة والإضافي بالحمدلة [ ص: 14 ] اقتداء بالكتاب العزيز وعملا بالخبر الصحيح { كل أمر ذي بال } أي حال يهتم به أي وليس بمحرم ولا مكروه وقد يخرجان بذي البال ؛ لأن الظاهر أن المراد ذووه شرعا لا عرفا ولا ذكر محض ولا جعل الشارع له ابتداء بغير البسملة كالصلاة بالتكبير لا يبدأ فيه بالحمد لله .

وفي رواية { بحمد الله فهو أجذم } بجيم فمعجمة وفي رواية { أقطع } وفي أخرى { أبتر } أي قليل البركة ، وقيل مقطوعها وفي رواية { ببسم الله الرحمن الرحيم } وفي أخرى { بذكر الله } وهي مبنية للمراد وعدم التعارض بفرض إرادة الابتداء الحقيقي فيهما وفي أخرى سندها ضعيف { لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أبتر ممحوق من كل بركة } ثم لما كان عادة البلغاء تحسين ما يكسب الكلام رونقا وطلاوة لا سيما الابتداء ثنى بما فيه براعة الاستهلال [ ص: 15 ] إشارة إلى أن تيسير هذا الكتاب الذي له هو نعمة أي نعمة إنما هو من محض بر الله وتوفيقه له وجوده عليه ولطفه به .

فقال ( البر ) أي المحسن كما يدل عليه اشتقاقه من البر بسائر مواده لأنها ترجع إلى الإحسان كبر في يمينه أي صدق لأن الصدق إحسان في ذاته ، ويلزمه الإحسان للغير وأبر الله حجه أي قبله لأن القبول إحسان وزيادة ، وأبر فلان على أصحابه أي علاهم لأنه غالبا ينشأ عن الإحسان لهم فتفسيره باللطيف أو العالي في صفاته أو خالق البر أو الصادق فيما وعد أولياءه بعيد إلا أن يراد بعض ماصدقات أو غايات ذلك البر ( الجواد ) بالتخفيف أي كثير الجود أي العطاء واعترض بأنه ليس فيه توقيف أي وأسماؤه تعالى توقيفية على الأصح فلا يجوز اختراع اسم أو صفة له تعالى إلا بقرآن أو خبر صحيح وإن لم يتواتر كما صححه المصنف في الجميل بل صوبه خلافا لجمع لأن هذا من العمليات التي يكفي فيها الظن لا الاعتقاديات مصرح به لا بأصله الذي اشتق منه فحسب أي وبشرط أن لا يكون ذكره لمقابلة كما هو ظاهر نحو { أم نحن الزارعون } { والله خير الماكرين } .

وقول الحليمي يستحب لمن ألقى بذرا في أرض أن يقول الله الزارع والمنبت والمبلغ إنما يأتي في الثلاثة على المرجوح أنه لا يشترط فيما صح معناه توقيف فإن قلت الجميل ذكر للمقابلة [ ص: 16 ] أيضا إذ لفظ الحديث { إن الله جميل يحب الجمال } فجعل المصنف له من التوقيفي يلغي اعتبار قيد المقابلة .

قلت المقابلة إنما يصار إليها عند استحالة المعنى الموضوع له اللفظ في حقه تعالى وليس الجمال كذلك لأنه بمعنى إبداع الشيء على آنق وجه وأحسنه وسيأتي في الردة زيادة على ذلك ، وأجيب عنه بأن فيه مرسلا اعتضد بمسند بل روى أحمد والترمذي وابن ماجه حديثا طويلا فيه { ذلك بأني جواد ماجد } ولا فرق بين المنكر والمعرف لأن تعريف المنكر لا يغير معناه كما يأتي في الله الأكبر وبالإجماع النطقي المستلزم لتلقي ذلك المرسل بالقبول ولإشعار العاطف بالتغاير الحقيقي أو المنزل منزلته حذف هنا كقوله تعالى { الملك القدوس } { مسلمات مؤمنات } { التائبون العابدون } الآيات وأتي به في نحو { هو الأول والآخر } { ثيبات وأبكارا } { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر }

الحاشية رقم: 1
حاشية ابن قاسم

( قوله فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله ) في حواشي شرح المطالع للدواني كلام طويل في هذا المقام من جملته قوله بل الأولى في الجواب أن يقال لا نسلم أن من صرف الجميع فيما خلق لأجله في وقت من الأوقات دون وقت آخر ليس شاكرا في ذلك الوقت الذي تحقق فيه صرف الجميع بل هو شاكر في ذلك الوقت ، وإن لم يكن شاكرا في وقت آخر فإن عموم الأوقات لا يعتبر في التعريف إلخ انتهى ( قوله أي ماهيته ) راجع للمتن ( قوله وهو أبلغ ) فيه بحث لأن الجنس يستلزم الاستغراق وفي الحمل عليه سلوك طريق البرهان كما قرره السيد في توجيه ترجيح صاحب الكشاف الحمل على الجنس .

( قوله [ ص: 13 ] بصفات ذاته وأفعاله الجميلة ) وجه إدخال هذا في مضمون الجملة أن مضمونها يستلزمه لأن إثبات الثناء بالجميل له يستلزم إثبات الجميل له فليتأمل ( قوله وملكه ) عطف على اتصافه أو صفات ذاته [ ص: 14 ] قوله اقتداء بالكتاب العزيز ) توهم بعضهم أن التعليل بذلك إنما يأتي على القول بأن البسملة من القرآن وليس كذلك لابتداء القرآن بها ، وإن قلنا ليست منه ( قوله ولا ذكر محض ) أشار بالتضبيب إلى أنه معطوف [ ص: 15 ] على محرم ( قوله إشارة إلخ ) أشار بالتضبيب إلى رجوعه لقوله ثنى على كونه مفعولا لأجله مثلا ( قوله لأنها ترجع إلخ ) فيه بحث لأن رجوعها إليه لا يقتضي أنها المدلول لجواز أنها المدلول من حيث خصوصها بل ظاهر الكلام ذلك فتأمله ( قوله بعيد ) فيه بحث أشرنا إليه ( قوله مصرح به ) نعت قرآن أو خبر ( قوله لا بأصله ) [ ص: 16 ] أشار في باب الردة إلى خلاف في الاكتفاء بالأصل ( قوله قلت المقابلة إلخ ) قد يمنع وجود المقابلة ويدعى أنها إنما تكون عند نسبة ذلك المعنى للغير ( قوله وأجيب عنه ) أشار بالتضبيب إلى أن الضمير في عنه راجع لقوله واعترض أي للاعتراض المفهوم من اعترض ( قوله والمستلزم إلخ ) فيه نظر ( قوله ولإشعار العاطف ) بوجه ترك العاطف أيضا بأن في تركه يكون كل وصف منسوبا استقلالا لا على وجه التبعية ، وذلك أبلغ فليتأمل .

( قوله بالتغاير الحقيقي ) لقائل أن يقول إن أريد التغاير الحقيقي ولو باعتبار المفهوم فهو ثابت في الملك القدوس وإن أريد باعتبار الذات فهو منفي في الأول والآخر


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 24

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة