الفتاوى

مجموع فتاوى ابن تيمية

تقي الدين ابن تيمية

مجمع الملك فهد

سنة النشر: 1416هـ/1995م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: سبعة وثلاثون جزءا

الكتب » مجموع فتاوى ابن تيمية » التفسير » كتاب القرآن كلام الله حقيقة » الكيلانية » فصل اللفظية تفتري على منازعيها قولهم القرآن ليس إلا الأصوات المسموعة

مسألة: الجزء الثاني عشر
[ ص: 323 ] سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية عن قوم يقولون : كلام الناس وغيرهم قديم - سواء كان صدقا أو كذبا فحشا أو غير فحش نظما أو نثرا - ولا فرق بين كلام الله وكلامهم في القدم إلا من جهة الثواب . وقال قوم منهم - بل أكثرهم - : أصوات الحمير والكلاب كذلك ولما قرئ عليهم ما نقل عن الإمام أحمد ردا على قولهم تأولوا ذلك وقالوا : بأن أحمد إنما قال ذلك خوفا من الناس فهل هؤلاء مصيبون أو مخطئون ؟ وهل على ولي الأمر وفقه الله تعالى زجرهم عن ذلك أم لا ؟ وهل يكفرون بالإصرار على ذلك أم لا ؟ وهل الذي نقل عن أحمد حق كما زعموا أم لا فأجاب رضي الله عنه

الحاشية رقم: 4
ولما كان أحمد قد صار هو إمام السنة كان من جاء بعده ممن ينتسب إلى السنة ينتحله إماما كما ذكر ذلك الأشعري في " كتاب الإبانة " وغيره فقال إن قال قائل : قد أنكرتم قول " الجهمية " و " المعتزلة " و " الخوارج " و " الروافض " و " المرجئة " فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون .

قيل له : قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل " قائلون ولما خالفه مجانبون ; فإنه الإمام الكامل والرئيس الفاضل الذي أبان الله به الحق وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين وذكر جملا من المقالات .

[ ص: 364 ] فلهذا صار من بعده متنازعين في هذا الباب . " فالطائفة " الذين يقولون لفظنا وتلاوتنا غير مخلوقة ينتسبون إليه ويزعمون أن هذا آخر قوليه أو يطعنون فيما يناقض ذلك عنه أو يتأولون كلامه بما لم يرده .

و " الطائفة " الذين يقولون إن التلاوة مخلوقة والقرآن المنزل الذي نزل به جبريل مخلوق وإن الله لم يتكلم بحروف القرآن : يقولون : إن هذا قول أحمد وأنهم موافقوه كما فعل ذلك أبو الحسن الأشعري . فيما ذكره عن أحمد وفسر به كلامه وذكر أنه موافقه وكما ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في تنزيه أصحابه من مخالفة السنة وأئمتها كالإمام أحمد وكما فعله أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المعروف في ذلك وكما فعله أبو ذر الهروي والقاضي عبد الوهاب المالكي وكما فعله أبو بكر البيهقي في الاعتقاد في مناقب الإمام أحمد . وروي عنه أنه قال لفظي بالقرآن مخلوق وتأول ما استفاض عنه من الإنكار على من قال لفظي بالقرآن [ غير ] مخلوق على أنه أراد الجهمي المحض الذي يزعم أن القرآن الذي لم ينزل مخلوق .

وكذلك أيضا افترى بعض الناس على البخاري الإمام صاحب " الصحيح " أنه كان يقول : لفظي بالقرآن مخلوق وجعلوه من " اللفظية " حتى وقع بينه وبين أصحابه : مثل محمد بن يحيى الذهلي [ ص: 365 ] وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم بسبب ذلك وكان في القضية أهواء وظنون حتى صنف " كتاب خلق الأفعال " وذكر فيه ما رواه عن أبي قدامة عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون : أفعال العباد مخلوقة . وذكر فيه ما يوافق ما ذكره في آخر كتابه " الصحيح " من أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله يتكلم بصوت وينادي بصوت . وساق في ذلك من الأحاديث الصحيحة والآثار ما ليس هذا موضع بسطه وبين الفرق بين الصوت الذي ينادي الله به وبين الصوت الذي يسمع من العباد وأن الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من القارئ وبين دلائل ذلك وأن أفعال العباد وأصواتهم مخلوقة والله تعالى بفعله وكلامه غير مخلوق .

وقال في قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } إن حدثه ليس كحدث المخلوقين . وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة } وذكر عن علماء السلف : أن خلق الرب للعالم ليس هو المخلوق ; بل فعله القائم به غير مخلوق وذكر عن نعيم بن حماد الخزاعي : أن الفعل من لوازم الحياة وأن الحي لا يكون إلا فعالا . إلى غير ذلك من المعاني التي تدل على علمه وعلم السلف بالحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول .

[ ص: 366 ] وذكر أن كل واحدة من طائفتي " اللفظية المثبتة والنافية " تنتحل أبا عبد الله وأن أحمد بن حنبل كثير مما ينقل عنه كذب وأنهم لم يفهموا بعض كلامه لدقته وغموضه وأن الذي قاله وقاله الإمام أحمد هو قول الأئمة والعلماء وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة .

ورأيت بخط القاضي أبي يعلى - رحمه الله - على ظهر " كتاب العدة " بخطه قال : نقلت من آخر " كتاب الرسالة " للبخاري في أن القراءة غير المقروء . وقال : وقع عندي عن أحمد بن حنبل على اثنين وعشرين وجها كلها يخالف بعضها بعضا والصحيح عندي أنه قال ما سمعت عالما يقول : لفظي بالقرآن غير مخلوق قال وافترق أصحاب أحمد بن حنبل على نحو من خمسين . قال أبو عبد الله البخاري قال ابن حنبل " اللفظي " الذي يقول : القرآن بألفاظنا مخلوق .

وكان " أيضا " قد نبغ في أواخر عصر أبي عبد الله من الكلابية ونحوهم - أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري : الذي صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهو من متكلمة الصفاتية وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل الحديث والسنة ; لكن فيها نوع من البدعة ; لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته ; ولكن له في الرد على الجهمية - نفاة الصفات والعلو - من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين به فضله [ ص: 367 ] في هذا الباب وإفساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من الأدلة والخطاب وصار ما ذكره معونة ونصيرا وتخليصا من شبههم لكثير من أولي الألباب حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها ; وإن كانوا قد شركوهم في بعض أصولهم الفاسدة : التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول .

وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي ثم أبو الحسن الأشعري وأبو الحسن بن مهدي الطبري وأبو العباس الضبعي وأبو سليمان الدمشقي وأبو حاتم البستي وغير هؤلاء : المثبتين للصفات المنتسبين إلى السنة والحديث المتلقبين بنظار أهل الحديث .

وسلك طريقة ابن كلاب - في الفرق بين " الصفات اللازمة " كالحياة و " الصفات الاختيارية " وأن الرب يقوم به الأول دون الثاني - كثير من المتأخرين : من أصحاب مالك والشافعي وأحمد : كالتميميين أبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل التميمي وابن ابنه رزق الله التميمي وعلى عقيدة الفضل التي ذكر أنها عقيدة أحمد اعتمد أبو بكر البيهقي فيما ذكره من مناقب أحمد من الاعتقاد .

وكذلك سلك طريقة ابن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم وأتباعه [ ص: 368 ] " السالمية " والقاضي أبو يعلى وأتباعه : كابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وهي طريقة أبي المعالي الجويني وأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم ; لكنهم افترقوا في القرآن وفي بعض المسائل على قولين - بعد اشتراكهم في الفرق الذي قرره ابن كلاب - كما قد بسط كلام هؤلاء في مواضع أخر .

والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون عن أصحابه وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية .

ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول : إن الله لم يتكلم بصوت فأنكر أحمد ذلك وجهم من يقوله وقال : هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل وروى الآثار في أن الله يتكلم بصوت وكذلك أنكر على من يقول إن الحروف مخلوقة قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في " كتاب السنة " : قلت لأبي : إن ههنا من يقول إن الله لا يتكلم بصوت فقال : يا بني هؤلاء جهمية زنادقة إنما يدورون على التعطيل وذكر الآثار في خلاف قولهم .

[ ص: 369 ] وكذلك البخاري صاحب " الصحيح " وسائر الأئمة أنكروا ذلك أيضا وروى البخاري في آخر " الصحيح " وفي " كتاب خلق الأفعال " ما جاء في ذلك من الآثار وبين الفرق بين صوت الله الذي يتكلم به وبين أصوات العباد بالقرآن موافقة منه للإمام أحمد وغيره من الأئمة حيث بين أن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الآثار وأن ذلك ليس صوت العبد بالقراءة ; بل ذلك هو صوت العبد كما قد نص على ذلك كله في مواضع وعامة أئمة السنة والحديث على هذا الإثبات والتفريق : لا يوافقون قول من يزعم أن الكلام ليس فيه حرف ولا صوت ولا يوافقون قول من يزعم أن الصوت المسموع من القراء وألفاظهم قديمة ولا يقولون : إن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات .

وقد كتبت كلام " الإمام أحمد " ونصوصه وكلام الأئمة قبله وبعده في غير هذا الموضع ; فإن جواب هذه " المسألة " لا يحتمل البسط الكثير ; ولم يكن في كلام الإمام أحمد ولا الأئمة أن الصوت الذي تكلم الله به قديم ; بل يقولون لم يزل الله متكلما وقد يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء بما شاء كما يقول ذلك الإمام أحمد وابن المبارك وغيرهما .


الحـــواشي 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12  13  14  15  16  17  18  19  20  21  22  23  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة