شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الثامن والعشرون أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد

مسألة: الجزء الثاني
[ ص: 109 ] الحديث الثامن والعشرون .

عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ، وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع ، فأوصنا ، قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح .

الحاشية رقم: 3
وقوله صلى الله عليه وسلم : وإن تأمر عليكم عبد وفي رواية حبشي هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو مما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده ، [ ص: 119 ] وولاية العبيد عليهم ، وفي " صحيح البخاري " عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشي ، كأن رأسه زبيبة .

وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر رضي الله عنه قال : إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع ، ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا .

ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ، وقوله : الناس تبع لقريش ، وقوله : الأئمة من قريش ، لأن ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي ، ويشهد لذلك ما خرجه الحاكم من حديث علي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها ، وفجارها أمراء فجارها ، ولكل حق ، فآتوا كل ذي حق حقه ، وإن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وإسناده جيد ولكنه [ ص: 120 ] روي عن علي موقوفا ، وقال الدارقطني : هو أشبه .

وقد قيل : إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه ، كما قال : من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة .

وقوله صلى الله عليه وسلم : فمن يعش منكم بعدي ، فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ . هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه ، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات ، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة ، وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة ، وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه ، وكذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده ، والسنة : هي الطريقة المسلوكة ، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال ، وهذه هي السنة الكاملة ، ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله ، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض .

وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات ، لأنها أصل الدين ، والمخالف فيها على خطر عظيم ، وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر في طاعة [ ص: 121 ] الله ، كما صح عنه أنه قال : إنما الطاعة في المعروف .

وفي " المسند " عن أنس أن معاذ بن جبل قال : يا رسول الله ، أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ، ولا يأخذون بأمرك ، فما تأمر في أمرهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل .

وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة ويعملون بالبدعة ، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فقلت : يا رسول الله إن أدركتهم ، كيف أفعل ؟ قال : لا طاعة لمن عصى الله .

وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ، وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة ، كاتباع سنته ، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور .

وفي " مسند الإمام أحمد " و " جامع الترمذي " عن حذيفة قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوسا ، فقال : إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم ، فاقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - وتمسكوا بعهد عمار ، وما حدثكم ابن [ ص: 122 ] مسعود فصدقوه وفي رواية : تمسكوا بعهد ابن أم عبد ، واهتدوا بهدي عمار فنص صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يقتدى به من بعده ، والخلفاء الراشدون الذين أمر بالاقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، فإن في حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا ، وقد صححه الإمام أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة .

ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضا ، ويدل عليه ما خرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضا ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت . فلما ولي عمر بن عبد العزيز ، دخل عليه رجل ، فحدثه بهذا الحديث ، فسر به ، وأعجبه .

وكان محمد بن سيرين أحيانا يسأل عن شيء من الأشربة ، فيقول : نهى [ ص: 123 ] عنه إمام هدى : عمر بن عبد العزيز .

وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة : هل هو إجماع ، أو حجة ، مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا ؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد ، وحكم أبو خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام ، ولم يعتد بمن خالف الخلفاء ، ونفذ حكمه في ذلك في الآفاق .

ولو قال بعض الخلفاء الأربعة قولا ، ولم يخالفه منهم أحد ، بل خالفه غيره من الصحابة ، فهل يقدم قوله على قول غيره ؟ فيه قولان أيضا للعلماء ، والمنصوص عن أحمد أنه يقدم قوله على قول غيره من الصحابة ، وكذا ذكره الخطابي وغيره ، وكلام أكثر السلف يدل على ذلك ، خصوصا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه ، ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه .

وقال مالك : قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا ، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله ، وقوة على دين الله ، وليس لأحد تبديلها ، ولا تغييرها ، ولا النظر في أمر خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، ومن استنصر بها فهو منصور ، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ، ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم ، وساءت مصيرا . وحكى عبد الله بن عبد الحكم عن [ ص: 124 ] مالك أنه قال : أعجبني عزم عمر على ذلك ، يعني هذا الكلام . وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك ، ولم يحكه عن عمر .

وقال خلف بن خليفة : شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة ، فقال في خطبته : ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ، فهو وظيفة دين ، نأخذ به وننتهي إليه .

وروى أبو نعيم من حديث عرزب الكندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنه سيحدث بعدي أشياء ، فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر .

وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه ، ويقول : إن عمر كان رشيد الأمر .

وروى أشعث عن الشعبي ، قال : إذا اختلف الناس في شيء ، فانظر كيف قضى فيه عمر ، فإنه لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور .

وقال مجاهد : إذا اختلف الناس في شيء ، فانظروا ما صنع عمر ، فخذوا به . وقال أيوب عن الشعبي : انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد ، فإن الله لم يكن ليجمعها على ضلالة ، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب فخذوا به .

وسئل عكرمة عن أم الولد ، فقال تعتق بموت سيدها ، فقيل له : بأي شيء تقول ؟ قال : بالقرآن ، قال : بأي القرآن ؟ قال : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [ النساء : 59 ] ، وعمر من أولي الأمر [ ص: 125 ] وقال وكيع : إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر .

وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله : إن الصراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة .

وبكل حال ، فما جمع عمر عليه الصحابة ، فاجتمعوا عليه في عصره ، فلا شك أنه الحق ، ولو خالف فيه بعد ذلك من خالف ، كقضائه في مسائل من الفرائض كالعول ، وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي ، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي ، ومثل ما قضى به في امرأة المفقود ، ووافقه غيره من الخلفاء أيضا ، ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث ، وفي تحريم متعة النساء ، ومثل ما فعله من وضع الديوان ، ووضع الخراج على أرض العنوة ، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك .

ويشهد لصحة ما جمع عليه عمر الصحابة ، فاجتمعوا عليه ، ولم يخالف في وقته قول النبي صلى الله عليه وسلم : رأيتني في المنام أنزع على قليب ، فجاء أبو بكر ، فنزع ذنوبا أو ذنوبين ، وفي نزعه ضعف ، والله يغفر له ، ثم جاء عمر بن الخطاب ، فاستحالت غربا ، فلم أر أحدا يفري فريه حتى روي الناس ، وضربوا بعطن وفي رواية : فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب وفي رواية : حتى تولى والحوض يتفجر .

[ ص: 126 ] وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور مواضعها ، واستقامت الأمور ، وذلك لطول مدته ، وتفرغه للحوادث ، واهتمامه بها ، بخلاف مدة أبي بكر فإنها كانت قصيرة ، وكان مشغولا فيها بالفتوح ، وبعث البعوث للقتال ، فلم يتفرغ لكثير من الحوادث ، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه ، ولا يرفع إليه ، حتى رفعت تلك الحوادث إلى عمر ، فرد الناس فيها إلى الحق وحملهم على الصواب .

وأما ما لم يجمع عمر الناس عليه ، بل كان له فيه رأي ، وهو يسوغ لغيره أن يرى رأيا يخالف رأيه ، كمسائل الجد مع الإخوة ، ومسألة طلاق البتة ، فلا يكون قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة والله أعلم .

وإنما وصف الخلفاء بالراشدين ، لأنهم عرفوا الحق ، وقضوا به ، فالراشد ضد الغاوي ، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه .

وفي رواية : " المهديين " يعني : أن الله يهديهم للحق ، ولا يضلهم عنه ، فالأقسام ثلاثة : راشد وغاو وضال ، فالراشد عرف الحق واتبعه ، والغاوي : عرفه ولم يتبعه ، والضال : لم يعرفه بالكلية ، فكل راشد فهو مهتد ، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد ، لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا .


الحـــواشي 1  2  3  4  
السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة