شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 59 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحديث الأول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه . رواه البخاري ومسلم .
الحاشية رقم: 3
واعلم أن العمل لغير الله أقسام : فتارة يكون رياء محضا ، بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغرض دنيوي ، كحال المنافقين في صلاتهم ، كما قال الله عز وجل : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ( النساء : 142 ) . وقال تعالى : فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ( الماعون : 4 - 6 ) . وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله : ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ( الأنفال : 47 ) . وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام ، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج ، وغيرهما من الأعمال الظاهرة ، أو التي يتعدى نفعها ، فإن الإخلاص فيها عزيز ، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة . وتارة يكون العمل لله ، ويشاركه الرياء ، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا . وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ، تركته وشريكه وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : فأنا منه بريء ، وهو للذي أشرك . [ ص: 80 ] وخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس ، ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى يرائي ، فقد أشرك ومن صام يرائي ، فقد أشرك ، ومن تصدق يرائي ، فقد أشرك ، وإن الله عز وجل يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا ، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة - وكان من الصحابة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ، نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل ، فليطلب ثوابه من عند غير الله عز وجل ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك . وخرج البزار في " مسنده " من حديث الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله عز وجل يقول : أنا خير شريك ، فمن أشرك معي شريكا ، فهو لشريكه . يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل ، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له ، ولا تقولوا : هذا لله وللرحم ، فإنها للرحم ، وليس لله منها شيء ، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم ، فإنها لوجوهكم ، وليس لله فيها شيء [ ص: 81 ] وخرج النسائي بإسناد جيد ، عن أبي أمامة الباهلي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له فأعادها ثلاث مرات ، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له ثم قال إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ، وابتغي به وجهه . وخرج الحاكم من حديث ابن عباس : قال رجل : يا رسول الله ، إنى أقف الموقف أريد وجه الله ، وأريد أن يرى موطني ، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( الكهف : 110 ) . وممن روي عنه هذا المعنى ، وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا : طائفة من السلف ، منهم عبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، والحسن ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم . وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من رياء . ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا ، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين . فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء ، مثل أخذه أجرة للخدمة ، أو أخذ [ ص: 82 ] شيء من الغنيمة ، أو التجارة ، نقص بذلك أجر جهادهم ، ولم يبطل بالكلية ، وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو ، ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الغزاة إذا غنموا غنيمة ، تعجلوا ثلثي أجرهم ، فإن لم يغنموا شيئا ، تم لهم أجرهم . وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له ، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا . وقال الإمام أحمد : التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم ، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره . وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد : إذا لم يخرج لأجل الدراهم ، فلا بأس أن يأخذ ، كأنه خرج لدينه ، فإن أعطي شيئا ، أخذه . وكذا روي ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : إذا أجمع أحدكم على الغزو ، فعوضه الله رزقا ، فلا بأس بذلك ، وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا ، وإن منع درهما مكث ، فلا خير في ذلك . وكذا قال الأوزاعي : إذا كانت نية الغازي على الغزو ، فلا أرى بأسا . وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به : إما عن نفسه ، أو عن غيره ، وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الجمال وحج الأجير وحج التاجر : هو تمام لا ينقص من أجورهم شيء ، وهو محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب . وأما إن كان أصل العمل لله ، ثم طرأت عليه نية الرياء ، فإن كان خاطرا [ ص: 83 ] ودفعه ، فلا يضره بغير خلاف ، وإن استرسل معه ، فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته ؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري ، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك ، وأنه يجازى بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره . ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في " مراسيله " عن عطاء الخراساني أن رجلا قال : يا رسول الله ، إن بني سلمة كلهم يقاتل ، فمنهم من يقاتل للدنيا ، ومنهم من يقاتل نجدة ، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله ، فأيهم الشهيد ؟ قال : كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله ، كالصلاة والصيام والحج ، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم ، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ، ويحتاج إلى تجديد نية . وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال : ربما أحدث بحديث ولي نية ، فإذا أتيت على بعضه ، تغيرت نيتي ، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات . ولا يرد على هذا الجهاد ، كما في مرسل عطاء الخراساني ، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ، ولا يجوز تركه حينئذ ، فيصير كالحج . فأما إذا عمل العمل لله خالصا ، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك ، ففرح بفضل الله ورحمته ، واستبشر بذلك ، لم يضره ذلك . [ ص: 84 ] وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه ، فقال : تلك عاجل بشرى المؤمن خرجه مسلم ، وخرجه ابن ماجه ، وعنده : الرجل يعمل العمل لله فيحبه الناس عليه . وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، وابن جرير الطبري وغيرهم . وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل ، فيسره ، فإذا اطلع عليه ، أعجبه ، فقال : له أجران : أجر السر ، وأجر العلانية . ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء ، فإن فيه كفاية . وبالجملة ، فما أحسن قول سهل بن عبد الله التستري : ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص ، لأنه ليس لها فيه نصيب . وقال يوسف بن الحسين الرازي : أعز شيء في الدنيا الإخلاص ، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، وكأنه ينبت فيه على لون آخر . وقال ابن عيينة : كان من دعاء مطرف بن عبد الله : اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ، ثم عدت فيه ، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ، ثم لم أف لك به ، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك ، فخالط قلبي منه ما قد علمت .


الحـــواشي 1  2  3  4  5  6  
السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة