التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثاني عشر
[ ص: 160 ] أحمد بن صالح ( خ ، د )

الإمام الكبير ، حافظ زمانه بالديار المصرية أبو جعفر المصري ، المعروف بابن الطبري . كان أبوه جنديا من آمل طبرستان .

وكان أبو جعفر رأسا في هذا الشأن ، قل أن ترى العيون مثله ، مع الثقة والبراعة .

ولد بمصر سنة سبعين ومائة ضبطه ابن يونس . حدث عن : ابن وهب فأكثر ، وعن سفيان بن عيينة ، ارتحل إليه ، وحج ، وسار إلى اليمن ، فأكثر عن عبد الرزاق . وروى أيضا عن : ابن أبي فديك ، وعنبسة بن خالد الأيلي ، وحرمي بن عمارة ، وأسد بن موسى ، وعبد الملك بن عبد الرحمن الذماري ، ويحيى بن حسان ، ويحيى بن محمد الجاري ، وأبي نعيم ، وعفان ، وسلامة بن روح ، وخلق سواهم .

حدث عنه : البخاري ، وأبو داود ، وأبو زرعة الرازي ، ومحمد بن يحيى ، وموسى بن سهل الرملي ، ومحمد بن المثنى الزمن ، وهو أكبر [ ص: 161 ] منه ، ومحمود بن غيلان ، وهو من طبقته ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، ومات قبله بزمان ، وأبو إسماعيل الترمذي ، وأبو الأحوص محمد بن الهيثم ، ويعقوب الفسوي ، وإسماعيل سمويه ، وصالح بن محمد جزرة ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وأبو زرعة الدمشقي ، وعلي بن الحسين بن الجنيد ، وعبيد بن رجال ، وأحمد بن محمد بن نافع الطحان ، وخلق كثير ، آخرهم وفاة أبو بكر بن أبي داود ، وقد سمع منه النسائي ، ولم يحدث عنه ، وقع بينهما ، وآذاه أحمد بن صالح ، فآذى النسائي نفسه بوقوعه في أحمد .

روى علي بن عبد الرحمن بن المغيرة ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ، سمعت أبا نعيم يقول : ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى ، يريد أحمد بن صالح .

وقال الحافظ ابن عدي : سمعت أحمد بن عاصم الأقرع بمصر ، سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول : قدمت العراق ، فسألني أحمد بن حنبل : من خلفت بمصر ؟ قلت : أحمد بن صالح ، فسر بذكره ، وذكر خيرا ، ودعا الله له .

محمد بن حمدون بن خالد النيسابوري : سمعت أبا الحسن علي بن محمود الهروي يقول : قلت لأحمد بن حنبل : من أعرف الناس بأحاديث [ ص: 162 ] ابن شهاب ؟ قال : أحمد بن صالح ، ومحمد بن يحيى النيسابوري .

وقال عبد الله بن إسحاق النهاوندي الحافظ : سمعت يعقوب بن سفيان يقول : كتبت عن ألف شيخ وكسر ، كلهم ثقات ، ما أحد أتخذه عند الله حجة ، إلا رجلين : أحمد بن صالح بمصر ، وأحمد بن حنبل بالعراق .

قلت : في صحة هذا نظر ، فإن يعقوب ما كتب عن ألف شيخ ولا شطر ذلك . وهذه مشيخته موجودة في مجلد لطيف ، وشتان ما بين الأحمدين في سعة الرحلة ، وكثرة المشايخ ، والجلالة والفضل .

قال البخاري : أحمد بن صالح ثقة صدوق ، ما رأيت أحدا يتكلم فيه بحجة ، وكان أحمد بن حنبل وعلي وابن نمير وغيرهم يثنون على أحمد بن صالح . كان علي يقول : سلوا أحمد ، فإنه أثبت .

خلف الخيام : سمعت صالح بن محمد ، يقول : قال أحمد بن صالح : كان عند ابن وهب مائة ألف حديث ، كتبت عنه خمسين ألفا .

قال صالح : ولم يكن بمصر أحد يحسن الحديث ، ولا يحفظ غير أحمد بن صالح ، كان يعقل الحديث ، ويحسن أن يأخذ ، وكان رجلا [ ص: 163 ] جامعا ، يعرف الفقه والحديث والنحو ، ويتكلم -يعني : يعرف ويذاكر- في حديث الثوري وشعبة وأهل العراق ، أي يذاكر بذلك . قال : وكان قدم العراق ، وكتب عن عفان وهؤلاء . وكان يذاكر بحديث الزهري ، ويحفظه .

وقال أحمد بن صالح : كتبت عن ابن زبالة ، يعني : محمد بن الحسن بن زبالة مائة ألف حديث ثم تبين لي أنه كان يضع الحديث ، فتركت حديثه . وكان أحمد بن صالح يثني على أبي الطاهر بن السرح ، ويقع في حرملة ويونس بن عبد الأعلى .

قال ابن عدي : سمعت محمد بن موسى الحضرمي -هو أخو أبي عجيبة - يقول : سمعت بعض مشايخنا يقول : قال أحمد بن صالح : صنف ابن وهب مائة ألف وعشرين ألف حديث ، فعند بعض الناس منها الكل -يعني : حرملة - وعند بعض الناس منها النصف ، يريد نفسه .

قال علي بن الجنيد الحافظ : سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول : أخبرنا أحمد بن صالح ، وإذا جاوزت الفرات ، فليس أحد مثله . [ ص: 164 ]

وقال الحافظ ابن عقدة : حدثني عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة ، سمعت ابن نمير ، وذكر أحمد بن صالح ، فقال : هو واحد الناس في علم الحجاز والمغرب ، فهم ، وجعل يعظمه . وأخبرنا عنه بغير شيء .

أحمد بن سلمة النيسابوري ، عن ابن وارة ، قال : أحمد بن حنبل ببغداد ، وابن نمير بالكوفة ، والنفيلي بحران ، هؤلاء أركان الدين .

قال أحمد العجلي : أحمد بن صالح مصري ثقة ، صاحب سنة .

وقال أبو حاتم : ثقة . كتبت عنه بمصر وبدمشق وأنطاكية .

قال أبو زرعة الدمشقي : ذاكرت أحمد بن صالح مقدمه دمشق سنة سبع عشرة ومائتين .

وقال أبو عبيد الآجري : سمعت أبا داود يقول : كتب أحمد بن صالح عن سلامة بن روح ، وكان لا يحدث عنه ، وكتب عن ابن زبالة بخمسين ألف حديث ، وكان لا يحدث عنه ، وحدث أحمد بن صالح قبل أن يبلغ الأربعين ، وكتب عباس العنبري عن رجل عنه ، وقال : كان أحمد بن صالح يقوم كل لحن في الحديث .

وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن سهل الغزال : أحمد بن [ ص: 165 ] صالح طبري الأصل ، كان من حفاظ الحديث ، واعيا ، رأسا في علم الحديث وعلله ، وكان يصلي بالشافعي . ولم يكن في أصحاب ابن وهب أحد أعلم بالآثار منه .

قال أبو سعيد بن يونس : كان أبوه من طبرستان جنديا من العجم ، وكان أحمد حافظا للحديث . ذكره النسائي يوما ، فرماه ، وأساء الثناء عليه ، وقال : حدثنا معاوية بن صالح ، سمعت يحيى بن معين يقول : أحمد بن صالح كذاب يتفلسف . ثم قال ابن يونس : لم يكن عندنا بحمد الله كما قال النسائي ، ولم يكن له آفة غير الكبر .

وقال أبو أحمد بن عدي : سمعت عبدان الأهوازي يقول : سمعت أبا داود السجستاني يقول : أحمد بن صالح ليس هو كما يتوهمون ، يعني . ليس بذاك في الجلالة . ثم قال ابن عدي : وسمعت القاسم بن عبد الله بن مهدي يقول : كان أحمد بن صالح يستعير مني كل جمعة الحمار ، ويركبه إلى صلاة الجمعة . وكنت جالسا عند حرملة في الجامع ، فجاز أحمد بن صالح على باب الجامع ، فنظر إلينا وإلى حرملة ، ولم يسلم ، فقال حرملة : انظروا إلى هذا ، بالأمس يحمل دواتي ، واليوم يمر بي فلا يسلم .

وقال أيضا : سمعت محمد بن سعد السعدي يقول : سمعت أبا عبد الرحمن النسائي ، سمعت معاوية بن صالح قال : سألت يحيى عن أحمد بن [ ص: 166 ] صالح ، فقال : رأيته كذابا يخطر في جامع مصر .

وقال عبد الكريم بن النسائي عن أبيه : أحمد بن صالح ليس بثقة ولا مأمون ، تركه محمد بن يحيى ، ورماه يحيى بن معين بالكذب .

قال ابن عدي : كان النسائي سيئ الرأي فيه ، وينكر عليه أحاديث منها ، عن ابن وهب ، عن مالك ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : الدين النصيحة .

ثم قال ابن عدي : أحمد بن صالح من حفاظ الحديث ، وخاصة لحديث الحجاز ، ومن المشهورين بمعرفته . وحدث عنه البخاري مع شدة استقصائه ، ومحمد بن يحيى ، واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز ، وعلى معرفته . وحدث عنه من حدث من الثقات ، واعتمدوه حفظا وإتقانا . وكلام ابن معين فيه تحامل . وأما سوء ثناء النسائي عليه ، فسمعت محمد بن هارون بن حسان البرقي يقول : هذا الخراساني يتكلم في أحمد بن صالح . وحضرت مجلس أحمد بن صالح ، وطرده من مجلسه ، فحمله ذلك على أن [ ص: 167 ] تكلم فيه . قال : وهذا أحمد بن حنبل قد أثنى عليه ، فالقول ما قاله أحمد لا ما قاله غيره . وحديث : " الدين النصيحة " الذي أنكره النسائي قد رواه يونس بن عبد الأعلى أيضا ، عن ابن وهب ، وقد رواه عن مالك محمد بن خالد بن عثمة . قال : وأحمد بن صالح من أجلة الناس ، وذاك أني رأيت جمع أبي موسى الزمن في عامة ما جمع من حديث الزهري ، يقول : كتب إلي أحمد بن صالح : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري . ولولا أني شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تكلم فيه متكلم لكنت أجل أحمد بن صالح أن أذكره .

قال أبو عمرو الداني ، عن مسلمة بن القاسم : الناس مجمعون على ثقة أحمد بن صالح ، لعلمه وخيره وفضله ، وإن أحمد بن حنبل وغيره كتبوا عنه ووثقوه . وكان سبب تضعيف النسائي له ، أن أحمد بن صالح كان لا [ ص: 168 ] يحدث أحدا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة . فكان يحدثه ، ويبذل له علمه ، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قدامة . فأتى النسائي ليسمع منه ، فدخل بلا إذن ، ولم يأته برجلين يشهدان له بالعدالة ، فلما رآه في مجلسه أنكره ، وأمر بإخراجه ، فضعفه النسائي لهذا .

وقال الخطيب : احتج سائر الأئمة بحديث ابن صالح سوى النسائي ، فإنه ترك الرواية عنه ، وكان يطلق لسانه فيه . وليس الأمر على ما ذكر النسائي . ويقال : كان فيه الكبر ، وشراسة الخلق ، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه ، فذلك الذي أفسد الحال بينهما . وقد ذكر ابن حبان أحمد بن صالح في الثقات . وما أورده في الضعفاء ، فأحسن ، ولكن ذكر في الضعفاء أحمد بن صالح المكي الشمومي وكذبه ، وادعى أنه هو الذي حط عليه ابن معين . وقصد أن ينزه ابن معين عن الوقيعة في مثل أحمد بن صالح الطبري الحافظ .

قال عبد الله بن محمد بن سيار : أخبرنا بندار قال : كتبت إلى أحمد بن صالح بخمسين ألف حديث ، أي إجازة ، وسألته أن يجيز لي ، أو يكتب إلي بحديث مخرمة بن بكير ، فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذلك إلي .

قال الخطيب : بلغني أن أحمد بن صالح كان لا يحدث إلا ذا لحية ، ولا يترك أمرد يحضر مجلسه . فلما حمل أبو داود السجستاني إليه ابنه ، [ ص: 169 ] ليسمع منه -وكان إذا ذاك أمرد أنكر أحمد بن صالح على أبي داود إحضاره . فقال له أبو داود : هو -وإن كان أمرد- أحفظ من أصحاب اللحى ، فامتحنه ، بما أردت . فسأله عن أشياء أجابه ابن أبي داود عن جميعها ، فحدثه حينئذ ولم يحدث أمرد غيره .

قال : وكان أحد حفاظ الأثر ، عالما بعلل الحديث ، بصيرا باختلافه ، ورد بغداد قديما ، وجالس بها الحفاظ ، وجرت بينه وبين أحمد بن حنبل مذاكرات . وكان أبو عبد الله يذكره ، ويثني عليه . وقيل : إن كلا منهما كتب عن صاحبه في المذاكرة حديثا ، ثم رجع ابن صالح إلى مصر ، وانتشر عند أهلها ، علمه ، وحدث عنه الأئمة .

أنبأنا أبو الغنائم بن علان ، أخبرنا أبو اليمن الكندي ، أخبرنا أبو منصور القزاز ، أخبرنا أبو بكر الحافظ ، أخبرني أحمد بن سليمان بن علي المقرئ ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الخليل ، أخبرنا أبو أحمد بن عدي ، سمعت عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، سمعت أبا بكر بن زنجويه ، يقول : قدمت مصر ، فأتيت أحمد بن صالح ، فسألني : من أين أنت ؟ .

قلت : من بغداد . قال : أين منزلك من منزل أحمد بن حنبل ؟ فقلت : أنا من أصحابه . قال : تكتب لي موضع منزلك ؟ فإني أريد أوافي العراق ، حتى تجمع بيننا . فكتبت له ، فوافى أحمد بن صالح سنة اثنتي عشرة ومائتين إلى عفان ، فسأل عني ، فلقيني ، فقال : الموعد الذي بيني وبينك ؟ فذهبت به إلى أحمد بن حنبل ، واستأذنت له ، فقلت : أحمد بن صالح بالباب فأذن له ، فقام إليه ، ورحب به وقربه . ثم قال له : بلغني أنك جمعت [ ص: 170 ] حديث الزهري ، فتعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . فجعلا يتذاكران ، ولا يغرب أحدهما على الآخر ، حتى فرغا ، فما رأيت أحسن من مذاكرتهما . ثم قال أحمد بن حنبل : تعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أولاد الصحابة . فجعلا يتذاكران ، ولا يغرب أحدهما على الآخر إلى أن قال لأحمد بن صالح : عند الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عوف : قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ما يسرني أن لي حمر النعم ، وأن لي حلف المطيبين فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل : أنت الأستاذ ، وتذكر مثل هذا ؟! فجعل أحمد يتبسم ، ويقول : رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح عبد الرحمن بن إسحاق . فقال : من رواه عن عبد الرحمن ؟ فقال : حدثناه ثقتان : إسماعيل ابن علية ، وبشر بن المفضل ، فقال أحمد بن صالح : سألتك بالله إلا أمليته علي ، فقال أحمد : من الكتاب . فقام ودخل ، فأخرج الكتاب ، وأملى عليه ، فقال أحمد بن صالح : لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث لكان كثيرا ، ثم ودعه وخرج .

وهذا الحديث في " مسند " الإمام أحمد عنهما . ولفظه قال -صلى الله عليه وسلم- : " شهدت غلاما مع عمومتي حلف المطيبين ، فما أحب أن لي حمر النعم . وإني أنكثه " فهذا لفظ إسماعيل . ثم رواه ثانيا ، فقال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : شهدت حلف المطيبين مع عمومتي ، وأنا [ ص: 171 ] غلام ، فما أحب أن لي حمر النعم ، وإني أنكثه .

قلت : أنبأنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه ، أخبرنا حنبل ، أخبرنا ابن الحصين ، أخبرنا ابن المذهب ، أخبرنا القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي بهما .

وقد قال البخاري في التوحيد من " صحيحه " حدثنا محمد ، [ ص: 172 ] حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو ، عن ابن أبي هلال ، أن أبا الرجال حدثه عن أمه عمرة -وكانت في حجر عائشة - عن عائشة : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب قل هو الله أحد فلما رجعوا ، ذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، وأنا أحب أن أقرأ بها . فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : أخبروه أن الله يحبه .

فمحمد هو ابن يحيى الذهلي ، قال ذلك أبو علي الغساني في كتاب " تقييد المهمل " وأنا إلى هذا أميل ، إن كانت النسخ متفقة على ذلك . فإنني أخاف أن يكون محمد هو البخاري ; فإن كثيرا من النسخ في أول كل حديث منها اسم المؤلف ، وفي بعضها : محمد الفربري أخبرنا محمد ، فيحرر هذا .

قال أبو زرعة النصري حدثني أحمد بن صالح ، قال : حدثت [ ص: 173 ] أحمد بن حنبل بحديث زيد بن ثابت في بيع الثمار ، فأعجبه ، واستزادني مثله . فقلت : ومن أين مثله ؟ ! .

قال صالح بن محمد جزرة الحافظ : حضرت مجلس أحمد بن صالح ، فقال : حرج على كل مبتدع وماجن أن يحضر مجلسي ، فقلت : أما الماجن فأنا هو : وذاك أنه قيل له : صالح الماجن قد حضر مجلسك .

الحاكم : حدثنا أبو حامد السياري ، حدثنا أبو بكر محمد بن داود الرازي : سمعت أبا زرعة الرازي ، يقول : ارتحلت إلى أحمد بن صالح ، فدخلت فتذاكرانا إلى أن ضاق الوقت ، ثم أخرجت من كمي أطرافا فيها أحاديث ، فسألته عنها . فقال لي : تعود . فعدت من الغد مع أصحاب الحديث ، فأخرجت الأطراف ، وسألته فقال : تعود . فقلت : أليس قلت لي بالأمس ما عندك ما يكتب ، أورد علي مسندا أو مرسلا أو حرفا مما أستفيد ، فإن لم أورد ذلك عمن هو أوثق منك ، فلست بأبي زرعة ، ثم قمت ، وقلت لأصحابنا : من ها هنا ممن نكتب عنه ؟ قالوا : يحيى بن بكير . فذهبت إليه .

قال ابن عدي : كان أحمد بن صالح قد سمع في كتب حرملة ، فمنعه حرملة من الكتب ، ولم يدفع إليه إلا نصف الكتب . فكان أحمد بن صالح بعد ، كل من سمع من حرملة ، وبدأ به إذا وافى مصر ، لم يحدثه أحمد وقال ابن عدي : سمعت عبد الله بن محمد بن سلم المقدسي يقول : قدمت مصر ، فبدأت بحرملة ، فكتبت عنه كتاب عمرو بن الحارث ، ويونس بن يزيد والفوائد ، ثم ذهبت إلى أحمد بن صالح فلم يحدثني ، فحملت كتاب يونس ، فخرقته بين يديه ، أرضيه بذلك وليتني لم أخرقه - فلم [ ص: 174 ] يرض ، ولم يحدثني .

قلت : نعوذ بالله من هذه الأخلاق . صدق أبو سعيد بن يونس حيث يقول : لم يكن له آفة غير الكبر ، فلو قدح في عدالته بذلك ، فإنه إثم كبير .

أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد ، أخبرنا المبارك بن أبي الجود ، أخبرنا أحمد بن أبي غالب الزاهد ، أخبرنا عبد العزيز بن علي ، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخلص ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان ، حدثنا أبو جعفر أحمد بن صالح المصري ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني أسمع منك حديثا كثيرا ، فأنساه . قال : ابسط رداءك ، فبسطته ، فغرف بيده ، ثم قال : ضمه فضممته ، فما نسيت حديثا بعد .

رواه البخاري ، عن الثقة ، عن ابن أبي فديك .

وبه : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن أبي فديك قال : أخبرني ابن أبي ذئب ، عن شرحبيل ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : لأن يتصدق الرجل في حياته بدرهم خير من أن يتصدق بمائة دينار عند موته .

أخرجه أبو داود عن أحمد ، فوافقناه بعلو . [ ص: 175 ] فأما حديث بيع الثمار ، فأنبأناه علي بن أحمد ، أخبرنا عمر بن محمد ، أخبرنا أبو غالب بن البناء ، أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة ، أخبرنا أبو طاهر المخلص ، حدثنا عبد الله بن أبي داود ، حدثنا أحمد ، حدثنا عنبسة ، حدثنا يونس بن يزيد ، قال : سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه ، وما يذكر في ذلك ، فقال : كان عروة بن الزبير ، يحدث عن سهل بن أبي حثمة ، عن زيد بن ثابت ، قال : كان الناس يتبايعون الثمار ، فإذا جد الناس ، وحضر تقاضيهم ، قال المبتاع : إنه أصاب الثمار الدمان ، وأصابه قشام ، وأصابه مراض ، عاهات يحتجون بها . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : فإما لا فلا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم . قال ابن أبي داود : إني شاك ، لا أدري سمعت هذه الكلمة من قول أحمد وهو في كتابي مجاز عليه . وأخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح . [ ص: 176 ]

قال جماعة منهم البخاري ، وابن زبر : مات أحمد بن صالح في شهر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين . وقد كان أحمد بن صالح من جلة المقرئين .

قال أبو عمرو الداني : أخذ القراءة عرضا وسماعا عن ورش ، وقالون ، وإسماعيل بن أبي أويس ، وأخيه أبي بكر بن أبي أويس ، كلهم عن نافع ، قال : وروى حروف عاصم عن حرمي بن عمارة .

روى عنه القراءة : حجاج الرشديني ، والحسن بن أبي مهران الجمال ، والحسن بن علي بن مالك الأشناني ، وحسن بن القاسم ، والخضر بن الهيثم الطوسي ، وأبو إسحاق الحراني ، وغيرهم .

قرأت على عمر بن عبد المنعم ، عن زيد بن الحسن ، أنبأنا أبو الحسين بن توبة ، أخبرنا أبو محمد بن هزارمرد ، أخبرنا عمر بن إبراهيم الكتاني ، حدثنا ابن مجاهد في كتاب " السبعة " له ، قال : حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا أحمد بن صالح ، عن ورش ، وقالون ، وأبي بكر . وإسماعيل ، عن نافع بالحروف . [ ص: 177 ]

قال أبو داود : سألت أحمد بن صالح عمن قال : القرآن كلام الله ، ولا يقول : مخلوق ، ولا غير مخلوق . فقال : هذا شاك ، والشاك كافر .

قلت : بل هذا ساكت . ومن سكت تورعا لا ينسب إليه قول ، ومن سكت شاكا مزريا على السلف ، فهذا مبتدع .

وقال محمد بن موسى المصري : سألت أحمد بن صالح ، فقلت : إن قوما يقولون : إن لفظنا بالقرآن غير الملفوظ ، فقال : لفظنا بالقرآن هو الملفوظ ، والحكاية هي المحكي ، وهو كلام الله غير مخلوق ، من قال : لفظي به مخلوق فهو كافر .

قلت : إن قال : لفظي ، وعنى به القرآن ، فنعم ، وإن قال لفظي ، وقصد به تلفظي وصوتي وفعلي أنه مخلوق ، فهذا مصيب ، فالله تعالى خالقنا ، وخالق أفعالنا وأدواتنا . ولكن الكف عن هذا هو السنة ، ويكفي المرء أن يؤمن بأن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه ، وأنه غير مخلوق ، ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم أن الجماعة إذا قرءوا السورة ، أنهم جميعهم قرءوا شيئا واحدا ، وأن أصواتهم وقراءاتهم ، وحناجرهم أشياء مختلفة ، فالمقروء كلام ربهم ، وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متابينة ، ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ وبين الملفوظ ، فدعه وأعرض عنه .
السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة