عصمة الأنبياء من الكبائر دون الصغائر
رقم الفتوى: 6901

  • تاريخ النشر:الخميس 15 ذو القعدة 1421 هـ - 8-2-2001 م
  • التقييم:
48331 0 594

السؤال

هل الرسول معصوم من الصغائر؟ وما هي عقيدة السلف في ذلك؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:‏

فقد اتفقت الأمة على ‏أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، إلا شيئًا قد ‏نُسِخ، وقد تكفل الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرئه فلا ينسى، إلا شيئًا ‏أراد الله أن ينسيه إياه، وتكفل له بأن يجمع له القرآن في صدره، قال تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ {الأعلى:6-7}، وقال تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {القيامة:17-18}.

فهم معصومون في التبليغ عن رب العزة سبحانه وتعالى، ولا ‏يكتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {المائدة:67}.

وهم معصومون أيضًا من الوقوع في الكبائر.

وأما الصغائر، فأكثر علماء ‏الإسلام على أنهم ليسوا بمعصومين منها، وإذا وقعت منهم، فإنهم لا يقرّون عليها، قال ابن تيمية: القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء ‏الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدى ‏أن هذا قول الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير، والحديث، والفقهاء، بل لم ينقل ‏عن السلف، والأئمة، والصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إلا ما يوافق هذا القول.

والدليل على ‏وقوع الصغائر منهم، مع عدم إقرارهم عليها:‏

‏ - قوله تعالى عن آدم: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى {طه:121-122}، وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم، وعدم إقراره عليها، مع توبته إلى ‏الله منها.‏

‏ - قوله تعالى: قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {القصص:15-16}، فموسى اعترف ‏بذنبه، وطلب المغفرة من الله بعد قتله القبطي، وقد غفر الله له ذنبه.

- وقوله تعالى: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ {ص:24-25}، ‏وكانت معصية داود، هي التسرع في الحكم قبل أن يسمع من الخصم ‏الثاني.

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعاتبه ربه سبحانه وتعالى في أمورٍ ‏ذكرت في القرآن، منها:

قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {التحريم:1}.

وكذا عاتبه في الأسرى، وفي خبر ‏ابن أم مكتوم.‏

وقد يستعظم بعض الناس مثل هذا، ويذهبون إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة ‏الدالة على هذا، ويحرفونها، والدافع لهم إلى هذا القول شبهتان:

الأولى: أن الله تعالى أمر ‏باتباع الرسل، والتأسي بهم، والأمر باتباعهم، يستلزم أن يكون كل ما صدر عنهم محلًّا ‏للاتباع، وأن كل فعل، أو اعتقاد منهم طاعة، ولو جاز أن يقع الرسول في معصية، ‏لحصل التناقض؛ لأن ذلك يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول، ‏الأمر باتباعها، وفعلها، من حيث إننا مأمورون بالتأسي به، والنهى عن موافقتها، من ‏حيث كونها معصية.‏

وهذه الشبهة صحيحة، وفي محلها، لو كانت المعصية خافية غير ظاهرة، بحيث تختلط ‏بالطاعة، ولكن الله تعالى ينبه رسله، ويبين لهم المخالفة، ويوفقهم إلى التوبة منها، من غير ‏تأخير.‏

الثانية: أن الذنوب تنافي الكمال، وأنها نقص.

وهذا صحيح، إن لم يصاحبها توبة، فإن التوبة ‏تغفر الحوبة، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم، بل إن العبد في كثير من ‏الأحيان يكون بعد توبته خيرًا منه قبل وقوعه في المعصية، كما نقل عن بعض السلف: ‏كان داود -عليه السلام- بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة. وقال آخر: لو لم تكن التوبة ‏أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.‏

ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي، إلا وقد سارع إلى التوبة، والاستغفار، فالأنبياء لا يقرّون ‏على ذنب، ولا يؤخرون توبة، فالله عصمهم من ذلك، وهم بعد التوبة أكمل منهم ‏قبلها.

والله أعلم.‏

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة