الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مناقشة القول بأن القرآن محدث
رقم الفتوى: 400960

  • تاريخ النشر:الخميس 9 ذو القعدة 1440 هـ - 11-7-2019 م
  • التقييم:
198 0 0

السؤال

بدايةً أشكر لكم سعة الصدر والسماحة.
ذكر غير واحد من أهل العلم أن من زعم أن القرآن مُحدث فقد كفر، حيث ذكر حرب الكرماني في مسائله بسنده عن وكيع بن الجراح أنه قال: "من زعم أن القرآن مخلوق محدث، ومن زعم أن القرآن محدث، فقد كفر بما أنزل على محمد، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (3/ 1126). وذكر آخرون غيره نحو ذلك، وإنني لا أريد الخوض في مسألة خلق القرآن، وهل هو مخلوق أم لا، ولكني مُتمسك بظاهر اللفظ القرآني ولن أتجاوزه إلا بدليل قطعي، وليس بتأويل يغلب عليه الظن، أي أني مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو مُحدث الذكر ومُنزله، مصداقًا لظاهر قوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء:2)، وقوله تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء:5)، وقوله تعالى: (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) (طه:113)، فهل كفرت بقولي هذا؟ وما حكم من كفرني بقولي هذا؟ وإن كان المقصود هو إحداث النزول وليس إحداث الذكر، فمن الذي أحدث الذكر؟ فرجاءً ألا تكتموا الحق، وأنتم أهل الفتوى. وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فبداية ننبه على أن هناك فرقا بين حكم القول وحكم قائله، فقد تكون المقالة كفرية، ولا يحكم على قائلها بالكفر؛ لقيام مانع من ذلك، كالجهل أو التأويل. ولذلك يقال: ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه. وراجع في ذلك الفتوى: 248086.

والقول بأن القرآن محدث قول بدعي، حتى ولو أقر قائله بأنه غير مخلوق، وفرَّق بين المحدث والمخلوق، كما هو قول بعض أهل الظاهر، وقد عقد البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب قول الله تعالى: {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29] و{ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] وقال ابن مسعود [ص:153]: عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة. انتهى.
وأسند فيه عن ابن عباس قال: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ. وفي رواية: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ؛ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ.

وهذا يبين المعنى الصحيح للإحداث المذكور في الآيات، قال ابن حجر في الفتح: مراده – يعني البخاري - هنا الحدث بالنسبة للإنزال، وبذلك جزم ابن المنير ومن تبعه. اهـ.

وقال أيضا: أخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عبيد الله الرازي أن رجلا من الجهمية احتج لزعمه أن القرآن مخلوق بهذه الآية، فقال له هشام: "محدث إلينا محدث إلى العباد". وعن أحمد بن إبراهيم الدورقي نحوه، ومن طريق نعيم بن حماد قال: "محدث عند الخلق لا عند الله" قال: وإنما المراد أنه محدث عند النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه بعد أن كان لا يعلمه ... وقال الراغب: المحدث ما أوجد بعد أن لم يكن، وذلك إما في ذاته أو إحداثه عند من حصل عنده، ويقال لكل ما قرب عهده حدث، فعالا كان أو مقالا. وقال غيره في قوله تعالى {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وفي قوله {لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا} المعنى يحدث عندهم ما لم يكن يعلمونه فهو نظير الآية الأولى. وقد نقل الهروي في الفاروق بسنده إلى حرب الكرماني سألت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يعني ابن راهويه عن قوله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} قال: قديم من رب العزة، محدث إلى الأرض. فهذا هو سلف البخاري في ذلك. وقال ابن التين: احتج من قال بخلق القرآن بهذه الآية قالوا: والمحدث هو المخلوق! والجواب: أن لفظ الذكر في القرآن يتصرف على وجوه: الذكر بمعنى العلم ومنه {فاسألوا أهل الذكر} والذكر بمعنى العظة ومنه {ص والقرآن ذي الذكر} والذكر بمعنى الصلاة ومنه {فاسعوا إلى ذكر الله} والذكر بمعنى الشرف ومنه {وإنه لذكر لك ولقومك} {ورفعنا لك ذكرك}. قال: فإذا كان الذكر يتصرف إلى هذه الأوجه وهي كلها محدثة، كان حمله على إحداها أولى. ولأنه لم يقل: ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا كان محدثا! ونحن لا ننكر أن يكون من الذكر ما هو محدث كما قلنا. وقيل: محدث عندهم. اهـ.

وقد عقد البغوي في شرح السنة بابا للرد على من قال بخلق القرآن، قال فيه: قوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} ليس ذلك حدث الخلق، إنما هو حدوث أمر، كما قال الله عز وجل: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]، وقال ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة». وقوله عز وجل: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} يريد: ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم وعلمهم به، كل ذلك محدث، فالمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله محدث، والمذكور غير محدث. وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه في قوله عز وجل: {قرءانا عربيا غير ذي عوج} [الزمر: 28]، قال: "غير مخلوق". وقال سفيان بن عيينة: بين الله الخلق من الأمر، فقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]. وقوله تعالى: {الرحمن. علم القرءان. خلق الإنسان} [الرحمن: 1 - 3]، فلم يجمع القرآن مع الإنسان في الخلق، بل أوقع اسم الخلق على الإنسان، والتعليم على القرآن. انتهى.
وقال السمعاني في تفسيره: قوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} استدل المعتزلة بهذا على أن القرآن مخلوق، وقالوا: كل محدث مخلوق، والجواب عنه: أن معنى قوله: {محدث} أي: محدث تنزيله، ذكره الأزهري وغيره، ويقال: أنزل في زمان بعد زمان، قال الحسن البصري: كلما جدد لهم ذكرا استمروا على جهلهم، وذكر النقاش في تفسيره: أن الذكر المحدث هاهنا ما ذكره النبي وبينه من السنن والمواعظ. اهـ.

ولمزيد الفائدة عن ذلك يرجى الاطلاع على الفتوى: 46415. وراجع في حكم من يقول: القرآن مخلوق الفتوى: 42856.

وأما اعتقاد السائل بأن الله تعالى هو محدث الذكر، فهذا لفظ موهم ومجمل، يحتمل حقا وباطلا، فينهى عنه! فأما المعنى الباطل فهو الإحداث بمعنى الخلق، وأما الحق فهو من ناحية تعلق صفة كلام تعالى بمشيئته، فهو يتكلم بما شاء، وقت ما يشاء سبحانه ، وراجع في تفصيل ذلك الفتوى: 324118. وما أحيل عليه فيها.

وقال الشيخ بكر أبوزيد في معجم المناهي اللفظية: قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} أي أن الله تعالى تكلَّم بالقرآن بمشيئته بعد أن لم يتكلم به بعينه، وإن كان قد تكلم بغيره قبل ذلك، ولم يزل سبحانه متكلماً إذا شاء. فالقرآن محدث بهذا المعنى. أما تسمية المبتدعة له (محدثاً) بمعنى مخلوق فهذا باطل، لا يقول به إلا الجهمية والمعتزلة. فهذا الإطلاق بهذا الاعتبار لا يجوز. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: