الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدلة على تحريم ذبيحة الكافر غير الكتابي والرد على من خالف ذلك
رقم الفتوى: 399016

  • تاريخ النشر:الخميس 19 رمضان 1440 هـ - 23-5-2019 م
  • التقييم:
1580 0 58

السؤال

أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرًا على كل ما تقدمونه في موقعكم الرائع المفيد.
ما حكم من يستحل ذبائح الكفار؛ مستدلًّا بقوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ويقول إن الله قال: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم). ولم يذكر ضمن آية سورة المائدة: (حرمت عليكم الميتة ...) ذبيحة المشرك، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا)، ويقول: إن الأصل في الذبائح الحلّ؛ لأن الله عز وجل قال: (قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أهل لغير الله به)، مستأنسا في ذلك بكلام للإمام الشوكاني في السيل الجرار، يقول فيه: (إذا ذبح الكافر ذاكرًا لاسم الله -عز وجل-، غير ذابح لغير الله، وأنهر الدم، وفرى الأوداج، فليس في الأدلة ما يدل على تحريم هذه الذبيحة الواقعة على هذه الصفة، ولا يصح الاستدلال بمثل قوله عز وجل: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3]؛ لكون الخطاب فيها للمسلمين؛ لأنا نقول الخطاب فيها لكل من يصلح للخطاب، فمن زعم أن الكافر خارج من ذلك بعد أن ذبح لله، وسمى، فالدليل عليه.
وأما إذا ذبح الكافر لغير الله، فهذه الذبيحة حرام، ولو كانت من مسلم، وهكذا إذا ذبح غير ذاكر لاسم الله -عز وجل-، فإن إهمال التسمية منه، كإهمال التسمية من المسلم حيث ذبحا جميعًا لله -عز وجل-، وسيأتي الكلام على التسمية، وإذا عرفت هذا؛ لاح لك أن الدليل على من قال باشتراط إسلام الذابح، لا على من قال: إنه لا يشترط، فلا حاجة إلى الاستدلال على عدم الاشتراط بما لا دلالة فيه على المطلوب؛ كالاحتجاج بأنه -صلى الله عليه وسلم- لم ينه عن ذبائح المنافقين، فإن المنافقين كان يعاملهم -صلى الله عليه وسلم- معاملة المسلمين في جميع الأحكام، عملًا بما أظهروه من الإسلام، وجريًا على الظاهر.
وأما ما يقال من حكاية الإجماع على عدم حل ذبيحة الكافر، فدعوى الإجماع غير مسلَّمة، وعلى تقدير أن لها وجه صحة، فلا بدّ من حملها على ذبيحة كافر ذبح لغير الله، أو لم يذكر اسم الله.). انتهى.
فهل هذا الإجماع المشروط هو الصواب، أم مطلق الإجماع؟ وما هو دليل الإجماع؟ وهل هذه المسألة من مسائل الخلاف؟ وما ردكم عليه؟ وما حكمه؟ هل يفسق أم يبدع أم يكفر بعد البيان؟ رغم أننا نصحناه كثيرًا، وهل هو آثم في هذا الباب؟ وهل نتزوج ممن هذا اعتقاده في هذه المسألة؟ أرجو منكم الرد سريعًا، وإن كانت هناك فتوى للشيخ الفوزان في هذه المسألة، فأرجو منكم أن تذكروها -جزاكم الله خيرًا-.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فليس يصح نقض إجماع السابقين بدعاوى المتأخرين! وقول الشوكاني – وهو من المتأخرين - في إجماع الفقهاء على عدم حل ذبيحة الكافر: دعوى الإجماع غير مسلَّمة. هو نفسه غير مسلَّم!!

وقد كان يمكن النظر في كلامه، ثم البحث في الأدلة، والترجيح لو وجدنا أحدًا من أهل العلم المعتبرين ذهب إلى حل ذبيحة الكافر غير الكتابي هكذا بإطلاق، وهذا ما لا نعلم قائلًا به، اللهم إلا في المجوس خصوصًا؛ لشبهة كتاب عندهم، ولكون الشرع ألحقهم بأهل الكتاب في الإقرار على دِينهم، وقبول الجزية، وهذا مذهب ابن حزم، قال في المحلى: كل ما ذبحه، أو نحره يهودي، أو نصراني، أو مجوسي - نساؤهم، أو رجالهم -، فهو حلال لنا ... وهو قول قتادة، وأبي ثور. اهـ.

وأما غيرهم من الكفار، فلا تحل عنده ذبيحتهم، قال في المحلى: لا يحل أكل ما ذكاه غير اليهودي، والنصراني، والمجوسي ... وأما المجوس: فقد ذكرنا في كتاب الجهاد أنهم أهل كتاب، فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك. اهـ.

ومع ذلك؛ فقد شنع أهل العلم على مذهبه في المجوس، وكأنهم لم يعتبروه، وحكوا الإجماع على خلافه، قال ابن عبد البر في الاستذكار: قد أجمعوا في ذبيحة الكتابي أنها تؤكل، وإن لم يسم الله عليها، إذا لم يسم عليها غير الله. وأجمعوا أن المجوسي، والوثني لو سمى الله، لم تؤكل ذبيحته. اهـ. وقال ابن المنذر في الإجماع: وأجمعوا على أن ذبائح المجوس، حرام، لا تؤكل، وانفرد سعيد بن المسيب. اهـ.

وفصَّل في الإشراف على مذاهب العلماء، فقال: اختلفوا في ذبائح المجوس، فقال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: لا تؤكل ذبائحهم، هذا قول ابن المسيب، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والنخعي، وعبد الله بن يزيد، ومرة الهمداني، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وفيه قول ثان: روينا عن ابن المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضًا، فأمر المجوسي أن يذكر اسم الله، ويذبح له، فلا بأس. وقال أبو ثور: في الضحية إذا أمر مجوسيًّا أن يذبحها، أجزأه. وقد أساء. اهـ. فحكم بالإساءة على مذهبه في المجوس، مع قيام شبهة الدليل فيهم، فما بالنا بغير المجوس؟!

وقال القرطبي في تفسيره: العلماء مجمعون- إلا من شذ منهم- على أن ذبائحهم - يعني المجوس - لا تؤكل، ولا يتزوج منهم؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب، على المشهور عند العلماء. اهـ. وقال ابن قدامة في المغني: أبو ثور أباح صيده، وذبيحته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». ولأنهم يقرون بالجزية، فيباح صيدهم، وذبائحهم، كاليهود، والنصارى، واحتج برواية عن سعيد بن المسيب، وهذا قول يخالف الإجماع، فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع. قال أحمد: ها هنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسًا، ما أعجب هذا!! يُعرِّض بأبي ثور. وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم: ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وجابر، وأبو بردة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن بن محمد، وعطاء، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، ومرة الهمداني، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. قال أحمد: ولا أعلم أحدًا قال بخلافه، إلا أن يكون صاحب بدعة. ولأن الله تعالى قال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة:5]، فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار، ولأنهم لا كتاب لهم، فلم تحل ذبائحهم، كأهل الأوثان. وقد روى الإمام أحمد بإسناده، عن قيس بن سكن الأسدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم نزلتم بفارس من النبط، فإذا اشتريتم لحمًا، فإن كان من يهودي، أو نصراني، فكلوا، وإن كانت ذبيحة مجوسي، فلا تأكلوا». ولأن كفرهم -مع كونهم غير أهل كتاب- يقتضي تحريم ذبائحهم، ونسائهم؛ بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وإنما أخذت منهم الجزية؛ لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم، فلما غلبت في التحريم لدمائهم، فيجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح، والنساء؛ احتياطًا للتحريم في الموضعين، ولأنه إجماع، فإنه قول من سمينا، ولا مخالف لهم في عصرهم، ولا في من بعدهم، إلا رواية عن سعيد، روي عنه خلافها. اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما المجوسية، فقد ذكرنا أن الكلام فيها مبني على أصلين:

أحدهما: أن المجوس لا تحل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، والدليل على هذا وجوه – .. فذكر طرفًا منها .. ثم قال: - وأيضًا ففي حديث الحسن بن محمد ابن الحنفية، وغيره من التابعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس، وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم". وهذا مرسل، وعن خمسة من الصحابة توافقه، ولم يعرف عنهم خلاف .. وقد عمل بهذا المرسل عوام أهل العلم، والمرسل في أحد قولي العلماء حجة، كمذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي الآخر هو حجة، إذا عضده قول جمهور أهل العلم، وظاهر القرآن، أو أرسل من وجه آخر، وهذا قول الشافعي، فمثل هذا المرسل حجة باتفاق العلماء، وهذا المرسل نص في خصوص المسألة، غير محتاج إلى أن يبنى على المقدمتين. اهـ.

وجاء في كتاب الدرر السنية: سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: عن ذبيحة الكافر، والمرتد، إذا ذبحت للحم، وذكرا اسم الله عليه، فهل هناك نص بتحريمها غير الإجماع، ومفهوم قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} الآية [المائدة: 5]؟
فأجاب: الإجماع دليل شرعي بالاتفاق، ولا بدّ أن يستند الإجماع إلى دليل من الكتاب، والسنة؛ وقد يخفى ذلك الدليل على بعض العلماء. فإن كان قد وقع الإجماع على تحريم ذبيحة الكافر، والمشرك غير الكتابي، فحسبك به، ودلت الآية الكريمة على التحريم بمفهومها، كما قد عرفتم.

والجواب عن قوله: "وذكرا اسم الله عليها"، أن يقال: التسمية من الكافر الأصلي، ومن المرتد، غير معتبرة؛ لبطلان أعمالهما، فوجودها كعدمها، كما أن التهليل إذا صدر منه حال استمراره على شركه، غير معتبر، فيكون وجوده كعدمه ...

وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: قد دل الكتاب، والسنة، والإجماع، على تحريم ذبائح من عدا أهل الكتابين من الكفار، قال الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}، قال ابن عباس: "طعامهم: ذبائحهم"، وكذا قال جميع علماء التفسير. فتخصيص الإباحة بذبح أهل الكتاب، يدل على تحريم ذبائح غيرهم من الكفار؛ وما زال العلماء في جميع الأمصار يستدلون بمفهوم الآية، على تحريم ذبائح الكفار سوى أهل الكتاب. وفي مسند الإمام أحمد، حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: " فإذا اشتريتم لحمًا، فإن كان من يهودي، أو نصراني، فكلوا، وإن كان من ذبيحة مجوسي، فلا تأكلوا"، وروى سعيد بن منصور في سننه، بإسناد جيد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لا تأكلوا من الذبائح، إلا ما ذبح المسلمون، وأهل الكتاب"، وقال الوزير ابن هبيرة: وأجمعوا على أن ذبائح الكفار غير أهل الكتاب غير مباحة. انتهى. ولما قال أبو ثور -رحمه الله-، بإباحة ذبائح المجوس، مستدلًّا بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، أنكر عليه الأئمة، وبالغوا في الإنكار عليه. اهـ.

فظهر بذلك أن مما يستند إليه الإجماع في حرمة ذبائح غير أهل الكتاب من أنواع الكفار، قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ {المائدة:5}، ووجه ذلك أن غير أهل الكتاب لو ألحقوا بهم، لم يكن لتخصيصهم بالذكر فائدة. فدلالة الفحوى، والمفهوم واضحة، وقد أشار إليها المفسرون، كابن جرير، وابن كثير، وغيرهما.

وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من المفسرين، كالخازن، وابن الجوزي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في مجموع الفتاوى: المشركون شر من المجوس؛ فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين، وقد ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم، وطعامهم، وأما المشركون، فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم، وطعامهم. اهـ. وقال الجصاص في شرح مختصر الطحاوي: ذبيحة الكافر غير الكتابي محرمة، ولا يجوز نكاحه بلا خلاف نعلمه بين الفقهاء. اهـ. وقال في أحكام القرآن: نص الله تعالى على تحريم ذبائح المشركين في غير هذه الآية، وهو قوله تعالى: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]. اهـ.

وأما الشيخ صالح الفوزان، فقد كانت رسالته للدكتوراه في موضوع: (الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح)، ومن المسائل التي تناولها في رسالته: مسألة ذبيحة المجوسي، ثم مسألة ذبيحة الوثني، والدهري، والمرتد، ومما قال في ذلك: ذبيحة الكافر الأصلي -وثنيًا كان أم دهريًا-، حرام بالإجماع، ولقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}، فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار؛ لأنهم لا كتاب لهم، فلم تحل ذبائحهم. اهـ. وراجع لمزيد الفائدة الفتوى: 193061.

وأما قول السائلة: (هل يفسق أم يبدع أم يكفر بعد البيان)؟

فأما الكفر، فلا مدخل له في مثل هذه المسائل المحتملة للخطأ والتأويل، وإلا فهل تريد السائلة تكفير الشوكاني مثلًا؟!! وانظري للفائدة الفتوى: 206329، وتجدين فيها الكلام على مخالفة الإجماع، ولو كان قطعيًّا.

وحسبنا في هذه المسألة ما سبق أن نقله ابن قدامة عن الإمام أحمد قال: لا أعلم أحدًا قال بخلافه، إلا أن يكون صاحب بدعة.

وفي ما ذكرناه من جواب عن جزئيات السؤال كفاية.

والله تعالى أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: