معنى تقرب الله إلى العبد
رقم الفتوى: 236518

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 13 ربيع الأول 1435 هـ - 14-1-2014 م
  • التقييم:
15757 0 264

السؤال

قال تعالى في الحديث القدسي: من جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشرُ أمثالِهَا وأزيدُ، ومن جاءَ بالسَّيِّئةِ، فجزاؤهُ سيِّئةٌ مثلُها، أو أغفِرُ، ومن تقرَّبَ منِّي شبرًا، تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّبَ منِّي ذراعًا، تقرَّبتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشي، أتيتُهُ هرولةً، ومن لَقيَني بقُرابِ الأرضِ خطيئةٍ لا يشركُ بي شيئًا، لقِيتُهُ بمثلِها مغفرةً ـ كيف يتقرب الله إلينا ذراعا وباعا؟ وكيف يأتينا هرولة؟ وهل إتياننا إليه بالمشي أي بالطاعات؟.
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على الصفات الفعلية لله تعالى، على الوجه اللائق به سبحانه، فهو سبحانه يتقرب من عباده متى شاء وكيف شاء، لكننا لا نعلم كيفية صفاته على القاعدة القرآنية: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ـ وقد أجاد العلامة ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ في بيان معنى الحديث على مذهب سلف الأمة فقال: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة ـ وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، من حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضا، وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب التوحيد الباب الخامس عشر، وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، وأن سبحانه فعال لما يريد، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ـ وقوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ـ وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ـ وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ـ وقوله صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ـ وقوله صلى الله عليه وسلم: ما تصدق أحد بصدقة من طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ إلا أخذها الرحمن بيمينه ـ إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى، فقوله في هذا الحديث: تقربت منه وأتيته هرولة، من هذا الباب، والسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها، وحقيقة معناها اللائق بالله عز وجل، من غير تكييف ولا تمثيل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول، ص: 466، ج 5 ـ من مجموع الفتاوى: وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله واستوائه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر ـ فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟ وأيّ مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟ وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالاً لما يريد، على الوجه الذي به يليق؟ وذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: أتيته هرولة يراد به: سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إليه، المتوجه بقلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل، وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال: ومن أتاني يمشي ـ ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله عز وجل، الطالب للوصول إليه، لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله، ونحوها، وتارة بالركوع والسجود ونحوهما، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ـ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب ـ قال: فإذا كان كذلك، صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل، وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه، وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية، لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره، ولا تأويلاً كتأويل أهل التعطيل، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ـ ولله الحمد ـ وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف، ويجاب عن من جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى، وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي: بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه، بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها كالطواف والسعي. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه رحمه الله.

نقلناه بتمامه من كتابه القواعد المثلى، لما فيه من حسن البيان ووضوح العبارة، وفيه كفاية.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة