ماهية المعاصرة

  • اسم الكاتب: جمال سلطان
  • تاريخ النشر:11/03/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
7761 0 518
     في كتابه الأخير " في المسألة الإسلامية المعاصرة " طرح المفكر الكبير " طارق البشري " رؤية جديدة ومثيرة لمصطلح " المعاصرة " ـ تشمل مصطلح الحداثة بالتلازم ـ تقول بأن هذا المصطلح في جذوره البعيدة كان ترتيباً استعمارياً وافداً على اعتبار أن أي طامع في فرض حكمه وسيطرته على بلد آخر كان لا بد وأن يبحث لنفسه عن فكرة جامعة ، تجمع بينه وبين أهل المجتمع المحكوم أو المغزو ، حتى لا يبدو وجوده بينهم شاذاً ولا شائهاً ، وحتى لا يثير وجوده بينهم الرغبة الدائبة في التخلص منه بوصفه جسماً غريباً غير طبيعي ، لذلك حدث الترويج لفكرة العصرية والمعاصرة من دوائر المؤسسات الغازية في التعليم والثقافة والإعلام وغيرها ، لتقوم بدور تسويغ حكم المعتدي وترويج رسالة الرجل والمصلح الأوربي ، ولتقيم نوعاً من الوحدة بين المعتدي والمعتدى عليه ، ولتعزل ذوي الأفكار والمؤسسات التقليدية ، وتظهرهم كما لو كانوا هم الغرباء ، برغم أنهم أصحاب البلاد الأصلاء بها فكراً وتراثاً وحضارة ، وهذا العزل ـ يؤكد البشري ـ أفاد الغرب إفادة هائلة في مخططاته لتدمير القوى الرئيسية المجاهدة في العالم الإسلامي ، من جهة أنه من ذلك الوسط التقليدي الذي عزلوه في بلادنا كانت تنبعث القوة الأساسية لمقاومة الغزو الأجنبي ومقاومة العدوان على مدى القرن التاسع عشر كله .
    "طارق البشري" في كتابه أيضا يضع أيدينا على الخلل الذي أصاب حركات النهوص السياسي أو الديني أو الفكري في العالم العربي والإسلامي بسبب هذا " التوحد " مع الغرب في فهم وتحديد معنى المعاصرة وأيضا من جراء تجاهل خصوصية أفكار النهوض والإطار التاريخي والحضاري الذي تولد فيه ، فالفكرة التي تولد في سياق حضاري أوربي وتنجح ليس بالضرورة تكون صالحة وناجحة في ظروفنا نحن العربية والإسلامية ، بل قد تكون ضارة ومدمرة ، وبالتالي فالكثير من الأفكار التي حملت روح العصر الحديث جاءت نتائجها بالغة الخطر والتدمير في وقائع تاريخنا الحديث ،  وقد تعرض المؤلف بإسهاب لنماذج تطبيقية على هذه الفرضية ، من خلال الفكر القومي العلماني وكذلك الفكر الاشتراكي عندما سيطر اليهود على زمام الحركات الشيوعية العربية ، وتحت شعار " وحدة الطبقة العاملة " تحالفت قوى يسارية عربية مع قوى صهيونية ضد مصالح الأمة التاريخية في فلسطين ، بل وسارعت القوى اليسارية إلى الاعتراف بإسرائيل منذ أكثر من خمسين عاما ، وكانت ترى أن الصهاينة الذين يحتلون أرض فلسطين أكثر تقدمية وقرباً إليهم من الإنسان العربي المسلم المتدين الذي وصفوه " بالرجعي " والذي كان يقف مدافعاً عن المصلحة التاريخية والمفصلية للأمة .
     ومن الملاحظات المهمة التي وقف عليها "البشري" في كتابه أن الانتقال بمصطلح " العصر " من مفهومه الزماني الذي تقتصر دلالته على التتالي والتعاقب ، إلى مفهوم آخر يفيد بذاته الدلالة على حضارة واحدة أو جماعة واحدة في قيمها وتصوراتها ، من شأنه أن يحول العصر إلى وحدة انتماء جماعي تحل محل وحدات الانتماء الأخرى وطنية أو دينية أو قومية أو غيرها ، ويتحول " الزمن " إلى فكر ووعي ننظر به إلى الأمور ويحكم قيمنا وسلوكنا ويسيطر على ردود أفعالنا ( لاحظ هوس بعض العلمانيين العرب اليوم في الترويج للعولمة الثقافية ! ) ، والأخطر أن يتفرع عن القول بوحدة العصر القول بوحدة معيار التقويم والقياس للحاضر والماضي معه ، وبالتالي نعيد النظر إلى تاريخنا وفق موازين جديدة في التقويم والتصور ، وهذا ما يؤدي قطعاً إلى اضطراب خطير في وعينا لتاريخ أمتنا ووقائعه وتحولاته ، لعل من أبرز تجلياته اندفاع العديد من المؤرخين العرب إلى وصف عصور الحضارة الإسلامية الزاهية بأنها " القرون الوسطى " أو " الوسيطة " خضوعا للإطار الذي عرفه الفكر الأوربي وتقسيمه لمراحله التاريخية والتي نجح في فرضها تحت مظلة " المعاصرة " كأساس ضبط تاريخ العالم كله وفق ذلك التقسيم ، وغني عن البيان أن تعبير " القرون الوسطى " إنما يأتي ـ أوربياً ـ في سياق الهجاء الحضاري والازدراء للعقل والحالة الإنسانية بشكل عام .
    إن الثقافة العربية في حاجة ماسة إلى الانفلات من أوهام مرحلة " المراهقة الثقافية " ، وآن لنا أن نبحث في شؤون زماننا من خلال أعيننا نحن ، لا من خلال أعين الآخرين ، ووفق طموحاتنا والتحديات التي تعترضها ، وليس وفق ما يمليه علينا الآخرون بوصاية سياسية أو بوصاية ثقافية سواء ، بل ربما كانت الوصاية الثقافية هي الأخطر والأفدح ثمناً ، نظراً لخفائها ودقة مسلكها والغفلة التي ما زالت تعترينا نحن المثقفين العرب حيالها ، وأظن أن كتاب "البشري" الجديد خطوة جادة وعميقة في سبيل التمرد والثورة على هذه الوصاية الثقافية

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك