الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كي لا ننساهم

  • اسم الكاتب: علي جرادات - الخليج الإماراتية
  • تاريخ النشر:19/04/2015
  • التصنيف:فلسطين .. مآسي أمة
  •  
2532 0 666

كما في (17 نيسان) من كل عام يحيي الفلسطينيون هذه الأيام مناسبة "يوم الأسير". يوم أسرى حرية فلسطين هُم الآن، (حسب "هيئة شؤون الأسرى والمحررين")، 6500 أسير. هُم حراس القيم، بينهم 480 أسيراً يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد لمرة واحدة أو لمرات. هُم ضمير الشعب الذي لا يصدأ، بينهم 24 أسيرة، و200 طفل، و480 معتقلاً إدارياً، و14 نائباً في "المجلس التشريعي". هُم من وطَّنوا النفس على حياة الكفاح ببطولتها ومعاناتها، بينهم 1500 أسير مرضى، 80 منهم في حالة صحية خطيرة. هُم جبال راسخة تخفق فوقها رايات الأحرار، بينهم 30 أسيراً منذ ما قبل "أوسلو"، مضى على 16 منهم أكثر من 25 عاماً، وعلى اثنين منهم، (هما كريم وماهر يونس)، 33 عاماً. هُم مَن دخلوا إلى معترك الكفاح غير هيابين، بينهم 85 أسيراً أعيد اعتقالهم بعد تحررهم في إطار صفقة "شاليط"، أغلبهم أمضى عشرين عاماً ويزيد قبل إبرام تلك الصفقة.

هُم ليسوا فرعاً يابساً في شجرة هرمة، بل فرع في سروة باسقة تطاول عنان السماء، ويحملون بتفانٍ وجسارة راية 85 ألف فلسطيني اعتقلوا منذ بدء "انتفاضة الأقصى"، 2000، وحتى 2015، بينهم قرابة 24 ألف معتقل إداري، وأكثر من 10.000 طفل، ونحو 1200 من النساء. بل يحملون راية نحو 850 ألف فلسطيني خاضوا تجربة البطولة والمعاناة في السجون منذ يونيو/حزيران 1967 وحتى إبريل/ نيسان 2015، منهم 15 ألفاً من النساء وعشرات الآلاف من الأطفال. هُم فرسان شقوا غبار المعارك، وما زالت عيونهم المتوقدة ترنو إلى العلى وآفاق انبلاج شقائق النعمان على ضفاف الجداول، يتوزعون على 22 سجناً ومعتقلاً ومركز تحقيق، أبرزها سجون "نفحة"، "ريمون"، "عسقلان"، "بئر السبع"، "هداريم"، "جلبوع"، "شطة"، "المسكوبية"، "الرملة"، "الدامون"، "هشارون"، ومعتقلات "النقب" و"عوفر" و"مجدو".

هؤلاء هم أسرى وأسيرات حرية فلسطين، رمز عزيمة الشعب التي لا تلين، وملح الأرض الذي لا يفسد، علمهم الكفاح فنون القيادة، وبُعد الرؤية، والحرص الوطني. لم يخترهم الاحتلال للاعتقال عينة عشوائية لإشباع نهم الاجرام الدموي لديه، أو لتوجيه رسالة سياسية إلى هذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك، بل انتقاهم بعناية وهو يعرف سلفاً ماذا يمثلون لشعبهم ونضاله ومقاومته وانتفاضاته وهباته التي لم تنقطع. لكن بهجة السجان لم تدم طويلاً، حيث صارت حكاية هؤلاء الأسرى، رجالاً ونساء وأطفالاً، حكاية مناضلين يتقدمون الصفوف، يردون الظلم، ويهزمون زنازينهم.

إزاء بطولات هؤلاء الأسرى، وصمودهم، وثباتهم، وعنفوانهم، بالرغم مما لا يحصى من أشكال معاناتهم والتنكيل بهم، ينتفي الظن بأن شعب فلسطين سيهزم أو يسلِّم أو يستسلم. فأغلب هؤلاء الأسرى من جيل جديد يتلقف راية أجيال مضت. جيل يصنع غده بيديه، يهدم قديماً شاخ، ويبني جديداً يؤسس لمستقبل السياسة والكفاح، فإذا فلسطين تزهو في الحناجر، ويصبح للهتاف طعم الأمل. جيل تربى في حقل تربتُه من خصب مرج ابن عامر، حيث شقت معاول أهله تربةً تفوح بكلِّ الخير المقبل. جيل يختزن بطولات ثورة عمت فلسطين عام 1936، ومهدت لاندلاع ثورة مسلحة معاصرة عام ،1965 وانتفاضة شعبية كبرى عام 1987، وانتفاضة "ثانية" عام 2000. جيل امتص رحيق بطولات الأجداد والآباء زاداً، يختزنه كمن يخزِّن مؤونة الصيفِ لشتاءٍ مرعدٍ. جيل عبأه وجع المشردين واللاجئين غضباً، ويبحث عمن يعطيه من مرجلِ ثورته شرارةً تحرق سهلاً. جيل لم يتعود لوك الكلام، يكابد السجن ويقارع السجان، لكنه يبحث عن حريةِ البلاد والعباد. جيل كان قبل اعتقاله نابض الحركة، في التظاهرةِ، وفي التنظيمِ، وفي التحشيدِ، وفي مقدمة من امتشق السلاح وحارب. جيل لم يعرف مستقراً إلا حيث يكون فيه موقع لنضال. جيل ملؤه ثبات الموقف، واستقامة الفكر والقيم والأخلاق الوطنية، فكان له ما أراد هو، لا ما أراد له الاحتلال، سيان: داخل السجن أو خارجه، حتى أصبح بجدارة عنوان الوضوح والرسوخ في زمن الالتباس والبلبلة، وعنوان الوحدة في زمن الانقسام المدمر، وعنوان المقاومة في زمن التفاوض العبثي، وعنوان الإيثار ونكران في زمن التكسُّب والانتفاع، وعنوان الغائب الحاضر في زمن المَشهدية والمَظهرية، وعنوان الوطنية الراسخة في زمن الفئوية الفجة المقيتة.

ولا عجب. فالأسرى الفلسطينيون يختزنون غضباً وطنياً وإنسانياً لا حدود له، يزيده اشتعالاً تصاعد عمليات التنكيل بهم، وبالأطفال منهم بالذات. ففي السنوات الأربع الماضية اعتقل الاحتلال 3755 طفلاً، منهم 1266 خلال العام المنصرم، و200 خلال الربع الأول من العام الجاري. ذلك من دون أدنى مراعاة لصغر سنهم وضعف بنيتهم الجسمية والنفسية، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على الطفولة الفلسطينية ومستقبلها. إنهم أطفال أسرى يواصلون مسيرة عمدتها دماء مئات آلاف الشهداء، ودماء 206 من الشهداء داخل سجون الاحتلال منذ عام 1967، بينهم 66 نتيجة التعذيب، و54 نتيجة الإهمال الطبي، و74 نتيجة القتل العمد فور الاعتقال، و7 نتيجة إطلاق النار عليهم من قبل جنود السجون وحراسه، و5 في معارك الإضرابات المفتوحة عن الطعام. هذا بالإضافة إلى عشرات آخرين استشهدوا بعد خروجهم بفترات وجيزة نتيجة أمراض ورثوها من السجون، منهم على سبيل المثال لا الحصر: هايل أبو زيد، مراد أبو ساكوت، فايز زييدات، أشرف أبو ذريع، زكريا عيسى، سيطان الولي، زهير لبادة، حسن الترابي، وصولاً إلى الأسير المحرر جعفر عوض الذي استشهد في بلدته بيت أمر- الخليل في الأسبوع الماضي.

بقي القول: نكابد مخاطر الكتابة عن مناضلين أسرى، لا لنمارس رياضة اللسان، بل كي لا ننساهم في مرحلة فلسطينية عنوانها الانقسامات الداخلية المدمرة، وفي مرحلة عربية تُحزن كل الأصدقاء، وتُفرح كل الأعداء، وكي نقدمهم كقدوة، هي أفضل من ألف موعظة، وكنموذج حي لمناضلين يقرنون القول بالفعل، والنظرية بالتطبيق، ويحفرون الصخر بالأظافر، ويعمدون المواقف بعرقِ ودمِ وتعبِ النشاط اليومي المثابر، حتى صاروا- بعد الشهداء- "جمل المحامل" بلا منازع، و"مداً يستحثه الجزر"، ما يجعل الكتابة عنهم تأخذ طابع المخاطرة، ليس لأنهم إشكاليون، بل لأن تكرار الحديث عن المناضلين في تعداد المناقب مختصرة بات إشكالياً يُفقد التفاصيل دورها في تكوين الجوهر العام لكل شخصية.
 

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق