ثورة مصر تفضح مأساة إعلام السلطة

2659 0 583

أصيب المصريون مؤخراً بحالة اشمئزاز كبيرة بسبب التحول المقزز في موقف الإعلام المصري الرسمي وشبه الرسمي من ثورة الشباب والرئيس السابق حسني مبارك. كان مبارك حتى أسابيع قليلة مضت رمزاً للشرعية والمبادئ والشرف والنزاهة والصدق والشفافية والحرية والديمقراطية والسلام بالنسبة للإعلام المصري. لم يكن يجرؤ إعلامي على عرض وجهة نظر مغايرة. ولكن فجأة وما أن سقط مبارك حتى فوجئنا بأن نفس الإعلاميين التي لم يكتفوا بعرض وجهة نظر النظام، وإنما كرسوا أنفسهم لتملق الرئيس السابق وأسرته ينقلبون على الرجل في واحدة من أكبر فضائح الإعلام المصري عبر تاريخه.

أمثلة الانقلاب الإعلامي هذه كثيرة: كان الفساد أهم ما ركز عليه الإعلاميون باعتباره حديث الساعة في مصر. ظهرت تغطية الإعلام الرسمي للقضية فجة ومستفزة، كما لو كان الفساد أمرا لم يكن معروفاً عن نظام مبارك. من أمثلة التغطية الإعلامية الرسمية أن إحدى الصحف الرسمية الصفراء خرجت في اليوم التالي لتنحي الرئيس مبارك لتتحدث في مقال يعبر عن رأي هيئة تحريرها عن دهشتها من مستوى الفساد الذي بلغه الرئيس السابق وكيف أن ثروته تضخمت حتى بلغت نحو سبعين مليار دولار. وعبر المقال عن دهشة كاتبه من قدرة الرئيس الفائقة على نهب أموال المصريين وقدرته الشديدة على التكتم على فساده.


صحيفة ثانية تحدثت عن "حواديت" الفساد الذي عرفته مصر في الثلاثين عاماً التي قاد فيها مبارك مصر، وكيف استفاد عدد من رجال الأعمال من قربهم من القصر الرئاسي في تحقيق مكاسب خيالية عن طريق شراء الأراضي بأسعار بخسة وبيعها بأسعار بلغت عشرات أضعاف أسعار الشراء.

وتحدثت الصحيفة عن بيع مصر وكنوزها لفئة قليلة من المفسدين، وعن ألاف قضايا الفساد التي ترتبط بعدد من الوزراء والمسئولين والمقربين من الرئيس مبارك، وعن كيفية استفادة البعض من علاقاتهم الشخصية بنجلي الرئيس السابق وبكبار رجال الدولة في تحقيق المكاسب غير المشروعة.


صحيفة ثالثة خرجت تؤكد على أن لا عودة لما قبل الخامس والعشرين من يناير وتهلل وتطبل لمكاسب ثورة الشباب الأبطال الذي أعادوا الأمور إلى نصابها في مصر بعد أن طال اليأس بالمصريين بسبب نظام مبارك القمعي. وأشادت الصحيفة بالمطالب المشروعة للشباب وبثورتهم السلمية البيضاء. وكغيرها احتفلت الصحيفة بالكشف عن قضايا الفساد التي تورط فيها رموز النظام السابق.


لم يقتصر الانقلاب الإعلامي على الصحف الرسمية فقط، وإنما امتد ليشمل الإذاعة والتلفزيون والفضائيات التي يظهر على شاشاتها إعلاميون طالما نافقوا وتملقوا نظام مبارك. أحد هؤلاء المنافقين كان حتى يوم رحيل مبارك يؤكد على أن مبارك هو الرئيس الشرعي، والمدافع عن الحريات، والذي لم يقصف في عهده قلم واحد، والقادر على تحقيق المعجزات. ولكن ما أن رحل الرئيس حتى كان الإعلامي يكرس وقت برنامجه لكيل الاتهامات للرئيس وأسرته ووزرائه وحاشيته. بل بلغ الأمر بالإعلامي محاولة الضغط على ضيوفه لانتزاع أقوال تؤيد موقفه المفاجئ المعارض لمبارك. وأما أغرب ما فعل الإعلامي فقد كان استضافته لعدد من رجال الأعمال الذين سبق اتهامهم بالفساد في عهد مبارك بغرض عرض مواقفهم من نظام مبارك الفاسد.

قليلون هم من تمسكوا بمواقفهم من الرئيس السابق ولعلي أذكر منهم نقيب الصحفيين. وعلى الرغم من عدم اتفاقي معه في موقفه من النظام إلا أن ثبات الرجل على موقفه من مبارك بعد رحيله يستحق الاحترام والتقدير. فالثبات على المبادئ يعد من أهم الصفات التي يتوجب توافرها في الإعلامي لأن هذا يمنح المتلقي ثقة كبيرة في مضمون الرسالة الإعلامية. وليت كل الإعلاميين الذين أيدوا مبارك طويلاً صدقاً أو كذباً ثبتوا على مواقفهم منه، ولو أنهم فعلوا لاكتسبوا الاحترام حتى وإن كانوا يسيرون عكس التيار.


ترى ماذا لو عاد مبارك اليوم لقيادة مصر؟ كيف سيسلك الإعلاميون المنافقون؟ أزعم أن ريما ستعود لعادتها القديمة. سيعود الإعلاميون المتلونون لتأييد مبارك الرئيس الشرعي لمصر. سيتم طي صفحة الفساد وستفتح من جديد صفحة إنجازات مبارك صاحب الطلعة الجوية الأولى. سيؤكد الإعلاميون على أنهم تعرضوا لضغوط كبيرة لنشر قضايا سرقة ونهب المال العام. سيهلل ويطبل الإعلاميون للنظام ورموزه وسياساته. سيتم لعن الثورة والقائمين بها. ستعود قصة المؤامرة التي تستهدف النيل من مصر واستقرارها لتطل من جديد.

لا يمكن بأي حال من الأحوال منح الإعلاميين المتملقين والمتلونين أية أعذار. لا يمكن لإنسان أن ينقلب من شخص إلى نقيضه بين ليلة وضحاها. إنها فضيحة كبرى لأي إعلام في العالم، لكنها مأساة أكبر لأن الإعلام المصري الذي كان يوماً رائداً في منطقة الشرق الأوسط فقد تماماً مصداقيته وتحول إلى بوق للسلطة. من المطلوب الآن أن يتم تغيير كل الأطقم الإعلامية التي تلونت بلون النظام حتى تنحي الرئيس ثم بلون الثورة بعد التأكد من نجاحها. أعلم أن التغيير في الوقت الحالي ربما يكون صعباً لأسباب تشريعية وتنظيمية، ولكن دعونا نكون متفائلين. دعونا نتمنى أن مصر الجديدة لن يكون بها مكان للإعلاميين المنافقين للأنظمة الحاكمة.

نحن نريد إعلاماً حراً وإعلاميين لا يكذبون ولا يجاملون ولا يتملقون ولا يخدعون من أجل البقاء في مناصبهم. فمن تملق نظاما بالأمس سيتملق النظام الجديد في الغد، ومن خدع الشعب في عصر سيخدع الشعب من جديد في أي عصر قادم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
جوزيف بشارة

مواد ذات الصله



تصويت

أرشد الإسلام إلى حسن استعمال النعم وعدم التبذير والإسراف، ما هو بنظرك أهم المؤسسات الفاعلة في نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك في الماء والكهرباء والطعام والشراب وغير ذلك؟

  • الأسرة
  • المدرسة
  • المؤسسات المعنية مثل(كهرماء)
  • وسائل الإعلام
  • غير ذلك