الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رؤية برجينسكي للتسوية

1671 0 599

علمتنا خبرات مشاريع التسوية المتراكمة على مدار عقود الصراع الصهيوني/ العربي، أن ازدحام الأروقة الدولية بمداخلات مدعي الغيرة على التسوية الفلسطينية قد تكون جعجعات صاخبة، يهدف معظمها للتغطية على فعل شرير يحاك لفلسطين وأهلها. تماماً على غرار المثل القائل: " كثرة خُطاب امرأة ما، تؤذن بعنوستها ".

نلحظ في هذه الأيام شيئاً قريباً من ذلك، ففي باريس يتحدثون عن إعداد مبادرة للتسوية قد تخرج في الخريف القادم. ومن واشنطن ترد أخبار عن انشغال إدارة الرئيس باراك أوباما، المحبط والغاضب، بتجهيز مبادرة أخرى. وتقول أنباء مجهولة المصدر: إن مفاوضات تجري في خفاء بين مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين للغرض ذاته.

وبالتوازي والتزامن، ثمة أحاديث عن استعدادات فلسطينية معززة عربياً لعرض الملف الفلسطيني مجدداً على مجلس أمن الأمم المتحدة. هذا إلى جانب الغموض الذي يغلف اقتراحاً تحمست له موسكو منذ فترة، بشأن عقد مؤتمر فيها على شاكلة صيغة أنابولس؛ التي لم يقدر لها النفاذ.

هذه نماذج من الجعجعات، أما الفعل الشرير الجاري بلا حياء، فهو في الحملة الإسرائيلية المسعورة لاستكمال تهويد القدس الشرقية من أطرافها قبل نهاية 2010، واستهداف السيطرة على قلب المدينة القديمة والحرم القدسي الشريف بحلول 2020.

ويفوح الشر أيضاً من نيات التهجير القسري لآلاف الفلسطينيين من الضفة، عبر تطبيق ما يعرف بالقانون 1650، ومن الاستعداد لاحتمال أن تفجر إسرائيل حرباً يرشح لها المتابعون واحدة من جبهتين: الأولى، واسعة ممتدة بدايتها في طهران ونهايتها في جنوب لبنان مروراً بنقاط سورية. والثانية، ضيقة مجالها قطاع غزة، بزعم استئصال حركة حماس وتقويض إمارتها هناك.

الوعي بمثل هذه الخلفية يبدو ضرورياً لاستقبال المشروع الذي طرحه زبيغنيو برجينسكي، مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، في صحيفة واشنطن بوست (11/4/2010).

وبرجينسكي قد لا ينتمي حرفياً إلى محور الأشرار من أصحاب مشروعات التسوية المغرضة؛ الرامية إلى إلهاء الناس عن ورشة الهدم والبناء والتخطيط للحروب المنصوبة إسرائيلياً.. لكنه أيضاً ليس من جماعة الأخيار المتحرقين إلى تسوية «عادلة» للقضية الفلسطينية.

الرجل ببساطة يرى أن التسوية الفلسطينية مطلوبة لصيانة المصالح الأميركية، لأن «احتلال الضفة وعزل قطاع غزة يعمقان استياء المسلمين من الولايات المتحدة، ويُصعبان تحقيق إدارة أوباما لأهدافها الدبلوماسية والعسكرية». وعليه، يدعو برجينسكي رئيسه أوباما إلى لفتة جريئة تولد زخماً سياسياً ونفسياً، كالذي ولدته زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس قبل ثلاثة وثلاثين عاماً.

والخطوة التي ستحقق هذه النقلة النوعية، هي في «زيارة يقوم بها أوباما إلى الكنيست الإسرائيلي في القدس والمجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله، وذلك بمشاركة الزعماء العرب واللجنة الرباعية ودبلوماسيين أميركيين وروس ومن الأمم المتحدة. ومن هناك، يدعو الرئيس الأميركي الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للاتفاق على وضع محدد في زمن محدد من أجل السلام».

هذا هو«شكل» الصدمة المثيرة التي يقدرها برجنيسكي لتحريك عملية السلام. أما «مضمون» ما ينبغي على أوباما طرحه، فيقوم على أربعة خطوط عريضة:

أولاً، حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بتعويضهم وإعادتهم إلى دولة فلسطين، وليس قطعاً إلى "إسرائيل".

ثانياً، تقاسم القدس كعاصمة لدولتين، مع بعض الترتيبات الدولية للبلدة القديمة.

ثالثاً، تعديلات حدودية وتبادل للأراضي على خطوط 1967، تسمح بدمج المستوطنات اليهودية في "إسرائيل".

رابعاً، نزع سلاح الدولة الفلسطينية، مع مرابطة قوات أميركية أو أطلسية على طول نهر الأردن ضماناً لأمن "إسرائيل".

لا ندري ما الذي جعل برجينسكي يجزم بأن صيغته «تنسجم مع خطة السلام العربية وتوجهات اللجنة الرباعية»، إذ ليس في الخطة العربية مثلاً ما يوجب حل قضية اللاجئين بالحيثية التي يطرحها. لكنه يتصور أن القبول بإزاحة حق العودة الفلسطيني، هو الدواء الذي على الفلسطينيين تجرعه، مقابل أن تتجرع "إسرائيل" دواءً مماثلاً حين تتخلى عن فكرة القدس الموحدة عاصمة أبدية لها. وهو بهذه المقاصة يقايض حقوقاً ثابتة للفلسطينيين في ملف اللاجئين، بحقوق ثابتة لهم أيضاً في ملف القدس، لتخرج "إسرائيل" بمكاسب صافية كعين الديك.

كذلك، يؤخذ على برجينسكي أنه لا يتصور رفض الحكومة الإسرائيلية لعرض يجمع القادة العرب واللجنة الرباعية بما فيها الأمم المتحدة، بزعامة الرئيس الأميركي في رحابها.. وكأن المطلوب هو إرضاء "إسرائيل" أو استرضاؤها، فيما أصل الأمور أنها الطرف العاصي لشرائع السماء (وقوانين) الأرض، المسؤول عن انتهاك حقوق الفلسطينيين (والعرب). ونحسب أن برجينسكي، وهو الاستراتيجي المحنك، يعلم يقيناً أنه ما هكذا تورد التسويات مع مثل هذا الطرف!

ولا يقل عن هذا إثارة للدهشة، أن نلحظ قناعة برجينسكي بضرورة نزع سلاح الدولة الفلسطينية المزمعة، وحشد قوات أميركية أو أطلسية لتأمين "إسرائيل" وحمايتها. لقد كان الأولى بهذا الخبير في شؤون الأمن القومي، أن يعطف (أو يشفق) على مستقبل فلسطين الدولة من تأثيرات قوة "إسرائيل" التي يدرك مدى تفوقها الكاسح على كل الصعد.

الشاهد أنه لا فرق يذكر بين ما عُرض على الراحل ياسر عرفات في كامب ديفيد قبل عشر سنوات، وبين ما يقترحه برجينسكي اليوم. لكن بيت القصيد وراء محاولة بيع هذه البضاعة المزجاة، يكمن في عبارة ما انفك الرجل يرددها متهكماً منذ بضع سنوات:" .. العرب لا يريدون التفاوض ولا يستعدون لشن الحرب.. كيف ذلك؟".. وبدورنا نردد؛ نعم كيف ذلك؟!.

ـــــــــ

الخليج الإماراتية

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري