تسيبي ليفني: القبض على تقصير عربي

1585 0 444

يسترعي الانتباه أن الأمر القضائي البريطاني باعتقال الوزيرة السابقة تسيبي ليفني، قد مر دون ردود فعل عربية تذكر. نستذكر هنا أنه في أثناء الحرب على غزة قبل عامين تعالت أصوات عربية بعضها رسمي، تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب. الجامعة العربية تبنت هذه الدعوة في حينه وشكلت لهذا الغرض ما يشبه خلية عمل، فلما طرأ تطور مهم مثل الأمر القضائي بإلقاء القبض على الوزيرة الفخورة بالحرب على غزة، والتي دارت في أثناء توليها حقيبة الخارجية تحت رئاسة إيهود أولمرت، فقد تم تجاهل هذا الحدث.. فهل المقصود بهذا التجاهل، أن الجامعة مثلاً وأطرافاً عربية أخرى ممانعة وغير ممانعة، تريد أن تتولى بنفسها أمر هذه المحاكمة، وأنه لا يعنيها أو يكفيها أن تنبري جهة قضائية ما في عالمنا بأداء هذه المهمة؟.

تل أبيب التي لا تعرف لغة الشجب والاستنكار، سارعت إلى الطلب من لندن الاعتذار وتعديل نظامها القضائي. تحقق أكثر من نصف هذين المطلبين، فقد عمد رئيس الحكومة البريطانية غوردون براون للاعتذار إلى ليفني شخصياً (رغم أنها لا تحمل صفة رسمية حالياً)، فيما أكد الرجل للوزيرة التي أصيب "كبرياؤها" بمقتل، أنه عازم على تغيير النظام القضائي في بلاده، وهو أمر يرقى إلى تسييس القضاء في إحدى أعرق الديمقراطيات الغربية، خاصة أن السيدة المتهمة لا تتمتع بحصانة كونها لا تتقلد منصباً رسمياً. وقد شهدت بلجيكا قبل سنوات حدثاً مماثلاً في دعوى بإلقاء القبض على شارون رفعها عليه بعض جرحى وذوي ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا، فقد كان شارون في تلك الأثناء قبل أكثر من ست سنوات رئيساً للوزراء. لكن بروكسل رضخت في النتيجة لضغوط صهيونية وقامت بتعديل نظامها القضائي، بحيث لا يشمل الجرائم التي ترتكب ضد غير البلجيكيين وممن لا يقيمون في بلجيكا.

أكاديمي أردني مختص بالقانون الدولي (عيسى الدباح) عبّر في ندوة حول القدس في رابطة الكتاب الأردنية الأربعاء الماضي، عن خشيته بأن يكون القصد من أمر الاعتقال بحق الوزيرة الصهيونية، هو فتح الباب لتعديل النظام القضائي. وبصرف النظر عن النوايا في هذا المقام، فلم يرشح بعد مضي أسبوع على إصدار هذا الأمر بأنه قد تم طيه، فظلت مفاعيله القانونية سارية في حال قامت المتهمة بزيارة المملكة المتحدة، وهو ما أثار ثائرة زعماء في تل أبيب منهم رئيس دولتهم بطل مجزرة قانا شيمون بيريز، الذي وصف القرار القضائي بأنه من "الخطايا الكبرى لبريطانيا". ولما كانت الجرائم تلاحق أركان الكيان من سياسيين وعسكريين، فإنه يمكن فهم درجة الحنق العالية لهؤلاء إزاء هذه التطورات القضائية، ذات المفعول السياسي والمعنوي الفوري، وذلك بما تنطوي عليه من تذكير الرأي العام الأوروبي بالجرائم المرتكبة وبهوية مرتكبيها.

وباستثناء الاهتمام الذي أولته القليل من وسائل الإعلام العربية لذلك الحدث، فقد مر من دون أصداء تذكر في العالم العربي، رغم أن الجرائم موضع توجيه الاتهام وقعت في أراضٍ عربية وضد عرب مدنيين. وكان وما زال يتعين التعامل مع مثل هذه التطورات بما يخدم المواجهة السياسية والأخلاقية مع دولة الاحتلال. علماً أن مبادرة جهات قضائية أوروبية بتوجيه الاتهام إلى أركان الكيان، يزكي في الأساس المطالبات العربية بمحاكمة مجرمي الحرب.

والتقصير هنا لا يتوقف عند الجهات الرسمية (وبعض هذه الجهات لا يزال يستقبل مسؤولين من "إسرائيل"، فلا ينتظر أحد أن يتم تحرك في الاتجاه المعاكس لهذه الجهات)، إذ إن التقصير يشمل هيئات ذات طابع قانوني مثل اتحاد المحامين العرب، الذي ينشط في عقد مؤتمرات خطابية موسمية، لكنه يتقاعس عن خوض مواجهات قضائية هي من صميم مسؤولياته، وكذلك العشرات من منظمات حقوق الإنسان المبثوثة في أرجاء العالم العربي، التي لا تنبري لخوض مواجهات منسقة ومديدة مع عتاة الغزاة، وفي المحصلة فإن المبادرات القضائية الأوروبية إذ تتعرض لهجوم كاسح ومنظم من الدوائر الصهيونية، فإنها لا تجد إلا القليل من رجع الصدى الإعلامي العربي، ولكن مع افتقاد حاضنة قانونية وسياسية من مؤسسات وهيئات عربية، بما يسمح بأن تبلغ تلك المبادرات غايتها في جلب الجناة إلى قفص العدالة.

خلال العقد الأخير جرت أكثر من محاكمة رمزية لمجرمي الحرب، بتنظيم من اتحادات محامين وبالذات في القاهرة، لكن هناك خشية من أن فرصة إجراء محاكمة فعلية على أرض غير عربية باتت مهدة بالتبدد، وبعض المسؤولية عن ذلك تقع على أطراف عربية في مقدمها الطرف المعني مباشرة وهو الطرف الفلسطيني، نتيجة تقاعسها وجهلها بآليات دعم دعاوى قضائية في دول غربية، وركونها إلى الخطابة السياسية العاطفية، أو الاستغراق بالتمتع بمحاكمة رمزية وصورية تؤدي حسب مصطلح النقد المسرحي إلى الشعور بالتطهير والإشباع النفسي الإيجابي، ولو أن مجرمي الحرب ما زالوا طليقين، يرتكبون الجرائم ويهددون باقتراف المزيد منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة الخليج الإماراتية

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري