سلاح المقاومة في مناقصة صهيونية أمريكية وعربية

1709 0 344

 سلاح "حماس" والمقاومة سلاح إرهابي، وعلى السلطة الفلسطينية واجب نزعه وتدمير البنى التحتية للقوى والفصائل التي تحمله. أما استئناف عملية التسوية السياسية وإطلاق المفاوضات مجدداً، فغير ممكن من دون قيام السلطة بما عليها تجاه "خريطة الطريق"، أي وقف الإرهاب وتفكيك قواه.

خطاب "إسرائيلي" ممل تردد على الأسماع منذ "اتفاق أوسلو" وتبادل رسائل الاعتراف (بين منظمة التحرير و"إسرائيل")، وارتفعت حدّته أكثر منذ إعادة اجتياح مناطق السلطة (نهاية مارس 2002) وحصار الرئيس ياسر عرفات في مقره في مدينة رام الله.

وخطاب الشروط الانتحارية هذا هو نفسه الذي كان في أساس إسقاط الاعتراف الصهيوني- الأمريكي بياسر عرفات، وعزله سياسياً، عقاباً له على عدم الصدام بالمقاومة، والضغط لإحداث منصب رئيس الوزراء لمجرد تجريد عرفات من سلطاته (وهو بالمناسبة منصب شكلي اليوم لزوال الحاجة إليه).

قبل ربيع العام 2002، كان الخطاب "الإسرائيلي" يخيّر السلطة بين أمرين: أن تجرّد المقاومة من سلاحها أو أن تقوم "إسرائيل" باجتياح أراضي السلطة لتفعل ذلك هي بنفسها. لم تستجب سلطة ياسر عرفات فاجتاحت "إسرائيل" مدن وقرى ومخيمات الضفة، وجرّبت مراراً اجتياح غزة دون أن تفلح. والنتيجة؟ دمّرت، وأحرقت، وقتلت، وأسرت، واغتالت، ومزّقت أوصال المناطق الفلسطينية، وخرّبت كل شروط الحياة، لكن المقاومة استمرت، وظلت صواريخها تتحدى جدار العزل العنصري لتضرب التجمعات السكانية "الإسرائيلية" في عمق فلسطين المحتلة ولتضرب المستوطنات في قلب غزة والضفة. ثم ما كان من الاحتلال إلا أن يحزم أغراضه ويفر من جحيم المقاومة في غزة كما فرّ من جنوب لبنان.

وها هو اليوم يطلب من السلطة من جديد ما عجز بنفسه عن تحقيقه بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من إعادة الاجتياح. وإذا كان مما يبتغيه من توريط السلطة في معركة تجريد المقاومة من السلاح حفظ أمنه، وتكريس السلطة شرطة حدود تحمي أمنه وأمن مستوطنيه، فإن مما يبتغيه من ذلك  أيضاً  جرّ السلطة والمقاومة إلى صدام عنيف يتولّد عنه صراع أعمّ بل حرب أهلية داخلية يتفرغ فيها الفلسطينيون لأنفسهم فيوفرون أمن الدولة الصهيونية.

كان من حسن حظ "إسرائيل" وشارون أن الإدارة الأمريكية المحافظة ليست أقل صهيونية من "ليكود" وحلفائه المتطرفين. فقد تفوقت إدارة بوش على نفسها في إبداء الانحياز غير المشروط للرواية "الإسرائيلية" حيال ما يجري في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 67: أدرجت القمع الصهيوني للانتفاضة ضمن الحرب العالمية على الإرهاب، وأجازت القتل والدمار والعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين تحت عنوان "حق إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، وأسقطت عملية التسوية محدّدة للتفاوض سقفاً لا يتخطاه: التنسيق الأمني، ثم باركت عملية عزل ياسر عرفات وغضت الطرف عن تصفيته البدنية تسميماً. وخلال معظم ولايتها الأولى وأوائل هذه الولاية الثانية، ما اهتمَّت إدارة بوش إلا بكيل المدائح ل "بطل السلام" شارون والانشغال بسلاح "المنظمات الإرهابية" بوصفه كل شيء في قضية فلسطين!.

ليس في حرارة العلاقة الأمريكية- "الإسرائيلية" ما يدعو إلى استفهام أو عجب، فالتيار الليكودي يحكم في واشنطن كما يحكم في "إسرائيل"، والخلافات بين الدولتين تضاءلت إلى مستوى الخلاف حول حجم القتل: بالجملة  كما يريد شارون وموفاز ونتنياهو  أو بالتقسيط كما يريد أركان السلطة في البيت الأبيض! الذي يدعو إلى ذلك الاستفهام أن تبلع أوروبا وروسيا  والأمم المتحدة كل تحفظاتها على السياستين الأمريكية و"الإسرائيلية" فتجاريهما دون قيد أو شرط! بدأ ذلك محتشماً غداة تأييد الخطة الأمريكية (خريطة الطريق)، فتبنيها من قبل "الرباعية"، وهو اليوم يبدو أوضح مع انضمام دول الرباعية إلى تأييد موقف شارون من مشاركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، بل الذهاب بهذا الموقف إلى أبعد حد متوقع في الساحة الدولية: إسقاط حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وحسبان ذلك "إرهاباً" على نحو ما انتهى إليه الموقف "الدولي" في الأمم المتحدة بمناسبة ذكراها الستين (التي لم تسفر عن إصلاح وُعد به ولا بشيء قريب من هذا المعنى غير الانقضاض على حقوق للشعوب المحتلة أراضيها كانت  أي الحقوق  مكفولة بمقتضى القانون الدولي!).

الأدهى والأشد مرارة من ذلك كله موقف السياسة الرسمية العربية من حق شعب فلسطين في مقاومة الاحتلال. في زمن ليس بعيداً، ولا تفصلنا عنه سنوات كثيرة، استقر الموقف العربي على صيغة لم تكن بعيدة كثيراً عما نادت به منظمة التحرير: حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه بكافة الوسائل. ثم لم يلبث أن انتقل  بعد "مؤتمر مدريد" و"اتفاق أوسلو" و"وادي عربة"  إلى القول بمبدأ "السلام خيار استراتيجي" دون جهرٍ صريح بإسقاط خيار المقاومة (بدليل أن قمتي القاهرة وعمّان في العامين 2000 و2001 أيَّدَتا الانتفاضة وأعلنتا -ولو لفظيّاً- دعمها). وفجأة، ودون تقديم مقدمات وتمهيد أصول (كما يقول علماء أصول الفقه)، انتقل انتقالته المفاجئة من شعار (السلام خيار استراتيجي) لا يهيل التراب على فكرة أو خيار المقاومة جهراً إلى سياسة شديدة الوضوح في تعبيرها عن الانحياز للتفاوض سبيلاً وحيداً وأوحد ل "استعادة" الأرض والحقوق.

فعلت السياسة العربية ذلك من دون أن تأخذ رأي الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية في الاعتبار كعادتها. وما إن "جَلَتْ" قوات الاحتلال عن غزة، حتى سارع بعض دول عرب اليوم إلى فتح باب المصافحات واللقاءات وتبادل الأنخاب السياسية مع الكيان الصهيوني تمهيداً لاستئناف علاقات التطبيع معه. وقد فات ذلك البعض  ربما  أنه لم يبع بموقفه حق الشعب الفلسطيني في المقاومة فحسب، بل باع حتى حقّ السلطة الفلسطينية في تفاوض متوازن، وقدّم لأمريكا و"إسرائيل" ما تبرّران به موقفهما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخليج الإماراتية9/10

 

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري