العقيدة

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: 1406هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة: الجزء السابع
فصل قال الرافضي [1] : " البرهان السابع : قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) [ سورة الشورى : 23 ] روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : " علي وفاطمة [ وابناهما ] [2] . وكذا [3] في تفسير الثعلبي ، ونحوه في الصحيحين . وغير علي [4] من الصحابة والثلاثة لا تجب مودته [5] ، فيكون علي أفضل ، فيكون هو الإمام ، ولأن مخالفته تنافي المودة ، وبامتثال أوامره تكون مودته [6] ، فيكون واجب الطاعة ، وهو معنى الإمامة " [7] . والجواب من وجوه : أحدها : المطالبة بصحة هذا [8] الحديث . وقوله : [ ص: 96 ] " إن أحمد روى هذا في مسنده " كذب بين ، فإن [ هذا ] [9] مسند أحمد موجود ، به [10] من النسخ ما شاء الله ، وليس فيه هذا الحديث . وأظهر من ذلك كذبا قوله : إن نحو [11] هذا في الصحيحين ، وليس هو في الصحيحين ، بل فيهما وفي المسند ما يناقض ذلك . ولا ريب أن هذا الرجل وأمثاله جهال بكتب أهل العلم ، لا يطالعونها ولا يعلمون ما فيها . ورأيت بعضهم جمع لهم كتابا [12] في أحاديث من كتب متفرقة ، معزوة تارة إلى الصحيحين ، وتارة إلى مسند أحمد ، وتارة إلى المغازلي [13] والموفق خطيب خوارزم والثعلبي وأمثاله ، وسماه " الطرائف في الرد على الطوائف " . وآخر صنف كتابا لهم سماه " العمدة " واسم مصنفه ابن البطريق . وهؤلاء مع كثرة الكذب فيما يروونه ، فهم أمثل حالا من أبي جعفر محمد بن علي الذي صنف لهم وأمثاله ، فإن هؤلاء يروون من الأكاذيب ما لا يخفى إلا على من هو من أجهل الناس . ورأيت كثيرا من ذلك المعزو الذي عزاه أولئك إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلا لا حقيقة له ، يعزون إلى مسند أحمد ما ليس فيه أصلا . لكن أحمد صنف كتابا في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي [ وغيرهم ] [14] ، وقد يروي في هذا الكتاب ما ليس في المسند . وليس كل [ ص: 97 ] ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده ، بل يروي ما رواه أهل العلم ، وشرطه في المسند أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده ، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف ، وشرطه في المسند مثل شرط أبي داود في سننه . وأما كتب الفضائل فيروي [15] ما سمعه من شيوخه ، سواء كان صحيحا أو ضعيفا ، فإنه لم يقصد أن لا يروي في ذلك إلا ما ثبت عنده . ثم زاد ابن أحمد زيادات ، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات . وفي زيادات القطيعي زيادات كثيرة [ كذب ] [16] موضوعة ، فظن الجاهل أن تلك من رواية أحمد ، وأنه رواها في المسند . وهذا خطأ قبيح ; فإن الشيوخ المذكورين شيوخ القطيعي ، وكلهم [17] متأخر عن أحمد ، وهم ممن يروي عن أحمد ، لا ممن يروي أحمد عنه . وهذا مسند أحمد وكتاب " الزهد " له ، وكتاب " الناسخ والمنسوخ " وكتاب " التفسير " وغير ذلك من كتبه ، يقول : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الرزاق . فهذا أحمد . وتارة يقول : حدثنا أبو معمر القطيعي ، حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا أبو نصر التمار ، فهذا عبد الله . وكتابه في " فضائل الصحابة " له [18] فيه هذا وهذا ، وفيه من زيادات القطيعي . يقول : حدثنا أحمد بن عبد الجبار الصوفي وأمثاله ، ممن هو مثل عبد الله بن أحمد في الطبقة ، وهو ممن غايته أن يروي عن أحمد ، فإن أحمد ترك الرواية في آخر عمره ; لما طلب الخليفة أن يحدثه ويحدث ابنه [ ص: 98 ] ويقيم عنده ، فخاف على نفسه من فتنة الدنيا ، فامتنع من الحديث مطلقا ليسلم من ذلك ; ولأنه [19] كان قد حدث بما كان عنده قبل ذلك ، فكان يذكر الحديث بإسناده بعد شيوخه ، ولا يقول : حدثنا فلان ، فكان من يسمعون منه ذلك يفرحون بروايته عنه . فهذا القطيعي يروي عن شيوخه زيادات ، وكثير منها [20] كذب موضوع . وهؤلاء قد وقع لهم هذا الكتاب ولم ينظروا ما فيه من فضائل سائر [21] الصحابة ، بل اقتصروا على ما فيه من فضائل علي ، [22] ، وكلما زاد حديثا ظنوا أن القائل ذلك هو أحمد بن حنبل ، فإنهم لا يعرفون الرجال وطبقاتهم ، وأن شيوخ القطيعي يمتنع أن يروي أحمد [23] عنهم شيئا ، ثم إنهم [24] لفرط جهلهم ما سمعوا كتابا إلا المسند ، فلما ظنوا أن أحمد رواه ، وأنه إنما يروي في [25] المسند ، صاروا يقولون لما رواه القطيعي : رواه أحمد في المسند . هذا إن لم يزيدوا على القطيعي ما لم يروه ، فإن الكذب عندهم [26] غير مأمون ، ولهذا يعزو صاحب " الطرائف " وصاحب " العمدة " أحاديث يعزوها [27] إلى أحمد ، لم يروها أحمد لا في هذا ولا في هذا ، ولا سمعها أحد [28] [ ص: 99 ] قط . وأحسن حال هؤلاء أن تكون تلك مما رواه القطيعي ، وما رواه القطيعي فيه من الموضوعات القبيحة الوضع ما لا يخفى على عالم . ونقل هذا الرافضي من جنس صاحب كتاب " العمدة " و " الطرائف " فما أدري نقل منه [29] أو عمن [30] ينقل عنه ، وإلا فمن له بالنقل أدنى معرفة يستحيي أن يعزو مثل هذا الحديث إلى مسند أحمد والصحيحين ، والصحيحان والمسند نسخهما ملؤ الأرض ، وليس هذا في شيء منها . وهذا الحديث لم يرو في شيء من كتب العلم المعتمدة أصلا ، وإنما يروي مثل هذا من يحطب بالليل ، كالثعلبي وأمثاله ، الذين يروون الغث والسمين بلا تمييز . الوجه الثاني : أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، وهم المرجوع إليهم في هذا . وهذا [31] لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها [32] . الوجه الثالث : أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة ، بل جميع آل حم مكيات ، وكذلك آل طس . ومن المعلوم أن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر ، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة ، والحسين في السنة الرابعة ، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة ، فكيف يفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق [ بعد ] [33] ؟ ! . [ ص: 100 ] الوجه الرابع : أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك . ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) [ سورة الشورى : 23 ] ، فقلت : أن لا تؤذوا [34] محمدا في قرابته . فقال ابن عباس : عجلت ، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم قرابة ، فقال : لا أسألكم عليه أجرا ، لكن [ أسألكم ] أن تصلوا [35] القرابة التي بيني وبينكم [36] . فهذا ابن عباس ترجمان القرآن ، وأعلم أهل البيت بعد علي ، يقول : ليس معناها مودة ذوي القربى ، لكن معناها : لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرا ، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم ، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولا أن يصلوا رحمه ، فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه [37] . [ ص: 101 ] الوجه الخامس : أنه قال : لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ، لم يقل : إلا المودة للقربى ، ولا المودة لذوي القربى . فلو أراد المودة لذوي القربى لقال : المودة لذوي القربى ، كما قال : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) [ سورة الأنفال : 41 ] وقال : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ) [ سورة الحشر : 7 ] . وكذلك قوله : ( فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) [ سورة الروم : 38 ] ، وقوله : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى ) [ سورة البقرة : 177 ] وهكذا في غير موضع . فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذوي قربى الإنسان إنما قيل فيها : ذوي القربى ، لم يقل : [ في ] القربى [38] . فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى . الوجه السادس : أنه لو أريد المودة لهم ; لقال : المودة لذوي القربى ، ولم يقل : في القربى . فإنه لا يقول من طلب المودة لغيره : أسألك المودة في فلان ، ولا في قربى فلان ، ولكن أسألك المودة لفلان والمحبة لفلان . فلما قال : المودة في القربى ، علم أنه ليس المراد [39] لذوي القربى .
السابق

|

| من 151

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة