شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الرابع عشر لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 311 ] الحديث الرابع عشر

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البخاري ومسلم .

الحاشية رقم: 3
وأما التارك لدينه المفارق للجماعة ، فالمراد به من ترك الإسلام ، وارتد عنه ، وفارق جماعة المسلمين ، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان ، وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة وحكم الإسلام لازم له بعدها ، ولهذا يستتاب ، ويطلب منه العود إلى الإسلام ، وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين العلماء .

وأيضا فقد يترك دينه ، ويفارق الجماعة ، وهو مقر بالشهادتين ، ويدعي الإسلام ، كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام ، أو سب الله ورسوله ، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك ، وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من بدل دينه فاقتلوه .

ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء ، ومنهم من قال : لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساء أهل الحرب في الحرب ، وإنما تقتل رجالهم ، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي ، والجمهور فرقوا بينهما ، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام ، ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب ، كالشيخ الفاني والزمن والأعمى ، ولا يقتلون في الحرب .

[ ص: 319 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " التارك لدينه المفارق للجماعة " يدل على أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام ، لم يقتل ، لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه ، ولا مفارق للجماعة .

فإن قيل : بل استثناء هذا ممن يعصم دمه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل ولو كان مقرا بالشهادتين ، كما يقتل الزاني المحصن ، وقاتل النفس ، وهذا يدل على أن المرتد لا تقبل توبته ، كما حكي عن الحسن ، أو أن يحمل ذلك على من ارتد ممن ولد على الإسلام ، فإنه لا تقبل توبته ، وإنما تقبل توبة من كان كافرا ، ثم أسلم ، ثم ارتد على قول طائفة من العلماء ، منهم : الليث بن سعد ، وأحمد في رواية عنه ، وإسحاق ، قيل : إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه كما سبق تقريره ، وليس هذا كالثيب الزاني ، وقاتل النفس ، لأن قتلهما وجب عقوبة لجريمتهما الماضية ، ولا يمكن تلافي ذلك .

وأما المرتد ، فإنما قتل لوصف قائم به في الحال ، وهو ترك دينه ومفارقة الجماعة ، فإذا عاد إلى دينه ، وإلى موافقة الجماعة ، فالوصف الذي أبيح به دمه قد انتفى ، فتزول إباحة دمه ، والله أعلم .

فإن قيل : فقد خرج النسائي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل متعمدا فيقتل ، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة .

قيل : قد خرج أبو داود حديث عائشة بلفظ آخر ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله [ ص: 320 ] إلا في إحدى ثلاث : زنى بعد إحصان فإنه يرجم ، ورجل خرج محاربا لله ورسوله ، فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض ، أو يقتل نفسا فيقتل بها .

وهذا يدل على أن من وجد منه الحراب من المسلمين ، خير الإمام فيه مطلقا ، كما يقوله علماء أهل المدينة مالك وغيره ، والرواية الأولى قد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإسلام خروجه عن أحكام الإسلام ، وقد تحمل على ظاهرها ، ويستدل بذلك من يقول : إن آية المحاربة تختص بالمرتدين ، فمن ارتد وحارب ، فعل به ما في الآية ، ومن حارب من غير ردة ، أقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة ، وهذا رواية عن أحمد لكنها غير مشهورة عنه ، وكذا قال طائفة من السلف : إن آية المحاربة تختص بالمرتدين ، منهم أبو قلابة وغيره .

وبكل حال ، فحديث عائشة ألفاظه مختلفة ، وقد روي عنها مرفوعا ، وروي عنها موقوفا ، وحديث ابن مسعود لفظه لا اختلاف فيه ، وهو ثابت متفق على صحته ، ولكن يقال على هذا : إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث : فمنها في اللواط ، وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اقتلوا الفاعل والمفعول به وأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد ، وقالوا : إنه موجب للقتل بكل حال ، محصنا كان أو غير محصن ، وقد روي عن عثمان أنه قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع ، فذكر الثلاثة المتقدمة ، وزاد : ورجل عمل عمل قوم لوط .

[ ص: 321 ] ومنها من أتى ذات محرم ، وقد روي الأمر بقتله ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل من تزوج بامرأة أبيه ، وأخذ بذلك طائفة من العلماء ، وأوجبوا قتله مطلقا محصنا كان أو غير محصن .

ومنها الساحر ، وفي " الترمذي " من حديث جندب مرفوعا : " حد الساحر ضربة بالسيف " وذكر أن الصحيح وقفه على جندب ، وهو مذهب جماعة من العلماء ، منهم عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق ، ولكن هؤلاء يقولون : إنه يكفر بسحره ، فيكون حكمه حكم المرتدين .

ومنها قتل من وقع على بهيمة ، وقد ورد فيه حديث مرفوع ، وقال به طائفة من العلماء .

[ ص: 322 ] ومنها من ترك الصلاة ، فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم : إنه ليس بكافر ، وقد سبق ذكر ذلك مستوفى .

ومنها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة ، وقد ورد الأمر به عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ، وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالشارب في المرة الرابعة ، فلم يقتله وفي " صحيح البخاري " أن رجلا كان يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر ، فلعنه رجل ، وقال : ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تلعنه ، فإنه يحب الله ورسوله " ولم يقتله بذلك .

وقد روي قتل السارق في المرة الخامسة ، وقيل : إن بعض الفقهاء ذهب إليه .

[ ص: 323 ] ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا بويع لخليفتين ، فاقتلوا الآخر منهما " خرجه مسلم من حديث أبي سعيد ، وقد ضعف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها .

ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم : " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد ، فأراد أن يشق عصاكم ، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " وفي رواية : " فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان " وقد خرجه مسلم أيضا من رواية عرفجة .

ومنها : من شهر السلاح ، فخرج النسائي من حديث ابن الزبير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من شهر السلاح ثم وضعه ، فدمه هدر " وقد روي عن ابن الزبير مرفوعا وموقوفا . وقال البخاري : إنما هو موقوف .

وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث ، فقال : ما أدري ما هذا . وقال إسحاق بن راهويه : إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس ، فقد حل قتله ، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال [ ص: 324 ] والنساء والذرية . وقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق ، فخرج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلاما شهر السيف على مولاه في إمرة سعيد بن العاص ، وتفلت به عليه ، فأمسكه الناس عنه ، فدخل المولى على عائشة ، فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله ، فقد وجب دمه " فأخذه مولاه فقتله ، وقال : صحيح على شرط الشيخين .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قتل دون ماله ، فهو شهيد ، وفي رواية : ومن قتل دون دمه فهو شهيد .

فإذا أريد مال المرء أو دمه ، دافع عنه بالأسهل . هذا مذهب الشافعي وأحمد ، وهل يجب أن ينوي أنه لا يريد قتله أم لا ؟ فيه روايتان عند الإمام أحمد .

وذهب طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه ، أبيح له قتله ابتداء ، ودخل على ابن عمر لص ، فقام إليه بالسيف صلتا ، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه ، لقتله .

وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة ، قال : اقتله بأي قتلة قدرت عليه ، وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى هاربا من غير جناية ، منهم أيوب السختياني .

وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدار [ ص: 325 ] حرمك ، فمن دخل عليك حرمك ، فاقتله " ولكن في إسناده ضعف .

ومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين ، وقد توقف فيه أحمد ، وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك ، وابن عقيل من أصحابنا ، ومن المالكية من قال : إن تكرر ذلك منه أبيح قتله ، واستدل من أباح قتله بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم بأخذ حذرهم فاستأذن عمر في قتله ، فقال : إنه شهد بدرا فلم يقل : إنه لم يأت بما يبيح دمه ، وإنما علل بوجود مانع من قتله ، وهو شهوده بدرا ومغفرة الله لأهل بدر ، وهذا المانع منتف في حق من بعده . ومنها ما خرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ضرب أباه فاقتلوه " وروي مسندا من وجه آخر لا يصح .

واعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر ، كحديث " من ضرب أباه فاقتلوه " ، وحديث : " قتل السارق في المرة الخامسة " وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود ، وذلك أن حديث ابن مسعود تضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث [ ص: 326 ] خصال : إما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين ، وإما أن يزني وهو محصن ، وإما أن يقتل نفسا بغير حق .

فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع : ترك الدين ، وإراقة الدم المحرم ، وانتهاك الفرج المحرم ، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها .

فأما انتهاك الفرج المحرم ، فقد ذكر في الحديث أنه الزنا بعد الإحصان ، وهذا - والله أعلم - على وجه المثال ، فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح ، فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه ، أبيح دمه ، وقد ينتفي شرط الإحصان ، فيخلفه شرط آخر ، وهو كون الفرج لا يستباح بحال ، إما مطلقا كاللواط ، أو في حق الواطئ ، كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره ، فهذا الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفا عنه ؟ هذا هو محل النزاع بين العلماء والأحاديث دالة على أنه يكون خلفا عنه ، ويكتفى به في إباحة الدم .

وأما سفك الدم الحرام ، فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء ، كتفريق جماعة المسلمين ، وشق العصا ، والمبايعة لإمام ثان ، ودل الكفار على عورات المسلمين ؟ هذا هو محل النزاع . وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا .

وكذلك شهر السلاح لطلب القتل : هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا ؟ فابن الزبير وعائشة رأياه قائما مقام القتل الحقيقي في ذلك .

وكذلك قطع الطريق بمجرده : هل يبيح القتل أم لا ؟ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة ، وقول الله عز وجل : من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا [ المائدة : 32 ] ، يدل على أنه إنما يباح قتل [ ص: 327 ] النفس بشيئين : أحدهما : بالنفس ، والثاني : بالفساد في الأرض ، ويدخل في الفساد في الأرض : الحراب والردة ، والزنا ، فإن ذلك كله فساد في الأرض ، وكذلك تكرر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة . وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حده ثمانين ، وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف الموجب لجلد الثمانين ، ولما قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم ، ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال : " إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه : - يعني إذا شرب - فيضربه بالسيف " ، وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك ، فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته ، لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق هذا هو محل النزاع .


الحـــواشي 1  2  3  4  
السابق

|

| من 1

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة