الخليفة،
أبو الفضل ، جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور ، القرشي العباسي البغدادي .
ولد سنة
خمس ومائتين
.
وبويع عند موت أخيه الواثق في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين :
حكى عن : أبيه ، ويحيى بن أكثم .
وكان أسمر جميلا ، مليح العينين ، نحيف الجسم ، خفيف
العارضين ، رَبْعَة ، وأمه اسمها شجاع .
قال خليفة بن خياط : استخلف المتوكل ، فأظهر السنة ، وتكلم بها في مجلسه ، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة ، وبسط السُّنة ، ونصْرِ
أهلها . وقد قدم المتوكل دمشق في صفر سنة 244 فأعجبته ، وعزم على
المقام بها ، ونقل دواوين الملك إليها ، وأمر بالبناء بها ، وأمر للأتراك
بمال رضوا به ، وأنشأ قصرا كبيرا بدارَيَّا مما يلي المِزَّة .
قال علي بن الجهم : كانت للمتوكل جُمَّة
إلى شحمة أذنيه مثل
أبيه والمأمون .
وقال الفسوي : رجع من دمشق بعد شهرين إلى سامراء .
وقيل : نُعِتَتْ له دمشق ، وأنها توافق مزاجه ، وتذهب علله التي تعرض له بالعراق .
قال خليفة
وحج بالناس قبل الخلافة .
وكان قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي يقول : الخلفاء ثلاثة :
أبو بكر يوم الردة ، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم من بني أمية ،
والمتوكل في محو البدع ، وإظهار السُنَّة .
وقال يزيد بن محمد المهلبي : قال لي المتوكل : إن الخلفاء كانت تتصعب على الناس ليطيعوهم ،
وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني .
وحكى الأعسم
أن علي بن الجهم دخل على المتوكل ، وبيده
دُرَّتَان يقلبهما ، فأنشده قصيدة له ، فدحا
إليه بالواحدة فقلبتها ،
فقال : تستنقص بها ؟ هي والله خير من مائة ألف . فقلت : لا والله ، لكني فكرت في أبيات آخذ بها الأخرى . وأنشأت أقول :
بِسُـرَّ مــَنْ رأى إمـام
عــدْل
إلا أتــت مثلهـــا اليســارُ
فدحا بها إليَّ ، وقال : خذها ، لا بارك الله لك فيها .
قال الخطيب
ورويت هذه للبحتري في المتوكل .
وعن مروان بن أبي الجنوب أنه مدح المتوكل بقصيدة ، فوصله بمائة وعشرين ألفا وثياب .
قال علي بن الجهم : كان المتوكل مشغوفا بقبيحة لا يصبر عنها .
فوقفت له وقد كتبت على خدها بالغالية
" جعفر " ، فتأملها ، ثم أنشأ
يقول :
وكاتبـةٍ بالمِسـك فـي الخـدِّ جـعفرا
لقـد أودعـتْ قلبـي مـن الحُبِّ أسطُرا
وفي أول خلافته كانت الزلزلة بدمشق ، سقط شرفات الجامع ،
وانصدع حائط المحراب ، وهلك خلق تحت الردم ، دامت ثلاث
ساعات ، وهرب الناس إلى المصلى يستغيثون .
وقال أحمد بن كامل
في " تاريخه " : ومات تحت الهدم معظم
أهلها ، كذا قال ، وامتدت إلى الجزيرة ، وهلك بالموصل خمسون ألفا ،
وبأنطاكية عشرون ألفا ، وبُلِي ابن أبي دؤاد بالفالج .
وفي سنة 234 أظهر المتوكل السنة ، وزجر عن القول بخلق
القرآن ، وكتب بذلك إلى الأمصار ، واستقدم المحدثين إلى سامراء ،
وأجزل صِلاتهم ، ورووا أحاديث الرؤية والصفات
. ونزع الطاعة محمد
بن البُعَيْث نائب أذربيجان وأرمينية ، فسار لحربه بُغا الشرابي ، ثم بعد
فصول أسر .
وفي سنة 235 ألزم المتوكل النصارى بلبس العَسَلِيّ .
وفي سنة ست أحضر القضاة من البلدان ليعقد بولاية العهد لبنيه :
المنتصر محمد ، ثم للمعتز ، ثم للمؤيد إبراهيم . وكانت الوقعة بين
المسلمين والروم ، ونصر الله .
وفي سنة ست وثلاثين هدم المتوكل قبر الحسين -رضي الله عنه- .
فقال البسامي
أبياتا منها :
أسِفُوا على أن لا يكونوا شاركوا
فـي قتلـه فتَتَبَّعُـوه رَميمـا
وكان المتوكل فيه نصب وانحراف ، فهدم هذا المكان وما حوله من
الدور ، وأمر أن يزرع ، ومنع الناس من انتيابه .
قال ابن خلكان : هكذا قاله أرباب التواريخ . وفي سنة سبع قتلت
الأمراء عامل أرمينية يوسف ، فسار لحربهم بغا الكبير ، فالتقوا ، وبلغت
المقتلة ثلاثين ألفا
. وعفَّى قبر الشهيد الحسين وما حوله من الدور .
فكتب الناس شتم المتوكل على الحيطان ، وهجته الشعراء كدعبل وغيره .
وبعث المتوكل إلى نائبه بمصر ، فحلق لحية قاضي القضاة محمد بن أبي
الليث ، وضربه ، وطوَّف به على حمار في رمضان ، وسُجن ، وكان ظلوما
جهميا ، ثم ولي القضاء الحارث بن مسكين ، فكان يضربه كل حين
عشرين سوطا ليؤدي ما وجب عليه ، فإنا لله .
وغضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد ، وصادره ، وسجن
أصحابه ، وحمل ستة عشر ألف ألف درهم ،
وافتقر هو وآله . وولى
يحيى بن أكثم القضاء ، وأطلق من تبقى في الاعتقال ممن امتنع من القول
بخلق القرآن ، وأنزلت عظام أحمد بن نصر الشهيد ، ودفنها أقاربه ، وبنى
قصر العروس بسامراء ، وأنفق عليه ثلاثون ألف ألف درهم . والتمس
المتوكل من أحمد بن حنبل أن يأتيه ، فذهب إلى سامراء ولم يجتمع به ،
استعفى ، فأعفاه ، ودخل على ولده المعتز ، فدعا له .
وفي سنة ثمان وثلاثين ، عصى متولي تِفْلِيس ، فنازلها بُغا ، وقتل متوليها وأحرقها ، وفعل القبائح ، وافتتح عدة حصون .
وأقبلت الروم في ثلاث مائة مركب ، فكبسوا دمياط ، وسبوا ست مائة
امرأة ، وأحرقوا ، وردوا مسرعين ، فحصنها المتوكل .
وفي سنة 239 غزا يحيى بن علي الأرمني بلاد الروم ، حتى قرب من
القسطنطينية ، وأحرق ألف قرية ، وسبى عشرين ألفا ، وقتل نحو العشرة
آلاف ، وعُزِل يحيى بن أكثم من القضاء ، وأخذ منه أربعة آلاف جريب
ومائة ألف دينار .
وفي سنة أربعين فيها سمع أهل خلاط
صيحة من السماء ، مات منها
جماعة كثيرة .
وفي سنة 241 ماجت النجوم ، وتناثرت شبه الجراد أكثر الليل ،
فكان ذلك آية مزعجة .
وفيها خرج ملك البُجَاة ، وسار المصريون لحربه ، فحملوا على
البجاة ،
فنفرت جمالهم ، وكانوا يقاتلون ، ثم تمزقوا ، وقتل خلق ، وجاء
ملكهم بأمان إلى المتوكل ، وهم يعبدون الأصنام .
وفي سنة 242 الزلزلة بقومس والدامغان ، والري وطبرستان ،
ونيسابور ، وأصبهان ، وهلك منها بضعة وأربعون ألفا ، وانهد نصف مدينة
الدامغان .
وفي سنة 244 نفى المتوكل طبيبه بَخْتِيَشْوَع .
واتفق عيد النحر
وعيد النصارى وعيد الفطير
في يوم واحد .
وفي سنة 245 عمت الزلزلة الدنيا ، ومات منها خلائق . وبنى
المتوكل الماحوزة ، وسماها الجعفري ،
وأنفق عليها بعد معاونة الجيش
له ألفي ألف دينار ، وتحول إليها ، وفيها وقع بناحية بلخ مطرٌ كالدم العبيط .
وكان المتوكل جوادا مُمَدَّحًا لَعَّابا ، وأراد أن يعزل من العهد
المنتصر ، ويُقَدِّم عليه المعتز لحبِّه أمَّه قبيحة ، فأبى المنتصر ، فغضب أبوه
وتهدده ، وأغرى به ، وانحرفت الأتراك على المتوكل لمصادرته وصيفًا وبُغا
حتى اغتالوه .
قال المبرد : قال المتوكل لعلي بن محمد بن الرضا : ما يقول ولد أبيك
في العباس ؟ .
قال : ما تقول يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله طاعته على نبيِّه ، وذكر حكاية طويلة ، وبكى المتوكل ، وقال له : يا أبا الحسن ، ليَّنْتَ منا قلوبا قاسية ، أعليك دين ؟ قال : نعم ، أربعة آلاف دينار ، فأمر له بها .
حكى المسعودي أن بُغا الصغير
دعا بباغر التركي ، فكلمه ، وقال :
قد صح عندي أن المنتصر عامل على قتلي ، فاقتله . قال : كيف بقتله
والمتوكل باقٍ ؟ إذًا يقيدكم به ، قال : فما الرأي ؟ قال : نبدأ به ، قال :
وَيْحَكَ وتفعلُ ؟ ! قال : نعم . قال : فادخل على أثري ، فإن قتلتُه ، وإلا
فاقتلني ، وقل : أراد أن يقتل مولاه . فتم التدبير ، وقُتل المتوكل .
وحدث البحتري قال : اجتمعنا في مجلس المتوكل ، فذُكِرَ له سيف هندي ، فبعث إلى اليمن ، فاشْتُرِيَ له بعشرة آلاف ، فأعجبه . وقال
للفتح : ابْغِنِي غلاما أدفع إليه هذا السيف لا يفارقني به ، فأقبل باغر ، فقال
الفتح بن خاقان : هذا موصوف بالشجاعة والبسالة ، فأعطاه السيف ، وزاد
في أرزاقه . فما انتضى السيف إلا ليلة ، ضربه به باغر ،
فلقد رأيت من
المتوكل في ليلته عجبا ، رأيته يذم الكبر ، ويتبرأ منه . ثم سجد وعفَّر
وجهه ، ونثر التراب على رأسه ، وقال : إنما أنا عبد ، فتطيَّرْتُ له ، ثم
جلس ، وعمل فيه النبيذ ، وغُنِّيَ صوتا أعجبه ، فبكى ، فتطيرت من بكائه .
فإنا في ذلك إذْ بَعَثَتْ له قبيحةُ خِلعةً استعملها دراعة حمراء من خَزٍّ ومِطْرف
خَزٍّ ، فلبسهما ، ثم تحرك في المطرف ، فانشق ، فلفه ، وقال : اذهبوا به
ليكون كفني . فقلت : إنا لله ، انقضت والله المدة . وسكر المتوكل سكرا
شديدا . ومضى من الليل إذ أقبل باغر في عشرة متلثمين تبرق أسيافهم ،
فهجموا علينا ، وقصدوا المتوكل ، وصعد باغر وآخر إلى السرير ، فصاح
الفتح : ويلكم مولاكم . وتهارب الغلمان والجلساء والندماء ، وبقي
الفتح ، فما رأيت أحدا أقوى نفسا منه ، بقي يمانعهم ، فسمعت صيحة
المتوكل إذ ضربه باغر بالسيف المذكور على عاتقه ، فقده إلى خاصرته ،
وبَعَجَ آخرُ الفتح بسيفه ، فأخرجه من ظهره ، وهو صابر لا يزول ، ثم طرح
نفسه على المتوكل ، فماتا ، فلُفَّا في بِساط ، ثم دفنا معا . وكان بُغا الصغير
استوحش من المتوكل لكلامٍ ، وكان المنتصر يتألف الأتراك ، لا سيما مَنْ
يبعده أبوه .
قال المسعودي : ونقل في مقتله غير ذلك . قال : وقد أنفق المتوكل
فيما قيل على الجوسق والجعفري والهاروني أكثر من مائتي ألف ألف درهم .
ويقال : إنه كان له أربعة آلاف سُرِّيَّة وطئ الجميع . وقتل وفي بيت المال
أربعة آلاف ألف دينار ، وسبعة آلاف ألف درهم ، ولا يعلم أحد من رءوس
الجد والهزل إلا وقد حظي بدولته ، واستغنى ، وقد أجاز الحسين بن
الضحاك الخليع على أربعة أبيات أربعة آلاف دينار . وفيه يقول يزيد بن
محمد المهلبي :
جــاءت مَنِيَّتُـهُ والعيــنُ هاجعــةٌ
قال علي بن الجهم : أهدى ابن طاهر إلى المتوكل وصائف عدة ، فيها محبوبة ، وكانت شاعرة عالمة بصنوف من العلم عوَّادة ، فحلت من
المتوكل محلا يفوت الوصف ، فلما قُتل ضُمَّت إلى بُغا الكبير ، فدخلت
عليه يوما للمنادمة ، فأمر بهتك الستر ، وأمر القيان ، فأقبلن يرفلن في الحلي
والحلل ، وأقبلت هي في ثياب بيض ، فجلست منكسرة ، فقال : غني ،
فاعْتَلَّت ، فأقسم عليها ، وأمر بالعُود فوُضع في حجرها ، فغنت ارتجالا :
أيُّ عَيـْشٍ يلَـــذُّ لــــي
لا أرى فيــ ـــه جـــعفرَا
ملـــك قــــد رأيتُـــه
فــــي نَجِـيــع مُعَفَّـــرَا
كــل مــن كــان ذا خَبـا
ــــهُ يــداهــا لِتُقْبـــَرَا
فغضب بُغا ، وأمر بسحبها ، وكان آخر العهد بها .
وبويع المنتصر من الغد بالقصر الجعفري يوم خامس شوال سنة سبع
وأربعين ومائتين . وقيل : لم يصح عنه النَّصْبَ ، وقد بكى من وعظ علي بن
محمد العسكري العلوي ، وأعطاه أربعة آلاف دينار . فالله أعلم .
للمتوكل من البنين : المنتصر محمد ، وموسى ، وأمهما حبشية ، وأبو عبد الله المعتز ، وإسماعيل ، وأمهما قبيحة ، والمؤيد إبراهيم ، وأحمد وهو المعتمد ، وأبو الحميد ، وأبو بكر ، وآخرون .
وقد ماتت أمه شجاع قبله بسنة ، وخلفت أموالا لا تحصر ، من ذلك
خمسة آلاف ألف دينار من العين وحده .