عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد ، وقيل : عمرو بن عبد الله بن علي
الهمداني الكوفي
الحافظ، شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها
لم أظفر له بنسب
متصل إلى السبيع ، وهو من ذرية سبيع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك
بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان .
وكان -رحمه الله- من العلماء العاملين ، ومن جلة التابعين .
قال : ولدت
لسنتين بقيتا من خلافة عثمان،
ورأيت علي بن أبي طالب
يخطب .
وروى عن معاوية ، وعدي بن حاتم ، وابن عباس ، والبراء بن عازب ،
وزيد بن أرقم ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي جحيفة السوائي ،
وسليمان بن صرد ، وعمارة بن رويبة الثقفي ، وعبد الله بن يزيد الأنصاري ،
وعمرو بن الحارث الخزاعي ، وغيرهم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ورأى أيضا أسامة بن زيد النبوي ، وقرأ القرآن على الأسود بن يزيد ،
وأبي عبد الرحمن السلمي ، وكان طلابة للعلم ، كبير القدر .
وروى أيضا عن علقمة بن قيس ، ومسروق بن الأجدع ، والضحاك بن
قيس الفهري ، وعمرو بن شرحبيل الهمداني ، والحارث الأعور ، وهبيرة بن
يريم ، وشمر بن ذي الجوشن ، وعمر بن سعد الزهري ، وعبيدة بن عمرو
السلماني ، وعاصم بن ضمرة ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وعمرو بن
ميمون الأودي ، وصلة بن زفر العبسي ، وسعيد بن وهب الخيواني ، وعبد
الرحمن بن أبزى الخزاعي ، وحارثة بن مضرب ، وعبد الله بن معقل ، وصلة بن
زفر ، وأبي الأحوص عوف بن مالك ، ومسلم بن نذير ، والأسود بن هلال ،
وشريح القاضي ، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي ، وكميل بن زياد
النخعي والمهلب بن أبي صفرة الأمير ، والأسود بن هلال المحاربي وخلق
كثير من كبراء التابعين . تفرد بالأخذ عن عدة منهم .
حدث عنه محمد بن سيرين وهو من شيوخه ، والزهري ، وقتادة ، وصفوان بن سليم وهم من أقرانه ، ومنصور ، والأعمش ، وزيد بن أبي أنيسة ، وزكريا بن أبي زائدة ، ومسعر ، وسفيان ، ومالك بن مغول ، وشعبة بن الحجاج ،
وولده يونس بن أبي إسحاق ، وحفيده إسرائيل ، وزائدة بن قدامة ، وإسماعيل
بن أبي خالد ، وأشعث بن سوار ، والمسعودي ، وعمار بن زريق ، والحسين
بن واقد ، والحسن بن صالح بن حي ، وإبراهيم بن طهمان ، وأبو وكيع الجراح
بن مليح ، وجرير بن حازم ، وحمزة الزيات ، وفطر بن خليفة ، وورقاء بن
عمر ، وشعيب بن صفوان ، وشعيب بن خالد ، ورقبة بن مثقلة ، وزهير بن
معاوية ، وأخوه حديج بن معاوية ، وأبو عوانة الوضاح ، وشريك القاضي ، وأبو
الأحوص سلام بن سليم ، وأبو بكر بن عياش ، وسفيان بن عيينة وخلق كثير .
وهو ثقة حجة بلا نزاع . وقد كبر وتغير حفظه تغير السن ، ولم يختلط .
قرأ عليه القرآن عرضا حمزة بن حبيب ، فهو أكبر شيخ له في كتاب الله
تعالى ، وغزا الروم في دولة معاوية . وقال : سألني معاوية : كم عطاء أبيك ؟ .
قلت : ثلاث مائة في الشهر يعني قال : ففرضها لي . قلت : نعمة طائلة . إذا
حصل للفارس قديما وحديثا في الشهر ثلاث مائة درهم مع نصيبه من المغانم .
قال علي بن المديني : روى أبو إسحاق ، عن سبعين رجلا أو ثمانين لم
يرو عنهم غيره ، وأحصيت مشيخته نحوا من ثلاث مائة شيخ ، وقال علي في
موضع آخر : أربعمائة شيخ ، وقيل : إنه سمع من ثمانية وثلاثين صحابيا .
قال أبو حاتم : هو يشبه الزهري في الكثرة .
وقال الأعمش : كان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا أبا إسحاق ، قالوا :
هذا عمرو القارئ الذي لا يلتفت .
ابن فضيل ، عن أبيه قال : كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث .
قال ابن سعد في "الطبقات" : هو عمرو بن عبد الله بن علي بن أحمد .
ابن ذي يحمد بن السبيع . ثم قال : وأكثر من سماه لم يتجاوز أباه .
قال سفيان ، عن أبي إسحاق : رأيت عليا -رضي الله عنه- أبيض الرأس
واللحية .
وقال شريك : سمعه يقول :
ولدت في سنتين من إماره عثمان
.
وعن أبي بكر بن عياش : حدثنا أبو إسحاق ، قال : غزوت في زمن زياد
يعني : ابن أبيه ست غزوات أو سبع غزوات . فمات قبل معاوية ، وما رأيت قط
خيرا من زياد ، فقال له رجل : ولا عمر بن عبد العزيز ؟ قال : ما كان زمن زياد
إلا عرس . رواه أبو القاسم البغوي ، عن محمد بن يزيد الكوفي عن أبي بكر .
أنبأنا غير واحد سمعوا ابن طبرزد ، أن عبد الوهاب الحافظ أخبره .
قال : أنبأنا أبو محمد بن هزارمرد ، أنبأنا ابن حبابة ، حدثنا البغوي بهذا
.
وبه إلى البغوي : حدثنا محمود بن غيلان ، عن يحيى بن آدم قال :
قال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا إسحاق السبيعي ، يقول : سألني معاوية ، كم كان عطاء أبيك ؟ قلت : ثلاث مائة ، ففرض لي ثلاث مائة . وكذلك كانوا يفرضون للرجل في مثل عطاء أبيه ، ثم قال أبو بكر : فأدركت أبا إسحاق ، وقد بلغ عطاؤه ألف درهم من الزيادة .
وقال شعبة : كان أبو إسحاق أكبر من أبي البختري ، لم يدرك أبو البختري عليا ولم يره .
وبه : حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدى ، حدثنا موسى بن عثمان
الحضرمي ، عن أبي إسحاق قال : ضربني علي -رضي الله عنه- بالدرة عند
الميضأة .
حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي
إسحاق قال : قال أبي : قم فانظر إلى أمير المؤمنين ، فإذا هو على المنبر
شيخا أبيض الرأس واللحية ، أجلح ضخم البطن ربعة عليه إزار ورداء ليس
عليه قميص ، ولم يرفع يده . فقال رجل : يا أبا إسحاق أقنت ؟ قال : لا .
حدثنا محمود ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر ، سمعت أبا إسحاق ،
يقول : زعم عبد الملك أني أكبر منه بثلاث سنين يعني : ابن عمير .
حدثني شريح ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، سمعت صلة بن زفر
منذ سبعين سنة ، قال : هذا يدل على أنه طلب العلم في حياة عائشة وأبي
هريرة .
وقال ابن عيينة : دخلت على أبي إسحاق ، فإذا هو في قبة تركية ومسجد
على بابها وهو في المسجد ، فقلت : كيف أنت ؟ قال : مثل الذي أصابه
الفالج ، ما ينفعني يد ولا رجل ؟ فقلت : أسمعت من الحارث ؟ فقال لي ابنه
يوسف : هو قد رأى عليا -رضي الله عنه- فكيف لم يسمع من الحارث ؟ فقلت :
يا أبا إسحاق : رأيت عليا ؟ قال : نعم .
قال سفيان : واجتمع الشعبي وأبو إسحاق ، فقال له الشعبي : أنت خير
مني يا أبا إسحاق ، قال : لا والله ، بل أنت خير مني ، وأسن مني .
قال سفيان : وقال أبو إسحاق : كانوا يرون السعة عونا على الدين .
وبه : حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ،
سمعت أبا إسحاق ، يقول : ما أقلت عيني غمضا منذ أربعين سنة .
حدثنا أحمد بن عمران ، حدثنا ابن فضيل ، حدثنا أبي قال : أتيت أبا
إسحاق بعدما كف بصره ، قال : قلت : تعرفني ؟ قال : فضيل ؟ قلت : نعم
قال : إني والله أحبك ، لولا الحياء منك لقبلتك فضمني إلى صدره ، ثم
قال : حدثني أبو الأحوص عن عبد الله
لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
نزلت في المتحابين
.
قال يونس : كان أبي يقرأ كل ليلة ألف آية . وقال أبو الأحوص : قال لنا
أبو إسحاق : يا معشر الشباب اغتنموا يعني : قوتكم وشبابكم ، قلما مرت بي
ليلة إلا وأنا أقرأ فيها ألف آية ، وإني لأقرأ البقرة في ركعة ، وإني لأصوم الأشهر
الحرم ، وثلاثة أيام من كل شهر والاثنين والخميس .
حدثنا أحمد بن عمران ، سمعت أبا بكر يقول : قال أبو إسحاق :
ذهبت الصلاة مني وضعفت ، وإني لأصلي فما أقرأ وأنا قائم إلا بالبقرة وآل
عمران ، ثم قال الأخنسي : حدثنا العلاء بن سالم العبدي قال : ضعف أبو
إسحاق قبل موته بسنتين ، فما كان يقدر أن يقوم حتى يقام ، فإذا استتم قائما
قرأ وهو قائم ألف آية .
وقال يحيى بن آدم : حدثنا الحسن بن ثابت ، سمعت الأعمش ، يعجب
من حفظ أبي إسحاق لرجاله الذين يروي عنهم ، ثم قال الحسن : وحدثنا
يونس بن أبي إسحاق قال : كان الأعمش إذا جاء إلى أبي ، رحمته من طول
جلوس الأعمش معه .
حفص بن غياث : سمعت الأعمش قال : كنت إذا خلوت بأبي
إسحاق ، حدثنا بأحاديث عبد الله غضا ليس عليها غبار .
أبو بكر بن عياش : سألت أبا إسحاق : أين كنت أيام المختار ؟ قال :
كنت غائبا بخراسان .
وبه ، حدثنا محمود بن غيلان ، سمعت أبا أحمد الزبيري يقول : لقي
أبو إسحاق من الصحابة عليا ، وابن عباس ، وابن عمر ، ومعاوية ، وعدي بن
حاتم ، والبراء ، وزيد بن أرقم ، وجابر بن سمرة ، وحارثة بن وهب ، وحبشي
بن جنادة ، وأبا جحيفة ، والنعمان بن بشير ، وسليمان بن صرد ، وعبد الله بن
يزيد ، وجرير بن عبد الله ، وذا الجوشن ، وعمارة بن رويبة ، والأشعث بن
قيس ، والمغيرة ، وأسامة بن زيد ، وعمرو بن الحارث ، وعمرو بن حريث ،
ورافع بن خديج ، والمسور بن مخرمة ، وسلمة بن قيس الأشجعي ،
وسراقة بن مالك ، وعبد الرحمن بن أبزى -رضي الله عنهم.
قال ابن عيينة : كان أبو إسحاق يخضب .
وقال يحيى بن معين : أثبت أصحاب أبي إسحاق شعبة والثوري .
قال شريك : ولد أبو إسحاق لثلاث سنين بقين من سلطان عثمان .
وقال مغيرة : كنت إذا رأيت أبا إسحاق ، ذكرت به الضرب الأول .
وقال جرير بن عبد الحميد : كان يقال : من جالس أبا إسحاق ، فقد
جالس عليا -رضي الله عنه.
قال الإمام أحمد : كان أبو إسحاق تزوج امرأة الحارث الأعور ، فوقعت
إليه كتبه .
شبابة ، عن شعبة ، ما سمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث
يعني : أن أبا إسحاق ، كان يدلس .
قال شعبة ، عن أبي إسحاق قال : شهدت عند شريح في وصية فأجاز
شهادتي وحدي .
وقيل لشعبة : أسمع أبو إسحاق من مجاهد ؟ قال : وما كان يصنع به ، هو
أحسن حديثا من مجاهد ، ومن الحسن ، وابن سيرين .
قال عمر بن شبيب المسلي : رأيت أبا إسحاق أعمى يسوقه إسرائيل ،
ويقوده ابنه يوسف .
وقال ابن عيينة : قال عون بن عبد الله لأبي إسحاق : ما بقي منك ؟ قال :
أقرأ البقرة في ركعة . قال : بقي خيرك ، وذهب شرك .
قال علي بن المديني : حفظ العلم على الأمة ستة : فلأهل الكوفة أبو
إسحاق والأعمش ، ولأهل البصرة قتادة ويحيى بن أبي كثير ، ولأهل المدينة
الزهري
.
قال أبو بكر بن عياش : ما سمعت أبا إسحاق يعيب أحدا قط ، وإذا ذكر
رجلا من الصحابة ، فكأنه أفضلهم عنده .
قال فضيل بن مرزوق : سمعت أبا إسحاق يقول : وددت أني أنجو من
علمي كفافا .
قال أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين : أبو إسحاق ثقة .
وقال يحيى بن معين : زكريا بن أبي زائدة ، وزهير ، وإسرائيل ، حديثهم عن أبي إسحاق قريبا من السواء ، وإنما أصحابه شعبة والثوري .
وقال جرير ، عن مغيرة : ما أفسد حديث أهل الكوفة غير أبي إسحاق
والأعمش .
قلت : لا يسمع قول الأقران بعضهم في بعض ، وحديث أبي إسحاق
محتج به في دواوين الإسلام ، ويقع لنا من عواليه .
قال يحيى بن سعيد القطان : توفي أبو إسحاق في سنة
سبع وعشرين
ومائة
يوم دخول الضحاك بن قيس غالبا على الكوفة .
قلت : فيها ورخه الهيثم بن عدي ، والواقدي ، ويحيى بن بكير ، وابن
نمير ، وأحمد ، وخليفة ، وأبو حفص الفلاس وغيرهم .
وروى يحيى بن آدم قال : قال أبو بكر : دفنا أبا إسحاق أيام الخوارج
سنة
سبع وعشرين
.
وقال أحمد بن حنبل : مات يوم دخل الضحاك بن قيس
الكوفة سنة
سبع
وقال محمد بن يزيد : سمعت أبا بكر بن عياش يقول :
دخل الضحاك الكوفة ، فرأى الجنازة وكثرة ما فيها . فقال : كأن هذا فيهم
رباني . وقال أبو نعيم وأبو عبيد : سنة
ثمان وعشرين مات
والأول أصح .
عاش ثلاثا وتسعين سنة ، وبيني وبينه سبعة أنفس بإجازة وثمانية
بالاتصال .
أخبرنا أحمد بن سلامة وغيره في كتابهم قالوا : أنبأنا عبد المنعم بن
كليب ، أنبأنا علي بن أحمد بن بيان ، أنبأنا محمد بن محمد بن محمد بن
مخلد ، أنبأنا إسماعيل بن محمد ، حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا أبو بكر بن
عياش ، عن أبي إسحاق ،
عن البراء ، قال : خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، فأحرمنا بالحج ، فلما قدمنا مكة ، قال : اجعلوا حجكم عمرة.
فقال الناس : يا رسول الله قد أحرمنا بالحج ، فكيف نجعلها عمرة ؟ فقال :
انظروا الذي آمركم به ، فافعلوا. فردوا عليه القول ، فغضب ، ثم انطلق حتى
دخل على عائشة غضبان ، فرأت الغضب في وجهه ، فقالت : من أغضبك ؟
أغضبه الله . قال : وما لي لا أغضب ؟ ! وأنا آمر بالأمر فلا أتبع
أخرجه
النسائي عن أبي كريب ، والقزويني عن ابن الصباح ، كلاهما عن أبي بكر .
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، ويوسف بن أحمد ، قالا : أنبأنا موسى بن
عبد القادر ، أنبأنا سعيد بن أحمد بن البناء ، أنبأنا علي بن أحمد بن البسري ،
أنبأنا محمد بن عبد الرحمن الذهبي ، حدثنا يحيى بن محمد ، حدثنا لوين ،
حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أنس بن
مالك قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
من سأل الله الجنة ثلاث مرات ، قالت الجنة : اللهم أدخله الجنة ، ومن استجار بالله من النار ، قالت النار : اللهم أجره من النار
.
قال أحمد بن عبدة : سمعت أبا داود الطيالسي يقول : وجدنا الحديث
عند أربعة : الزهري ، وقتادة ، وأبو إسحاق ، والأعمش ، وكان قتادة أعلمهم
بالاختلاف ، والزهري أعلمهم بالإسناد ، وأبو إسحاق أعلمهم بحديث علي
وابن مسعود ، وكان عند الأعمش من كل هذا ، ولم يكن عند واحد من هؤلاء
إلا الفين الفين .