» » 57 - عبد الحميد بن باديس و جهوده التربوية » المبحث الرابع : مكانة ابن باديس العلمية

مصطفى محمد حميداتو تقديم بقلم : عمر عبيد حسنه
مقدمـة الفصل الأول : المجتمع الجزائري في عصر ابن باديس العرب والبربر في الجزائر
الحالة الثقافية والفكرية العوامل الثقافية والدينية التي أثرت في فكر ابن باديس الفصل الثاني : حياة الشيخ ابن باديس المبحث الأول : التعريف بالشيخ ابن باديس
المبحث الثاني : نشأة ابن باديس وطلبه للعلم المبحث الثالث : شيوخ ابن باديس
المبحث الرابع : مكانة ابن باديس العلمية الفصل الثالث ابن باديس والعمل الجماعي المبحث الأول: العمل الجماعي في نظر ابن باديس
المبحث الثاني : جمعية التربية والتعليم الإسلامية المبحث الثالث : جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
المبحث الرابع : من مواقف جمعية العلماء البـاب الثـاني الفكر التربوي عند ابن باديس الفصل الأول دعائم الفكر التربوي عند ابن باديس المبحث الأول : حالة التعليم في زمن ابن باديس
المبحث الثاني: أهمية العلم والتعلم عند ابن باديس المبحث الثالث : طلب العلم في نظر ابن باديس
المبحث الرابع : سمات ابن باديس الشخصية وأثرهــا علــى مـنهـجــه التــربــوي الفصل الثاني إصلاح التعليم عند ابن باديس المبحث الأول : إصلاح المناهج
المبحث الثاني : إصلاح التعليم في جامع الزيتونة المبحث الثالث : المعلم في نظر ابن باديس
المبحث الرابع : تعليم المرأة في نظر ابن باديس المبحث الخامس : رعاية الطلبة الموهوبين
الفصل الثالث مجالات ومميزات مدرسة ابن باديس التربوية المبحث الأول : الوسائل المادية للتربية عند ابن باديس المبحث الثاني: ميزات مدرسة ابن باديس التربوية
المبحث الثالث: الهدف التربوي عند ابن باديس خاتمة

أ- الجهود العملية التي قام بها ابن باديس:
1- التدريس: لقد بدأ ابن باديس التدريس في جامع الزيتونة بعد تخرّجه منه، حيث جرت العادة أن يدرس النبغاء من الطلبة سنة في الجامعة بعد إنهاء دراستهم فيها، وكان ذلك خلال سنة 1911-1912م، وأثناء إقامته بالمدينة المنورة ألقى فيها دروسًا عديدة في المسجد النبوي الشريف.

وبعد عودته إلى الجزائر، استأنف ابن باديس الدروس التي كان يلقيها في الجزائر قبل رحلته إلى الحجاز، وعن ذلك يقول: (ابتدأت القراءة بقسنطينة بدراسة الشفاء للقاضي عياض بالجامع الكبير، حتى بدا لمفتي قسنطينة الشيخ ابن الموهوب، أن يمنعنا فمنعنا، فطلبنا الإذن من الحكومة بالتدريس في الجامع الأخضر فأذنت لنا...).

وقد كان رحمه الله مدرسًا متطوعًا مكتفيًا بالإذن له في التعليم.

ولم يكتف بتعليم الكبار في المساجد فحسب، بل كان يهتم أيضًا بالناشئة الصغار، وعن ذلك يقول: (فلما يسرّ الله لي الانتصاب للتعليم سنة 1332هـ، جعلت من جملة دروسي، تعليم صغار الكتاتيب القرآنية بعد خروجهم منها إلى آخر الصبيحة وآخر العشية، فكان ذلك أوّل عهد الناس بتعليم الصغار...).

وقد تفرّغ الإمام ابن باديس للتعليم، حتى لم يبق له من الشغل سواه، واستمر يُحيي دوارس العلم بدروسه الحيّة، مفسرًا لكلام الله، على الطريقة السلفية، في مجالس انتظمت حوالي ربع قرن، ولم يَحد ابن باديس عن هذه الطريق إلى أن وافاه قدره المحتوم فالتحق بالحي القيوم.

2- الإفتاء: بدأ ابن باديس الفتوى مع انتصابه للتدريس، إلا أن هذا الأمر توسع واشتهر عند قيام الصحافة الإصلاحية، فكانت الأسئلة الفقهية ترد عليه من كـافة عمـالات القطر، فيجيب عليها في صفحـات الشهـاب، والبصــائر، وكـانت تدور حـول العقـائـد والعبـادات والمعامـلات، ومــن أشهــر فتاوى ابن باديس، تلك المتعلقة بالتجنيس، حيث يقول فيها: (التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكمًا واحدًا من أحكام الشريعة عُدّ مرتدًا بالإجماع، فالمتجنّس مرتد بالإجماع).

وللإمام ابن باديس فتاوى كثيرة حول ما كان شائعًا من بدع وانحرافات في زمانه، كانت محل استحسان من علماء عصره.

وعلى العموم فقد كانت تلك الفتاوى، أحد وسائل ابن باديس التي وجه بها الجزائريين إلى القرآن والسنة، وصرفهم بها عن البدع التي أُدخلت على الدين، والمنكرات التي ارتكبت باسمه.

3- ابن باديس والسياسة : رغم انشغال ابن باديس بالتعليم والتفرّغ له، إلا أنه كان ممن لا يهابون الخوض في أمور السياسة، منطلقًا في ذلك من نظرته الشاملة للإسلام الذي لا يفرّق بين السياسة والعلم، وحول هذه المسألة يقول: (وقد يرى بعضهم أن هذا الباب صعب الدخول، لأنهم تعودوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسالك السياسة، مع أنه لابدّ لنا من الجمع بين السياسـة والعلم، ولا ينهض العلم والدين حق النهوض، إلا إذا نهضت السياسة بجد)، ومع أن القانون الأساس لجمعية العلماء ينص على عدم اشتغال هذه الأخيرة بالأمور السياسية، إلا أنّها تركت المجال مفتوحًا أمام أعضائها للخوض في هذا الميدان بصفتهم الشخصية، وكان فارس الميدان في ذلك رئيسها، الإمام ابن باديس الذي كانت له مواقف ثابتة تجاه ما يجري في الجزائر وفي العالم الإسلامي من أحداث وتطورات.

ومن مواقفه المشهورة في هذا المجال، دعوته إلى عقد مؤتمر إسلامي في الجزائر للحيلولة دون تنفيذ مؤامرة إدماج الشعب الجزائري المسلم، في الأمة الفرنسية النصرانية، التي كان ينادي بها بعض النواب، ورجال السياسة الموالين لفرنسا، ورغم أن غالبية الذين حضروا هذا المؤتمر كانوا من أنصار سياسة الإدماج، إلا أن ابن باديس ورفاقه استطاعوا توجيه قراراته، للاعتراف بالشخصية العربية الإسلامية للجزائر.

ولما لاحت نذر الحرب العالمية الثانية سنة 1939م، سعت فرنسا إلى كسب تأييد مختلف الجماعات السياسية في الجزائر، فأبدى الخاضعون لسلطانها تأييدهم ومساندتهم لها، ولما عُرض هذا الأمر على جمعية العلماء رفضته بأغلبية أعضائها، عندها قال ابن باديس: لو كانت الأغلبية في جانب موالاة فرنسا، لاستَقَلْتُ من رئاسة جمعية العلمـاء، وأنه لن يوقع على برقية التأييد ولو قطعوا رأسه.. وكان ابن باديس يرى ضرورة العمل من أجل الاستقلال والتضحية في سبيل ذلك، وأن الحرية لا تُعطى ولا توهب، بل سَجَّل التاريخ أنها تؤخذ وتنتزع، وفي هذا الصدد يقول:

(قلِّبْ صفحات التاريخ العالمي، وانظر في ذلك السجل الأمين، هل تجد أمة غلبت على أمرها، ونكبت بالاحتلال، ورزئت في الاستقلال، ثم نالت حريتها منحة من الغاصب، وتنازلاً من المستبد، ومنة من المستعبِد ؟ اللهم كلا... فما عَهِدْنا الحرية تُعطى، إنما عهدنا الحرية تُؤخذ.. وما عَهِدْنا الاستقلال يـُمنح ويُوهب، إنما عَلِمْنا الاستقلال يُنال بالجهاد والاستماتة والتضحية.. وما رأينا التاريخ يُسجل بين دفتي حوادثه خيبة للمجاهد، إنما رأيناه يسجل خيبة للمستجدي).

وروي أنه قبيل وفاته -رحمه الله- صرح في اجتماع خاص قائلاً: (والله لو وجدت عشرة من عقلاء الأمة الجزائرية يوافقوني على إعلان الثورة، لأعلنتها).

وتظهر مواقف ابن باديس السياسية في المقالات المتعددة التي ضمّنها جرائد ومجلات الجمعية، والتي تناول فيها ما يجري على الساحة العربية والإسلامية من أحداث.

كما تظهر مواقفه كذلك في البرقيات العديدة التي بعث بها إلى جهات إسلامية وأخرى أجنبية، يوضح فيها موقف الجمعية من مختلف الأحداث، خاصة مسألة الخلافة الإسلامية، وقضية تقسيم فلسطين.

الجهود العلمية لابن باديس، وثناء العلماء عليه

1ـ آثار ابن باديس العلمية :

من آثار الإمام عبد الحميد بن باديس: تفسيره للقرآن الكريم، إلقاءً على طلبته ومريديه، بدأه في ربيع سنة 1332هـ - 1914م، وختمه في ربيــع عام 1357هـ - 1938م، ولكنـه لم يكتـب منه إلا قليلاً، فلم يكن الشيخ يكتب من التفسير ما يلقي، ولم تكن آلات التسجيل شائعة الاستعمال، متيسّرة الوجود، ولم يتح له تلميــذ نجيب يسجـل ما يقول، كما أتيح للشيخ محمد عبده في رشيد رضا رحمهم الله، ولكن الله أبى أن يضيّع فضله وعمله، فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس كان ينشرها فواتح لأعداد مجلة الشهاب، ويسمّيها (مجالس التذكير)، وقد جمعت هذه الافتتاحيات بعد وفاته في كتاب تحت عنوان (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير).

ولم يمض على ختمه لتفسير القرآن العظيم إلا شهورًا، وإذا به -رحمه الله- يختم شرح موطأ الإمام مالك، وكان ذلك في أواسط ربيع الثاني عام 1358هـ (يونيو 1939م).. وعلى غرار ما فعل في التفسير، لم يكتب من شرحه للموطأ إلا النزر اليسير في شكل افتتاحيات لمجلة الشهاب، وقد جمعت في كتاب تحت عنوان: (مجالس التذكير من حديث البشيـر النذيـر).. والملاحــظ أن الشيــخ ابن باديس لم يركّز كثيرًا على الكتابة والتأليف، فقد كان يرى حين تصدّر للتفسير مثلاً: (أن في تفسيره بالكتابة مشغلة عن العمل المقدّم، لذلك آثر البدء بتفسيره درسًا تسمعه الجماهير)، وكان -رحمه الله- مشغولاً مع ذلك بإنقاذ جيل ولد وترعرع في أحضان الاستعمار، وتربية أمة حوربت في دينها ومقدساتها، ومكافحة أمية طغت على الشيب والشباب.

وكان ابن باديس يؤمن بأن بناء الإنسان أصعب، ولكنه أجدى للأمة، من تأليف الكتب، وأن غرس الفكرة البنّاءة في صدر الإنسان، إيقاد لشمعة تنير الدجى للسالكين.

وقد جُمع كثيرٌ من آثاره العلمية بعد وفاته، نذكر منها ما يلي:

أ ـ تفسير ابن باديس: الذي نشره الأستاذان: محمد الصالح وتوفيق محمد، نقلاً عن (مجالس التذكير) الذي طبع ونشر سنة 1948م.

ب ـ (مجالس التذكير من حديث البشير النذير): وقد طبعته وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، سنة 1403هـ - 1983م.

جـ ـ (العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية): وهي عبارة عن الدروس التي كان يمليها الأستاذ ابن باديس على تلاميذه، في أصول العقائد الإسلامية وأدلتها من القرآن والسنة النبوية على الطريقة السلفية، وقد جمعها وعلق عليها تلميذه البار الأستاذ محمد الصالح رمضان.

د ـ كتاب (رجال السلف ونساؤه): وهي مجموعة من المقالات ترجم فيها ابن باديس لبعض الصحابة رضوان الله عليهم، وما لهم من صفات اكتسبوها من الإسلام، وما كان من أعمالهم في سبيله، نشر تلك التراجم في مجلة (الشهاب).

هـ ـ كما حقق ابن باديس كتاب (العواصم من القواصم): للإمام ابن العربي، وقدّم له وطبعه سنة 1928م، في جزأين بمطابع الشهاب بقسنطينة.

و ـ ترجم ابن باديس لكثير من أعلام الإسلام من السلف والخلف، في صفحات مجلة الشهاب، جمعت تحت عنوان (تراجم أعلام).

وقد قامت وزارة الشؤون الدينية في الجزائر بجمع كثير ممّا حوته صحافة الجمعية من نشاطات الإمام عبد الحميد بن باديس في مجالات: التربية والتعليم، والرحلات التي كان يقوم بها داخل الوطن لنشر دعوته، إضافة إلى ما ذكــــرنا مـــن آثـــاره العلميـــة، تحت عنـــوان: (آثار الإمــام عبد الحميد بن باديس).

ولعله من الأهمية بمكان أن نذكر في هذا المبحث، أن الشيخ ابن باديس رحمه الله، كان يطالع معظم الجرائد والمجلات التي تصدر في الجزائر سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسيـة، التي كان يقرأ بها ولا يتكلمها، ويردّ عليها بما يراه مناسبًا، كما كان يحاور ويناظر المستشرقين العاملين في سلك الحكومة في الجزائر آنذاك، ويظهر لهم عظمة الإسلام ومحاسنه.

2ـ ثناء العلماء عليه:

لعل من أبلغ الظواهر الدالة على مكانة الشيخ عبد الحميد بن باديس بين علماء عصره، تلك التقاريظ وذلك الثناء الذي خصّه به معاصروه، ومن بعدهم من المؤرخين والعلماء والمفكرين، نذكر منها ما يلي:

أ ـ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: رفيق دربه في الإصلاح، وأقرب الناس إليه، وأعرفهم بمناقبه، يقول عنه: (إنه باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق، وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، وإمام الحركة السلفية، ومنشئ مجلة (الشهاب) مرآة الإصلاح وسيف المصلحين، ومربّي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدي المحمّدي وعلى التفكير الصحيح، ومحيي دوارس العلم بدروسه الحيّة، ومفسّر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة، وملقّن مبادئها على البيان، وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد ابن باديس، أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأول مؤسس لنوادي العلم والأدب وجمعيات التربية والتعليم، وحسبه من المجد التاريخي أنه أحيا أمّة تعاقبت عليها الأحداث والغير، ودينًا لابسته المحدثات والبدع، ولسانًا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطى عليه النسيان، ومجدًا أضاعه وَرَثَةُ السوء، وفضائلَ قتلتْها رذائلُ الغرب)، فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة.

ب ـ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: عميد مجلس الشورى المالكي بتونس في زمانه، وصاحب تفسير (التحرير والتنوير)، وأستاذ الشيخ ابن باديس في جامع الزيتونة. ورغم ما حدث بينهما من تباين في بعض المسائل العلمية والفتاوى الفقهية، إلا أن ذلك لم يمنع الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من أن ينزله منزلته، ويعترف له بمكانته، فيقول عنه: (العالم الفاضل، نبعة العلم والمجادة، ومرتع التحرير والإجادة، ابننا الذي أفتخرُ ببنوته إلينا... الشيخ سيدي عبد الحميد ابن باديس... أكثر الله من أمثاله في المسلمين).

وفــي الاحتفــال بالذكــرى السابعـة لوفــاة ابن باديس، قــال الشيـخ ابن عاشور: (إن فضل النهضة الجزائرية على العالم الإسلامي فضل عظيم، وإن أثر الشيخ عبد الحميد بن باديس في تلك النهضة أثر إنساني رئيس... وما تكريمنا للشيخ عبد الحميد بن باديس، إلا تكريم للفكرة العبقرية والنزعة الإصلاحية الفلسفية، التي دفعت به فريدًا إلى موقف إحياء التعاليم الإسلامية، في وطن أوشكت شمس الإسلام أن تتقلص في ربوعه، بعد ثمانين عامًا قضاها في أغلال الأسر).

جـ ـ المؤرخ الأستاذ خير الدين الزركلي: صاحب (الأعلام)، والذي عاصر ابن باديس، ويعتبر شاهدًا على جهاده، ينقل لنا شهادته قائلاً عنه: (كان شديد الحملات على الاستعمار، وحاولت الحكومة الفرنسية في الجزائر إغراءه بتوليته رئاسة الأمور الدينية فامتنع، واضطهد وأوذي، وقاطعه إخوة له كانوا من الموظفين، وقاومه أبوه، وهو مستمر في جهاده)، عليهم جميعًا سحائب الرحمة والرضوان.

د ـ الدكتور عبد الحليم عويس: أستاذ التاريخ الإسلامي، الذي كتب كثيرًا حول الدور الرائد الذي قامت به جمعية العلماء في تصحيح العقائد، وتحرير العقول، بالعودة إلى منابع الإسلام الأصيلة، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم. يشيد هذا الأخير بدور رئيسها الشيـــخ ابن باديس ومنهجه في الإصلاح قائلاً: (إن ابن باديس... كان يؤمن إيمانًا لا حدود له بدور القرآن الكريم في تكوين الجيل المنشود، على غرار الجيل الذي كوّنه القرآن في العصور الأولى للإسلام).

هـ ـ الشاعر الجزائري الكبير الشيخ محمد العيد آل خليفة: الذي رافق شعره النهضة الإسلامية في الجزائر في جميع أطوارها. فقد ألقى في حفل تكريم الإمام ابن باديس بختمه لتفسير القرآن الكريم، قصيدة طويلة، أثنى فيها على ابن باديس، وعدّد فيها جهوده العلمية، وجهاده من أجل الحفاظ على شخصية الجزائر الإسلامية، نذكر منها هذه الأبيات:

بمثـــلكَ تعتــــــزُّ البــــلادُ وتفخـــــرُ وتزهرُ بالعلــمِ المنيــرِ وتزخـــرُ

طبعتَ على العلمِ النفوسَ نواشئًا بمخبرِ صدقٍ لا يُدانيهِ مخبرُ

نهجتَ لها في العلـمِ نهجَ بلاغــةٍ ونهج َمفاداةٍ كأنكَ حَيْـــــدرُ

ودَرْسُكَ في التفسيرِ أشهى' مِنَ الجَنَى' وأبْهَــى' مِنَ الـروضِ النظيــــرِ وأبهــر

ختمـــتَ كتــــابَ ا$ِ ختمــةَ دارس بصيــرٍ لـه حَــلُّ العويـــصِ مُيـسَّـر

فكـــمْ لكَ فــي القــرآنِ فَهْـــمٌ موفَّــــق وكــمْ لكَ فــي القــرآنِ قــولٌ محــرر

بعد هذا العرض القصير الذي أوردنا فيه بعضًا من شهادات العلماء والمفكرين وثنائهم عليه، نستطيع أن نقول: إن مما ساعد ابن باديس على النجاح في دعوته والوصول بها إلى الغايات العلى، استقامته ونزاهته التي شهد بها كل من عرفه، وتضلعه في علوم التفسير والحديث والفقه، التي أنار بها الأفكار، وحرّر بها العقول، فضلاً عن تأثيره في مجموعة من معاصريه الذي واصلوا دعوته، وعلى رأسهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي خلفه في رئاسة جمعية العلماء بعد وفاته، والشيخ مبارك الميلي، وغيرهم ممّن ضحوا في سبيل المحافظة على إسلامية الجزائر وعروبتها.

وفـاتــه :

في مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 16 أبريل 1940م، أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بعد أن أوفى بعهده، وقضى حياته في سبيل الإسلام ولغة الإسلام، وقد دفن -رحمه الله- في مقبرة آل باديس بقسنطينة.

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة