ولما وجدت أن بعض المصنفين للحديث النبوي، قد جعلوا أبواباً مستقلة بعضها يمتدح الفقر، ويذم الغنى، وفي الوقت نفسه، نجد أحاديث أخرى فيها الاستعاذة بالله من الفقر، وفيها الثناء على المال الصالح، ووجدت أن هذا المسلك، يحدث اضطرابًا في الفهم، لأحاديث الغنى والفقر، رأيت أن هذه الدراسة ينبغي أن تستوعب الأحاديث الواردة في الجانبين، وتحليل ما ورد فيها، والخلوص إلى النتيجة التي تلازم القارئ، عندما يقرأ حديثًا متفردًا يذكر الغنى أو الفقر؛ سواء بُوِّب له بالمدح أو الذم.

فعندما نقرأ كتاب "الرقاق" من صحيح الإمام البخاري نجد أنه رحمه الله، جعل منه بابًا بعنوان "فضل الفقر".

فهل يفهم من هذه الترجمة، الفضل المطلق للفقر فيرد به ما جاء في مدح الغنى؟ سواء كان هذا المدح في أحاديث مفردة تحت عناوين أخرى، أو كانت تحت عناوين تمدح الغنى؟

إن المتأمل في الأحاديث التي أوردها الإمام البخاري تحت هذا العنوان تجيبنا عن هذا التساؤل.

فأول حديث في الباب عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لرجل عنده، جالس: ما رأيك في هذا؟

فقال: رجل من أشراف الناس، هذا -والله- حريُّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يُشفّع.

قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيك في هذا ؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يُشفّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا".

فهل استحق الرجل الفقير هذه الخيرية بسبب فقره؟

إن الحديث لا يذكر هذا، وإنما يصحح مفاهيم الناس في موازين الرجال، وأن الفضل قد يكون للرجل الفقير إذا كان صالحًا، وقد يكون للغني إذا كان صالحًا، أما اتخاذ الغنى وحده مقياسًا للتفاضل بين الناس، فهذا ما صححه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.

والحديث الذي يليه يؤكد هذا المعنى، قال فيه الأعمش: سمعت أبا وائل قال: عُدنا خبابًا فقال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أُحد، وترك نمرة، فإذا عطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه من الاذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهْدُبُها".

فكلام خباب رضي الله عنه في بيان حال المهاجرين وكان منهم أغنياء وفقراء، والكل يريد وجه الله.

وكان منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ، وكان مترفًا في الجاهلية يرفل في النعيم، فلما منَّ الله عليه بالإسلام، بذل نفسه معلمًا ومجاهدًا واستشهد في أُحد، وما زال المسلمون في بداية الدعوة، لم تفتح لهم الدنيا، حتى كان حاله أن تُغطى رجلاه بالإذخر. فهذا الذي نوّر الله قلبه بالإيمان قد دعاه حب الله ورسوله إلى هذه الحالة، وأجره على الله.

ومن المهاجرين كذلك من مَدَّ الله في عمره وجمع بين أجر الهجرة والجهاد وما فتح الله من الطيبات فهو "يهدبها" أي يجتني الثمرة التي نضجت وحان قطافها.

ففضيلة مصعب رضي الله عنه وسائر المهاجرين رضوان الله عليهم بجهادهم وبذلهم مع إيمانهم وحبهم لله ولرسوله.

ويدعم هذا التوجيه ما رواه أحمد والبزار ورواتهما ثقات، وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله عز وجل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الفقراء المهاجرون الذين تُسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم؛ فتقول الملائكة : ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدونني، ولا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب (سلامُ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )(الرعد:24).

فأعمال هؤلاء وجهادهم وبذلهم وإيمانهم من ناحية، وصبرهم ورضاهم على قلة المال، حتى أن أحدهم يموت وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء. فالفقر -إذن- لا يكون بإطلاقه سببًا للفضل، بل الفقر إن كان المبتلى به صابرًا راضياً له درجة صبره ورضاه، وقد وعد الله سبحانه الصابرين بقوله تعالى: (إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب )(الزمر:10). كما أن الغنى -كذلك- لا يكون سببًا للمذمة أو المدح، إلا بما يقترن به من أعمال وأحوال، فمن ابتلي بالغنى فشكر وصبر نفسه مع الغنى على ما أمر كان الغنى محمودًا.

ويتفاضل الناس بما جعله الله ميزانًا للتفاضل (إنّ أكرمكم عند الله أتقاك م)(الحجرات:13).

يتضح ذلك -أيضًا- في رواية أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟" قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فترى قلة المال هو الفقر؟ "قلت: نعم يا رسول الله، قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب" ثم سألني عن رجل من قريش، قال: "هل تعرف فلانًا؟ " قلت نعم يا رسول الله، قال: "فكيف تراه، أو تُراه؟" قلت: إذا سأل أُعطي، وإذا حضر أُدخل، قال: ثم سألني عن رجل من أهل الصفة، فقال: "هل تعرف فلانًا؟" قلت: لا والله يا رسول الله، فما زال يُجلّيه وينعته حتى عرفته، فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: "فكيف تراه، أو تُراه؟" قلت : هو رجل مسكين من أهل الصفة، فقال: "هو خير من طلاع الأرض من الآخر". قلت: يا رسول الله، أفلا يعطى من بعض ما يُعطى الآخر؟ قال: "إذا أُعطي خيرًا فهو أهله، وإذا صُرف عنه فقد أٌعطي حسنة "..

فغنى القلب، وفقر القلب، وما يتبعهما من سلوك، هو أساس الفضل والخيرية، وعلى ذلك إذا ذكر الفقراء بالمدح فالتقييد لهذا الإطلاق بما جاء في الأحاديث الأخرى من مواصفات التفضيل والتقديم، وكذلك إذا ذكر الأغنياء بالذم فإنما بما يصحب الغني من كفران النعمة، أو استعمالها في الفخر والكبر، أو منع ما في المال من حقوق، أو ما يتبع الكثرة من الحساب؛ من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟

وعلى هذا يفهم الحديث الثالث، الذي أورده الإمام البخاري رحمه الله في فضل الفقر، والذي رواه عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ".

فهو تقرير لما يكون، وليس لبيان علة دخول الجنة أو النار، وهو كذلك تحذير من طغيان المال، وتصبير لمن ابتلوا بالفقر، حتى يجدّوا في الصالحات، وتنبيه للنساء حتى لا يكفرن العشير.

وأما الحديثان الأخيران في الباب فيتعلقان بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي كان فيها قدوة للناس أجمعين، والذي يعنينا -هنا- أنه صلى الله عليه وسلم قدوة للأغنياء حيث كان يجتمع أمامه المال الكثير، فلا يمضي وقت يسير إلا وقد وجد المال طريقه إلى الناس.

وهو قدوة للفقراء، كيف يصبرون، وكيف يرضون، فلم يختر لنفسه حياة المترفين، وفي الوقت نفسه بيّن للناس كيف أحل الله الطيبات من الرزق.

فتذكر رواية أنس -في الباب نفسه- رضي الله عنه قال: "لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على "خوان" حتى مات، وما أكل خبزًا مُرققًا حتى مات ".

والرواية الأخيرة في الباب لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "لقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وما في رَفّي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شَطْرُ شعير في رفّ لي، فأكلت منه حتى طال عَليّ فكلتُه فَفَنِيَ".

فهذا ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم من حياة العبودية لله سبحانه، وعدم الترف فيجوع يومًا ويشبع يومًا؛ ليكون قدوة للجائع كيف يتوجه ويدعو، وللشبعان كيف يحمد ويشكر.

فأحاديث الباب - إذن - توجه إلى ما يصحب حالة الفقر من الصبر والرضى، والخفة التي تدفع إلى الهمة والنشاط في الطاعة والمسارعة في الخيرات.

وقبل أن ندعم هذا التوجيه في أحاديث الباب بما ذكره الإمام البخاري رحمه الله من أحاديث أخرى في كتب وأبواب سابقة. نذكر ما أحس به الكرماني نحو أحاديث الباب، فقد ذكر تعليقًا عليها يقول: واعلم أن الأمة طائفتان: القائلون بأن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، والقائلون بالعكس.

فالطائفة الأولى قالوا: ليس في الأحاديث ما يوجب أفضلية الفقراء؛ إذ حديث سهل يحتمل أن يكون خيرًا منه لفضيلة أخرى كالإسلام، وحديث خباب ليس فيه ما يدل على فضله فضلاً عن أفضليته؛ إذ المقصود منه أن يبقى منهم إلى حين فتح البلاد، ونالوا من الطيبات، خشوا أن يكون قد عجل لهم أجر طاعتهم بما نالوا منها، إذ كانوا على نعيم الآخرة أحرص.

وحديث عمران يحتمل أن يكون إخبارًا عن الواقع، كما يقول أكثر أهل الدنيا الفقراء، وأما تركه صلى الله عليه وسلم الأكل على الخوان؛ فلأنه لم يرض أن يستعمل من الطيبات، وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها.

ثم إنه معارض باستعاذته صلى الله عليه وسلم من الفقر، وبقوله تعالى: "ترك خيرًا": أي مالاً ، وبقوله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى )(الضحى:8)، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في أكمل حالاته وهو موسر بما أفاء الله عليه، وبأن الغنى وصف للحق، والفقر وصف للخلق.

فأجابت الطائفة الأخرى بأن السياق يدل على الترجيح للفقراء؛ إذ الترجيح بالإسلام ونحوه لا حاجة له إلى البيان، وبأن من لم ينقص من أجره شيء في الدنيا يكون أفضل وأكثر ثوابًا عند الله يوم القيامة، وبأن الإيماء إلى أن علة دخول الجنة الفقر يشعر بأفضليته، وأما حكاية ترك النبي صلى الله عليه وسلم فهي دليل لنا لا علينا؛ إذ معناه أنه اختار الفقر، ليكون يوم القيامة ثوابه أكثر، وحديث الاستعاذة من الفقر معارض بحديث الاستعاذة من الغنى، وأما الآيتان فنحن لا ننكر أن المال خير، إنما النزاع في الأفضلية، لا في الفضل، أو المراد بالأغنياء في الآية الثانية غنى النفس، وأما قصة وفاته فلا نسلم الإيسار إذ كان ما أفاء الله صدقة، وكان درعه رهنا عند يهودي بقليل من الشعير، وأما غنى الله سبحانه وتعالى، فليس بمعنى الذي نحن فيه فليس من البحث"، والكرماني رحمه الله عرض قول الطائفتين دون أن يذكر ترجيحًا لقول طائفة على أخرى.

إلا أن قول الطائفة الثانية فيه نظر يجعل الطائفة الأولى أرجح في قولها لموافقة النصوص المجموعة في الموضوع.

فالسياق ليس فيه دلالة على ترجيح الفقراء بسبب الفقر، وكما سنرى في سائر النصوص، أن علة الفقر ليست هي المعتبرة وحدها، وإلا فما قيمة فقر بغير رضى، أو صبر أو طاعة؟

ثم إن فضل الله على عباده في الدنيا بالرزق الحلال والطيبات ليس معناه قلة في ذلك بالآخرة فدعاء المؤمنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار )(البقرة:201). ويقول الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نُفصل الآيات لقوم يعلمون )(الأعراف:32). وعلة دخول الجنة وجعلها في الفقر مجردًا لا دليل عليه، بل النصوص متضافرة بخلاف ذلك.

وأما اختيار النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد سبق الإشارة إلى ارتباط ذلك بالقدوة لجميع الأمة فقيرها وغنيها، كيف يكون حاله مع الغنى، وكيف يكون حاله مع الفقر، والاستعاذة في الحالتين إنما هي استعاذة من الغنى المطغي، فالغنى مع الطغيان مذموم، كما أن الفقر غير مرغوب، وإذا كان الدافع - كما يرى أصحاب هذا القول - طلب المزيد من الحسنات، فإن الغني الشاكر، يستطيع أن يفعل بالمال الصالح ما لا يستطيعه الفقير، ولذلك جاء في الحديث (ذهب أهل الدثور بالأجور )، وسيأتي هذا الحديث بعد قليل.

فالأفضلية في نهاية الأمر، تكون بما يصحب الغنى أو الفقر من قرائن، وليس الأمر على إطلاق أفضلية الفقر.

والذي يدعم هذا التوجيه، تصنيف الإمام البخاري رحمه الله واختياره للأحاديث قبل هذا الباب، ويكفي أن نعرض بعض هذه الاختيارات.

ففي كتاب الدعوات: باب "الدعاء بعد الصلاة" عن أبي هريرة رضي الله عنه قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، قال: كيف ذاك، قال: صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم، وليست لنا أموال، قال: أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم إلا من جاء بمثله؛ تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا ".

ففي هذا الحديث بيان لقيمة المال عندما يكون في أيد صالحة، فليس الغنى وحده سببًا للسبق، كما أن الفقر ليس سببًا للبعد؛ فالمرء يمكن بهذا التوجيه مع ابتلائه بالفقر أن يتدارك الأمر، وأن يدرك الأجر بالتسبيح والتحميد والتكبير دُبر كل صلاة -كما جاء في الحديث-.

وفي هذا جبْر لقلوب الفقراء، وأنه لا يفوتهم الأجر بسبب الفقر. فالدثور: هي الأموال الكثيرة.

وذهاب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم مقترن بالأعمال، وذكر منها ، الصلاة، والجهاد، والزيادة التي تناسب حالهم، أنهم ينفقون من فضول أموالهم. وعُوض الفقراء -فضلاً من الله- بإمكانية اللحاق بهم بشيء يستطيعونه -كذلك- في هذا الذكر.

فالغنى والفقر -إذًا- ليسا مادة تفضيل بإطلاق، بل بما يصحبهما من قرائن، ولا شك أن من يملك أكثر يستطيع أن يعمل أكثر.

ولذلك فإن أهل الدثور يستطيعون -أيضًا- مشاركة الفقراء في الأذكار بعد الصلاة، ويكون ذلك من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء.

وفي الكتاب نفسه في باب "دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر، وبكثرة ماله" نجد حديث أنس رضي الله عنه قال: قالت أمي : يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له، قال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته ".

فأم أنس وهي الرميصاء الأنصارية المشهورة بأم سليم رضي الله عنها، تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعوا لأنس، فيدعو له النبي صلى الله عليه وسلم بما هو محبوب للناس من تكثير المال، والولد، والبركة فيما يعطي الله سبحانه، يقول الكرماني: وقد استجاب الله دعاءه، فيه بحيث صار أكثر أصحابه مالاً فكان له بستان يثمر في كل سنة مرتين، وأكثر ولدًا، فكان يطوف بالبيت، ومعه أكثر من سبعين نفسًا من نسله.

ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم دليل على محبة هذا المدعو به عند الله وعند رسوله؛ عندما يكون لمثل أنس رضي الله عنه.

ومما يدعم كذلك وجهتنا في النظر إلى الغنى والفقر، وأن المدح والذم يرتبط بالقرائن، ما أورده الإمام البخاري في كتاب الدعوات - كذلك - وفي باب التعوذ من المأثم والمغرم.

فقد أخرج عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، والمأثم، والمغرم؛ ومن فتنة القبر، وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ".

فالاستعاذة في هذا من شر فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، فإذا كانت الفتنة في الغنى أو الفقر فهي مما يستعاذ بالله منها، وهذا تأكيد لهذه القرينة فيذم الغنى بها، وكذلك الفقر.

كما جعل الإمام البخاري رحمه الله باباً ترجم له بقوله: "الاستعاذة من فتنة الغنى" وأتبعه بباب آخر في "التعوذ من فتنة الفقر" أورد في الأول عن هشام عن أبيه عن خاله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ: "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة القبر، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ".

كما يورد في الباب الثاني حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد سبق ذكره وفيه: "وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر".

كما يكرر الإمام البخاري رحمه الله بابًا ذكره من قبل، ولكن برز في ترجمته -هنا- المعنى المراد فيقول "باب الدعاء بكثرة المال مع البركة". ويورد فيه حديث أم سليم رضي الله عنها ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه بكثرة المال والولد والبركة".

وأما في كتاب الرقاق فقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله لأبواب كثيرة تؤدي إلى المعنى نفسه، وهو التحذير من الاغترار بكثرة المال، وليس الذم المجرد له، وقد ذكرنا بعضها في المباحث السابقة، ونذكر ما لم يرد من قبل،فمن ذلك:

باب (مثل الدنيا في الآخرة) وقوله تعالى: (اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعب ولهوُ وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيثٍ أعجب الكُفارَ نباتُه ثم يهيج فتراه مصفرًّا ثم يكون حطامًا، وفي الآخرة عذابٌ شديد ومغفرةٌ من الله ورضوانٌ، وما الحياة الدنيا إلا متاعُ الغرو ر)(الحديد:20).

وفي باب "ما يُحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها" يورد أحاديث منها: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا ).

فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه يُنْزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه فقال: أين السائل، قال: أنا. قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع ذلك، قال: لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خضرةٌ حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا، أو يُلم إلا آكلة الخضرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال حلوة من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونةُ هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع".

فالتحذير -هنا- من التنافس في التكاثر مع عدم الحذر، وكان هذا المعنى في بيان الخوف مما يخرج من بركات الأرض، ووصف هذا بأنه خير، وكان سؤال الصحابي: وهل يأتي الخير بالشر؛ أي هل تصير النعمة عقوبة، وكان سؤال السائل سببًا في هذه الإفادة، فكان السائل في موضع الحمد، بعد أن خشي الصحابة أن يكون صمت النبي صلى الله عليه وسلم دليلا على مذمة السؤال.

وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم : أن الخير لا يأتي إلا بالخير، وما قضى الله أن يكون خيرًا، لا بد أن يكون ، والذي يخاف عليه هو التصرف فيه زائدًا على الكفاية، ولا يتعلق ذلك بالنعمة نفسها، وضرب لذلك المثل: "إن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا". والمعنى: أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطا بالتخمة وانتفاخ البطن لكثرة الأكل، أو يقارب القتل، إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة، وتحصل به الكفاية المقتصدة؛ فإنه لا يضره.

وهكذا "المال" هو كنبات الربيع، مستحسن تطلبه النفوس وتميل إليه، فمنهم: من يستكثر منه، ويستغرق فيه، غير صارف له في وجوهه، فهذا يهلكه، أو يقارب إهلاكه.

ومنهم: من يقتصد فيه فلا يأخذ إلا يسيرًا، وإن أخذ كثيرًا فرقه في وجوهه، كما تثلط الدابة فهذا لا يضره.

فمن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع.

قال الأزهري: فيه مثلان:

أحدهما: للمكثر من الجمع، المانع من الحق، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : "إن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا "؛ لأن الربيع ينبت أجرار البقول، فتستكثر منه الدابة حتى تهلك.

والثاني : للمقتصد، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : "إلا آكلة الخضر " لأن الخضر ليس من أجرار البقول.

وقال عياض: ضرب صلى الله عليه وسلم مثلاً بحالتي المقتصد والمكثر، فكأنه قال صلى الله عليه وسلم: أنتم تقولون : إن نبات الربيع خير، وبه قوام الحيوان، وليس هو كذلك مطلقًا، بل منه ما يقتل، أو يقارب القتل، فحالة المبطون المتخوم، كحالة من يجمع المال، ولا يصرفه في وجوهه، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الاعتدال، والتوسط في الجمع أحسن.

ثم ضرب مثلاً لمن ينفعه إكثاره، وهو التشبيه بآكلة الخضر وهذا التشبيه لمن صرفه في وجوهه الشرعية. ووجه الشبه: أن هذه الدابة تأكل من الخضر حتى تمتلئ خاصرتها ثم تثلط. وهكذا من يجمعه ثم يصرفه والله أعلم.

وفي باب (ما يتقى من فتنة المال) وقوله تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة )( الأنفال: 28) يورد الإمام البخاري رحمه الله ما يؤكد أن الذم لا يكون إلا بالخروج عن الحق مع المال، فإذا كان الأصل في علاقة الإنسان بالمال أن يستخدمه، وأن ينتفع به، فإن المذمة عند انقلاب الحال، فيستعبد المال صاحبه، وعندئذ تكون تعاسته بالمال.

فيروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض ".

والتعاسة بمعنى الهلاك والسقوط، وعبد الدينار: أي خادمه وطالبه؛ كأنه عبد له، والقطيفة هي الدثار المخمل، والخميصة هي الكساء الأسود المربع، ومعنى ذلك أن الفتنة بالمال أخذت عليه حواسه، وصار خادمًا للمال في صورته النقدية، أو في مظاهره الأخرى ومنها الملبوسات.

وفي ظل هذه العبودية للمال يهلك الإنسان نفسه، حيث لا يرضى إن لم يعط كما في هذا الحديث،وإن أعطي كذلك لم يرض، ولم يشبع، كما سيأتي في الحديث الآتي من الباب نفسه.

والذي رواه البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ".

كما يبين البخاري رحمه الله موقف صحابي جليل كعمر رضي الله عنه من المال وزينته. وأن الإنسان لا يستطيع إلا أن يفرح بما زينه الله لنا، والمحمود من يجعل الفرحة صحيحة بالتعامل الصحيح مع المال، ويدعو الله أن يحقق له ذلك.

فيروى في باب "قول النبي صلى الله عليه وسلم: هذا المال خضرة حلوة "، وقال الله تعالى: (زُين للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ) قال عمر: "اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه".

وفي ارتباط ما يشعر بذم الإكثار بالقرائن من الأعمال نجد - كذلك - في كتاب "الرقاق" باب " المكثرون هم المقلون" وقوله تعالى: (من كان يُريد الحياة الدنيا وزينتها نُوفّ إليهم أعمالهم فيها، وهم فيها لا يُبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون )(هود:15،16). يروي الإمام البخاري رحمه الله حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده، وليس معه إنسان. قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: من هذا؟. قلت: أبو ذر جعلني الله فداءك، قال: يا أبا ذر تَعَالَه، قال: فمشيت معه ساعة فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا فنفح فيه يمينه وشماله، وبين يديه، ووراءه، وعمل فيه خيرًا… ".

بل نجد من روايات البخاري في كتاب الرقاق باب "قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحب أن لي مثل أحد ذهبًا" ما يؤكد أنه لا مذمة في الغنى وحده، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكره، أو يُشعر بمذمة من يكون له مثل أحد ذهبًا، وهذا مال كثير، ما دام سيفعل مثلما جاء في الحديث الذي يرويه أبو ذر- أيضًا- رضي الله عنه قال: "كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أُحُــدٌ، فقال يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينارُ، إلا شيئًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى، فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله، ومن خلفه، وقليل ما هم… ".

ولا يخفى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التزام ما يأمر الله به نحو هذا المال، ومداومة التذكير والتحذير من الفتنة بالمال عند كثرته وتضييع ما يرتبط به من حقوق الله في الزكاة والصدقات، وفي حقوق العباد من ديون، فالغنى -إذن- ما دام بحقه في كل مجالاته، وما دام مقترنًا بما لا يخرجه عن حقه، فهو في موضع المحمدة وليس المذمة.

ولذلك يجمع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للأمة بين الغنى الحسي المادي، والغنى النفسي، الذي يعين على صيانة الحق مع الغنى، ويجعل الإمام البخاري رحمه الله بابًا لذلك في كتاب الرقاق بعنوان: "الغنى غنى النفس" وقول الله تعالى: (أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين ) إلى قوله تعالى: (من دون ذلك هُم لها عاملون )(المؤمنون:55-63) قال ابن عيينة: لم يعملوها، لا بد من أن يعملوها":

يقول الكرماني: غرض البخاري من ذكر الآية أن المال مطلقًا ليس خيرًا، وأما كلام سفيان بن عيينة، فهو تفسير لقوله تعالى: "ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ". يروي البخاري رحمه الله في هذا الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ".

والعرض -بفتح الراء- حطام الدنيا، وبالسكون: المتاع، يعني: ليس الغنى الحقيقي المعتبر هو من كثرة المال، بل هو من استغناء النفس وعدم الحرص على الدنيا، ولهذا ترى كثيرًا من المتموّلين فقير النفس مجتهدًا في الزيادة، فهو لشدة شرهه، وشدة حرصه على جمعه كأنه فقير، وأما غنى النفس فهو من باب الرضا بقضاء الله تعالى لعلمه أن ما عند الله لا ينفد وهو خير له؛ لأن ما قضى به لأوليائه فهو الخيار.

وبعد تتبعنا لأبواب الإمام البخاري، فيما يتصل بالغنى والفقرة، نرى من حسن صنيع البخاري رحمه الله، أن يورد الأحاديث في أبواب متعددة مقترنة بالترجمة التي تعين على فهم المراد منها، إلا أنه ينبغي أن تجمع هذه الروايات في الموضوع الواحد حتى يتسق الفهم لها.

ظهر لنا ذلك من إمساكنا في بداية الأمر بباب "فضل الفقر" وتبين لنا -بعد الجمع- المراد من هذا، وأنه ليس من قبيل المدح المطلق للفقر، وإنما يقترن بالفقر أحوال، تجعل المبتلى به في موضع الفضل، والحال نفسه مع الغنى، فيمكن أن نقول: "فضل الغنى" ولكن ليس بإطلاق -أيضًا- أي إذا اقترن بالغنى ما يجعل المبتلى به في موضع الحمد.

وهكذا يزول ما يشعر بالتعارض بين الأحاديث عند جمعها، والنظر فيها مجتمعة.

وقد قدمنا ما يدعم هذا في صحيح الإمام البخاري رحمه الله.

وأما ما جاء في كتب السنة الأخرى فكثير، وفيه ما يشعر بمدح الفقراء، وذم الأغنياء والبعد عنهم.

وهذا يحتاج إلى تدبر النصوص الواردة في ذلك؛ لأن كل رواية فيها ما ينسجم مع النتيجة التي توصلنا إليها من تتبع أبواب البخاري رحمه الله، فإذا ما جمعت زاد الأمر وضوحًا.

فمثلاً توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالكفاف، وعدم مجالسة الأغنياء، من باب استمرار القدوة في بيت النبوة، والذي يشهد المال الكثير، ويتحقق فيه معنى الغنى، ولكن لا يبقي شيئًا من المال، لأنه يجد طريقه إلى الناس، ويبقى البيت قدوة للفقراء في الصبر والرضى، وقد وجه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كُنتن تُردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرِّحكن سراحًا جميلاً * وإن كُنتن تُرِدن اللهَ ورسولهَ والدارَ الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا )(الأحزاب:28-29). واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وكن على هذه الحالة التي ترضي الله ورسوله.

فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن سرك اللحوق بي، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب. وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبًا حتى تُرقِّعيه " أخرجه الترمذي، وزاد رزين: قال عروة: فما كانت عائشة تستجدّ ثوبًا حتى ترقع ثوبها وتنكسه، ولقد جاءها يومًا من عند معاوية ثمانون ألفًا فما أمسى عندها درهم، فقالت جاريتها: فهلاً اشتريت لنا منه بدرهم لحما؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت".

فهذا صنيع بيت النبوة الذي يملك، ولا يبقي لنفسه شيئًا مما يملك، بل يخرجه للمحتاجين.

وهذا ما اختاره الرسول الكريم لنفسه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا، وفي أخرى "كفافًا" أخرجه الشيخان والترمذي. و "الكفاف" الذي لا يفضل عن الحاجة.

وهذا يفسر لنا معنى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي رواها أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة. قالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء أربعين خريفًا. يا عائشة! لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة ". والمراد بالخريف السنة، وفي حديث آخر خمسمائة عام. والجمع بينهما: أن المراد بالأربعين تقدم الفقير الحريص على الغني الحريص، وبالخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد، وهذا نسبة الأربعين إلى خمسمائة.

يقول ابن الأثير: وهذا التقدير وأمثاله لا يجري على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم جُزافًا ولا اتفاقًا، بل لسر أدركه، ونسبة أحاط بها علمه، فإنه لا ينطق عن الهوى. فهذه الدعوة -إذن- من باب القدوة، ومن باب جبر القلوب، وإعانة أهل البلاء بالفقر على الصبر والرضى والسعي الجميل والتعفف. وأما الإخبار بالسبق فالاستواء في القرائن الصالحة، والتي نبه إليها ابن الأثير في الجمع بين الأربعين والخمسمائة، فيكون الزائد من الفقير صبره، والمناسب للغنى كثرة حسابه على كثرة ماله.

وإن كان أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي قد وجه المسكنة توجيهًا آخر نفى فيه أن يكون المراد بالمسكنة الفقر فقال في ذلك: "قرأ بعضهم الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري والطبراني عن عبادة بن الصامت: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين ".

ففهم من المسكنة الفقر من المال، والحاجة إلى الناس، وهذا ينافي استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة الفقر، وسؤاله من الله تعالى العفاف والغنى، وقوله لسعد: "إن الله يحب العبد الغني التقي الحفي " وقوله لعمرو بن العاص: "نعم المال الصالح للمرء الصالح ".

ومن أجل ذلك رد الحديث المذكور، والحق أن المسكنة - هنا - لا يراد بها الفقر، كيف وقد استعاذ بالله منه وقرنه بالكفر: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر "، وقد امتن ربه عليه بالغنى فقال: "ووجدك عائلاً فأغنى ".

إنما المراد بها التواضع وخفض الجناح، قال العلامة ابن الأثير: أراد به التواضع والإخبات، وألا يكون من الجبارين المتكبرين. وهكذا عاش صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن حياة المستكبرين".

وإذا كان ظاهر الرواية التي ذكرتها تعني الفقراء، فيبقى التوجيه الذي استخلصناه من دراسة الأحاديث مجتمعة في ارتباط الأمر بالقرائن من ناحية، وفي استمرار تهذيب النفس، حتى لا تطغى بالمال من ناحية أخرى، وفي تسلية الفقراء من ناحية ثالثة.

قال الحافظ المنذري: "وقد ورد من غير ما وجه، ومن حديث جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يدخل الجنة حبوًا لكثرة ماله" ولا يسلم أجودها من مقال، ولا يبلغ منها شيء بانفراده درجة الحسن، ولقد كان ماله بالصفة التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح للرجل الصالح ". فأنَّى تنقص درجاته في الآخرة، أو يقصر به دون غيره من أغنياء هذه الأمة؟ فإنه لم يرد هذا في حق غيره، إنما صح سبق فقراء هذه الأمة أغنياءهم على الإطلاق، والله أعلم".

والسبق الذي ذكره الحافظ المنذري لمن تساووا في النسبة إلى هذه الأمة، ويبقى المعنى الذي ذكرناه في السبق مع الاستواء في كثرة الحساب الناشئ عن كثرة المال.

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء" أخرجه الشيخان.

ومما يدعم ما ذهبنا إليه كذلك من اعتبار القرائن، ما جاء في رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أحيني مسكينًا، وتوفني مسكينًا،واحشرني في زمرة المساكين، وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة" رواه ابن ماجة إلى قوله: المساكين، والحاكم بتمامه،وقال: صحيح الإسناد.

فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الفقر وحده ليس محمدة فأشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة؛ لأنه لم يكن على ما يرضي الله من أحوال.

ولتسلية الفقراء وتشجيعهم على الصبر والرضا بقضاء الله، تأتي كثير من الأحاديث التي قد يفهم منها الثناء على الفقر.

ففي حديث عائذ بن عمرو رضي الله عنه، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاره، فقال: "يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك" فأتاهم أبو بكر، فقال: "يا أخوتاه أغضبتكم؟" قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي " رواه مسلم، وغيره.

وفي هذا المعنى -أيضًا- رواية أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين، والدنوّ منهم، وأوصاني أن أصل رحمي، وإن أدبرت" الحديث رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه.

وفي حديث مصعب بن سعد قال: رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلاً على من دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " رواه البخاري، والنسائي وغيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما تنصر هذه الأمة بضعفائها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ".

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ابغوني ضعفاءكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " رواه أبو داود، والترمذي والنسائي.

وعن علي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ طلع علينا مصعب بن عمير رضي الله عنه ، ما عليه إلا بُرْدة مُرقّعة بفرو ، فلما رآه صلى الله عليه وسلم ، بكى للذي كان فيه من النعمة، ثم قال: كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في أخرى ووضعت بين يديه صَحْفَة ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم، نكفي المؤنة ونتفرغ للعبادة. فقال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ. أخرجه الترمذي.

وهكذا -رأينا- أن الأحاديث الواردة في الفقر والغنى تبين أن الإنسان مبتلى بهما، والذي يكون في موضع المحمدة منهما، هو من يفلح في الاختبار، وعلى ذلك فإن الفقر والغنى يرتبطان بأسباب المدح والذم.

وأن ما يرد من الثناء على الفقر والفقراء فهو لبيان منزلة الصبر على الفقر، وعدم الطغيان بالغنى، والحب والاحترام المتبادل بين الأغنياء والفقراء، وتحقيق التكافل في الأمة.

وما يكون من التحذير من الغنى فلحماية الإنسان من الطغيان بالمال والتنبيه إلى شدة الحساب وكثرته.

ونختم هذا المبحث بما يدل على ذلك فيما رواه محمود بن لبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب".

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة