وتتناول هذه الدراسة، الشريعة، وأثر تطبيقها في استقرار المجتمع، وإصلاحه، فنبين أولاً، معنى الدين، وأنه يشمل جميع علاقات الحياة الدنيا، والآخرة، من العبودية لله تعالى وطاعته، والاستسلام لأمره، والتزام الصراط المستقيم، والاحتكام لشرع الله، وانفاذ أحكام القوانين الإسلامية، في شؤون الحياة، كلها، الأسرية، والمدنية، والجنائية، حتى يكون الدين كله لله تعالى،مع بيان معنى الشريعة، وأنها ما شرع الله لعباده من الدين، وشمولها للعقيدة، والشعائر، والشرائع- خلافاً للفهم المتأخر، من أنها القوانين، وربما الحدَّية منها خاصة- ثم نتناول معنى الحدود، لغة، واصطلاحاً، والتطور الدلالي لها، مع بيان أثر إقامة الحدود، وتطبيق الشريعة الإسلامية، عامة، في إصلاح المجتمع، عقيدياً، وأخلاقياً، واقتصادياً، وأمنياً،وبركة في الحياة، وتجاوباً شعبياً، وما يحققه انفاذ كل حد من مصالح للأفراد، والجماعات، وما يؤدي إليه ذلك، من إصلاح المجتمع، واستقراره..

كما تتناول أيضاً، أثر التوبة، في رفع الحدود، وإسقاط العقوبة، لفتح باب الأمل في رحمة الله للتوابين المتطهرين:(إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) (البقرة:222). وخُتمت الدراسة، ببيان خصائص الشريعة الإسلامية.

من معاني..(الدِّين)

الدَّيان:من صفات الله، عزوجل، ومعناها :الحكم القاضي.. والديان :القهار، وهو فعال، من دان الناس، أي قهرهم على الطاعة، يقال :دنتهم فدانوا :أي قهرهم فأطاعوا.

وفي حديث أبي طالب، قال له عليه الصلاة والسلام :(أريد منهم- أي من قريش- كلمة واحدة تدين لهم العرب) (1)، أي تطيعهم، وتخضع لهم.

الدين :الجزاء، والمكافأة، ويوم الدين، يوم الجزاء، وفي المثل :كما تدين تدان، أي كما تجازى، تُجازى. وقوله تعالى :(أءنا لمدينون ) (الصافات :53)، أي :لمجزيون، محاسبون، ومنه الدَّيان، في صفة الله عزوجل.

الدين :الحساب، ومنه قوله تعالى :(ملك يوم الدين ) (الفاتحة:3)، وقيل :معناه، مالك يوم الجزاء.

والدين :الطاعة، وقد دنته ودنت له، أي أطعته، يقال :دان بكذا، ديانة، وتدين به، فهو ديِّن، ومتدين.

والدين هو الإسلام، وقد دنت به.

والدين :العادة، والشأن، لقول العرب :ما زال ذلك ديني، وديدني، أي عادتي، وفي الحديث :(الكًيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ) (2).

قال أبو عبيدة :(دان نفسه، أي أذلها، واستبعدها، وقبل حسابها)

وفي التنزيل العزيز :(ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) (يوسف :76)، قال قتادة :في قضاء الملك، أي الأغراض.. دان الرجل، إذا عز.. ودان، إذا أطاع.. ودان إذا عصى.. ودان إذا اعتاد، خيراً أو شراً...ودان إذا أصابه الدين، وهو داء.

وقوله تعالى :(أَءِنَّا لَمَدِينُون َ) (الصافات :53) أي مملوكون. وقوله تعالى :(فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ) (الواقعة :86)، قال الفراء :غير مدينين، أي مملوكين، قال :سمعت غير مجزين.

ودنته، أدينه، ديناً :سسته.. ودنته، ملكته.. ودينته القوم :وليته سياستهم.

الدين :يتدين به الرجل.

الدين:السلطان.

الدين :الورع.

الدين :القهر.

الدين :المعصية.

الدين :الطاعة (3).

معاني الدين في لغة القرآن الكريم

ترد كلمة الدين، في آيات القرآن الكريم، على وجوه من المعاني المتعددة، تفهم بحسب ورودها، في سياق المعاني المرادة في مواضعها من تلك الآيات، وقد تناول الحكيم الترمذي هذه المعاني بالدراسة، والتحليل في كتابه :(تحصيل نظائر القرآن)، فقال :وأما قوله تعالى :(الدين) على كذا وجه :فالدين هو الخضوع، يقال :دان له، أي خضع له، مشتق من الدون، وكل شيء، دون شيء فهو له خاضع، فخلق الآدمي، والكبر فيه، وراثة من صلابة الأرض وقوتها، واقتضاهم أن يدينوا له، أي يخضعوا له، ويخضعوا لعظمته.

فالخضوع، والخشوع، مبتدأ من القلب إلى الأركان، حتى يظهر على الأركان بالائتمار بأمره، والتناهي عن نهيه، والقبول لأحكامه، والانقياد له.

1- شهادة ألا إله إلا الله :وإنما صار الدين في هذا المكان، شهادة ألا إله إلا الله (4)، لأن الموحد لا يشهد بهذه الشهادة، إلا بعد خضوعه لله، وسقوطه بين يديه تذللاً، وتسليماً لرقبته.

2- الحساب :وإنما صار الدين (الحساب) (5) في مكان آخر، لأنه إذا جاء الحساب، دان العبد، فلم يقدر أن يجحد، فإن جحد نطقت الجوارح، فالحساب من الله، مطالبته ما وجب له على العبد، فيما عهد إليه، وفيما قلده، وفيما ضمن العبد، فيطالبه بالوفاء لذلك.. فذاك كله خضوع، يحل بالعبد.

3- حكم الله وقضاؤه :وإنما صار الدين، حكم الله وقضاءه في مكان آخر :لأنه إذا حل بالعبد حكمه وقضاؤه، دان العبد له.

4- حكم الملك الذي حبس يوسف عليه السلام :وإنما صار الدين حكم الملك (6)، الذي حبس يوسف عليه السلام، لما وضحنا أن الدين :الخضوع عند الحكم.

5- الإخلاص، والإسلام، والإيمان :وإنما صار الدين الإخلاص، والإسلام، والإيمان (7)، :فإنما أسلم المسلم، وأشرك المشرك، خضوعاً لله، وللوثن، ليقربه إلى الله زلفى، لذلك وصف الله في تنزيله عز شأنه فقال :(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر :3) وإنما سمي شرك المشرك، وكفره، ديناً، لأنه اتخذ إلها من دونه، فخضع له، فقال :(لكم دينكم ولي دين) (الكافرون :6)، أي لكم خضوعكم لمن خضعتم له، ولي خضوعي لمن خضعت له (8).

معنى الدين في الاصطلاح:

والدين بمعناه الاصطلاحي، شامل لمعانيه الواردة في لغة القرآن الكريم، من أنه الحساب، والجزاء، والمكافأة، وبمعنى الطاعة، والخضوع، والانقياد لأمر الله عزوجل، وبمعنى الحكم، والقضاء، والقانون الجنائي، والحدود خاصة، وهذا المعنى الأخير بحاجة إلى بيان، لكثرة الشبه، التي آثارها عليه الغزو الأجنبي، وما تبعه من نظم الحكم العلمانية.

وقد جاء بهذا المعنى في قوله تعالى :(ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) (يوسف : 76)، أي في سطانه، وحكمه، وقضائه.. أما في سورة النور فقد جاءت الآية :(الزانية والزاني فاجلدوا كل منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ) (النور :2)، في إشارة خاصة إلى الحدود، وهي جزء من أحكام القوانين الجنائية، التي يختص بالحكم فيها الحاكم، أو من أنابه عنه.

ويلزم من ذلك، وجوب إقامة الدولة الإسلامية، والحكم بالشريعة الإسلامية، مع ما يتبع ذلك من فقه سياسة الأمة، وسيادة الدولة.

معنى .. (الشريعة)

أولاً :معنى الشريعة في اللغة العربية:

الشِّرعة، والشريعة، في كلام العرب: مَشْرَعُة الماء، وهي موردُ الشاربة، التي يُشْرَعُها الناس، فيشربون منها، ويستقون.. والعرب لا تسميها شريعة، حتى يكون الماء عداً، لاانقطاع له، ويكون ظاهراً معيناً، لا يُسقى بالرَّشاء.. كما ترد كلمة (شرع) بمعنى أظهر، وشرع فلان، إذا أظهر الحق، وقمع الباطل.

والشريعة :العادة، وهذا شرعة ذلك، أي مثاله.. والشارع، الطريق الأعظم، الذي يَشْرَعُ فيه الناس عامة .وأشرع الشيء :رفعه جداً، وحيتانُُ شُرُوعُُ :رافعة رؤوسها (9).

ثانياً :معنى الشريعة كما وردت في القرآن الكريم:

(أ) يقول الله تعالى :(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً الذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه ). (الشورى :13)، ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية :شرع لكم من الدين، ما شرع لقوم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ثم بين ذلك بقوله تعالى :(أن أقيموا الدين )، وهو توحيد الله، وطاعته، والإيمان برسله، وكتبه، وبيوم الجزاء، وبسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلماً.. ولم يرد المصالح، التي هي مصالح الأمم، على أحسن أحوالها، فإنها مختلفة، متفاوتة. قال تعالى :(لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ) (المائدة :48). ويتابع القرطبي تفسير هذه الآية، مسنداً ذلك إلى القاضي أبي بكر بن العربي، أنه قال :ثبت في الحديث الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة الكبير المشهور :(ولكن ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض…..) (10).

وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول نبي بغير إشكال، لأن آدم لم يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، إنما كان نبياً على بعض الأمور، واقتصاراً على ضرورات المعاش، وأخذاً بوظائف الحياة، والبقاء، واستقر المدى، إلى نوح، فبعثه الله بتحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب في الديانات.. ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء، صلوات الله عليهم، واحداً بعد واحداً، وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل، ملتنا، على لسان أكرم الرسل، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان المعنى :أوحيناك يا محمد، ونوحاً، ديناً واحداً، يعني الأصول، التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي :التوحيد، والصلاة، والزكاة، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والزلف إليه بما يرد القلب، والجارحة إليه، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والزنا، والأذية للخلق، كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوانات، كيفما دار، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع، ديناً واحداً، وملة متحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعدادهم، وذكر قوله تعالى :(أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (الشورى :13)، أي اجعلوه قائماً، يريد دائماً، مستمراً، محفوظاً، مستقراً، من غير خلاف فيه، ولا اضطراب، فمن الخلق من وفي بذلك، ومنهم من نكث :(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) (الفتح :10) .. واختلف الشرائع وراء هذه، في معان حسبما أراده الله، فما اقتضت المصلحة، وأوجبت الحكمة، وَضَعَهُ في الأزمنة على الأمم (11).

(ب) (ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون ) (الجاثية :18)، فالشريعة، من شرع الله لعباده، من الدين، والجمع :الشرائع.. والشرائع في الدين، المذاهب، التي شرعها الله لخلقه. فمعنى :(جعلناك على شريعةٍ من الأمر )، أي على منهاج واضح من أمر الدين، يشرع بك إلى الحق.

قال ابن العربي :والأمر يرد في اللغة بمعنيين، أحدهما بمعنى الشأن، كقوله :(فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيدٍ ) (هود:97).. والثاني أحد أقسام الكلام، الذي يقابله النهي، وكلاهما يصح أن يكون مراداً ها هنا، وتقديره :ثم جعلناك على طريقة من الدين، وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى :(ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) (النحل :123). ولاخلاف في أن الله تعالى، لم يغاير بين الشرائع في التوحيد، والمكارم، والمصالح، وإنما خالف بينهما في الفروع، حسبما علمه سبحانه (12). قال ابن عباس :(على شريعة)، أي هدى من الأمر.

وقال قتادة :الشريعة :الأمر، والنهي، والحدود، والفرائض.

وقال مقاتل :البينة، لأنها طريق إلى الحق.

وقال الكلبي :السنة، لأنه يستند بطريقة من قبله من الأنبياء.

وقال ابن دريد :الدين، لأنه طريق النجاة.

ج- وفي تفسير قوله تعالى :(لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا ً) (المائدة :48) يذهب الإمام القرطبي، إلى دلالة هذه الآية :(على عدم التعليق بشرائع الأولين)، وأن (الشريعة، الطريقة الظاهرة، التي يتوصل بها إلى النجاة).. والمنهاج: الطريق المستمر، وهو المنهج.. والمنهج، أي البين، وروى ابن عباس، والحسن، وغيرهما :(شرعةً ومنهاجاً)، سنة، وسبيلاً.. ومعنى الآية :أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله.

وهذا في الشرائع والعبادات.. والأصل، والتوحيد، لا اختلاف فيه. روي معنى ذلك عن قتادة. وقال مجاهد :الشرعة، والمنهاج، دين محمد عليه السلام، وقد نسخ به كل ما سواه (13).

الخلاصة في بيان معنى الشريعة:

والخلاصة، أن هذه الآيات، وما سبق في تفسيرها، تدل على شمول معنى الشريعة، لكل ما جاء به الدين، من مباحث الإيمان، وفقه أركان الإيمان، والإسلام، والأسرة، ووجوب الحكم بما شرع الله، حتى يهتدي الناس بذلك في شؤون حياتهم كلها، في الاعتقاد، والشعائر التعبدية، والشرائع، التي تنظم حياة المجتمع، في قوانين الأخلاق، والآداب، والمعاملات المدنية، والجنائية، التي تشمل الأحكام الحدية والتعزيرية. ثم أن الله قد أغنى المسلمين، بما شرعة في دين الإسلام، عن متابعة ما لدى الملل الأخرى، أو النظم الغربية، أو الشرقية.

وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، يعني الحكم بما أنزل الله، وهو واجب ديناً، قال تعالى :(وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) (المائدة :49).. (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون ) (المائدة :50).. (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (نساء:58).. (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...) (النحل :90).. (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ً) (النساء:65).

وأخيراً، فإنه لا سبيل لتحقيق العدل، والإحسان، وأداء الأمانات، إلا بتحكيم الشريعة، والتسليم الكامل لذلك. ثم إنه لا خيار لمسلم، يؤمن بالله، واليوم الآخر، إلا في هذا الاحتكام لشرع الله، وطاعه الله، ورسوله :(وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) (الأحزاب :36).

الحد.. في اللغة.. والاصطلاح

أولاً :معنى كلمة (حد) في اللغة:

الحد مفرد، وجمعه حدود، وترد كلمة الحد، في اللغة العربية، على عدة معان:

1- بمعنى الفصل بين الشيئين :لئلا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر.. ومنتهى كل شيء حده، ومنه حدود الأرضين، وحدود الحرم.

2- بمعنى التمييز :وحَّددَه :ميزه، وحد كلٍّ، منتهاه، لأنه يرده، ويمنعه عن التمادي.

3- بمعنى المنع :وحد الرجل عن الأمر، يحده حداً :منعه، وحبسه، تقول :حددت فلاناً عن الشر، أي منعته.

4- بمعنى المخالفة، والمعادة، والمحادة :المعادة، والمخالفة، والمنازعة، وهو مفاعلة من الحد، كأن كل واحد منهما يجاوز حده إلى الآخر.

5- بمعنى الحلال، والحرام :

وحدود الله تعالى، التي بين تحريمها، وتحليلها، وأمر ألا يُتعدى شيء منها، فيتجاوز إلى غير ما أُمر فيها، أو نهي عنه منها، ومنع من مخالفتها، قال الأزهري :فحدود الله عزوجل ضربان:

ضرب منها :حدود حدها الناس، في مطاعمهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وغيرها، مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء عما نهى عنه منها، ونهى عن تعديها.

والضرب الثاني :عقوبات، بأن جعلت لمن ارتكب ما نهي الله عنه، كحقد السرقة، وكحد القاذف، لأنها تحد، أي تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها.

وسميت الأولى حدوداً، لأنها نهايات، نهي الله عن تعديها.

قال ابن الأثير :فكأن حدود الشرع، فصلت بين الحلال، والحرام، فمنها ما لا يقرب، كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى :(تلك حدود الله فلا تقربوها ) (البقرة :187)، ومنها ما لا يتعدى، كالمواريث المعينة، وتزوج الأربع، ومنه قوله تعالى :(تلك حدود الله فلا تعتدوها ) (البقرة :229).

ومنها الحديث- في قول ماعز)- إني أصبت حداً فأقمه علي، أي أصبت ذنباً، أوجب علي حداً، أي عقوبة (14).

وفي حديث أبي العالية، أن اللمم- الوارد في الآية :(إلا اللمم ) (النجم :32) - ما بين الحدين، حد الدنيا، وحد الآخرة، يريد بحد الدنيا :ما تجب فيه الحدود المكتوبة، كالسرقة، والزنا، والقذف. ويريد بحد الآخرة :ما توعد الله تعالى عليه العذاب، كالقتل، وعقوق الوالدين، وأكل الربا.. فأراد أن اللمم من الذنوب، ما كان بين هذين، فيما لم يوجب عليه حداً في الدنيا، ولا تعذيباً في الآخرة.

ثانياً :معنى الحد في الاصطلاح:

الحد، عقوبة مقدرة لأجل حق الله، فيخرج التعزير، لعدم تقديره، أو القصاص، لأنه حق آدمي (15).

وسميت عقوبات المعاصي، حدوداً، لأنها تمنع العاصي، من العود إلى تلك المعصية، التي حد لأجلها، في الغالب (16).

قال ابن حجر العسقلاني :وقد حصر بعض العلماء، ما قيل بوجوب الحد به، في سبعة عشر شيئاً، فمن المتفق عليه :الردة، والحرابة- ولم يتب قبل القدرة عليه-، والزنا، والقذف، وشرب الخمر- سواء أسكر أم لا -والسرقة (17).

وقد ذهب ابن رشد، إلى إطلاق كلمة الحد، على كل العقوبات المقدرة، في الكتاب والسنة، حيث يقول :(الجنايات، التي لها حدود مشروعة، جنايات على الأبدان، والنفوس، والأعضاء، وهي المسماة، قتلاً، وجرماً.. وجنايات على الزوج، وهي المسماة، زنا، وسفاحاً، وجنايات على الأموال...) (18).

هذا، ويتبين مما سبق، أن الحدود كانت تطلق بتوسع، حتى بلغ بعض الفقهاء، بمعناها الاصطلاحي، ما أشار إليه ابن حجر العسقلاني، في قوله المتقدم.. أما جمهور الفقهاء، فقد اتفقوا على الحدود الخمسة التالية :السرقة، والحرابة، والزنا، والقذف، والخمر، واختلفوا فيما سواها.

العقوبات الحدية :

وهي سبع عقوبات:

1- الجلد، ودليله:

(أ) قوله تعالى :(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ٍ) (النور :2).

(ب) وقوله تعالى :(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شاهدةً أبداً وأولئك هم الفاسقون ) (النور :4).

(ج) لما صح في السنة، من جلد شارب الخمر، وهكذا فعل الخلفاء الراشدون.

2- القطع :

ودليله، قول الله تعالى :(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) (المائدة :38).

3- القتل.

4- الصلب.

5- القطع من خلاف.

6- النفي.

ويدل على ذلك قوله تعالى :(إنما جزآؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتّلُوا أو يُصلّبُوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم في الأخرة عذاب عظيم 33 إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله عفور رحيم ) (المائدة :33-34).

7- الرجم، وقد ثبت بالسنة النبوية الصحيحة.

أثر إقامة الحدود في إصلاح المجتمع

(أ) عقدياً :سلامة الاعتقاد، واتساق المسلم مع نفسه، بتحكيم الشريعة، وحفظ الدين، وصيانته في وجه المرتدين، الخارجين عليه، المحادين لله، ورسوله.

(ب) أخلاقياً :الاستقامة، والعفاف، والطهر، وحسن المظهر العام، وتعليم الأمة أفرداً، وجماعات، وتربيتها على حب الفضيلة، وكراهية الرذيلة، وبغض أهلها، وشهود ما يجري عليهم، من إقامة الحد :(وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) (النور :2)، مقارنة بما في العالم الغربي، من جرائم متكاثرة، ربما رأوها معيار حضارة، وتقدم، قياساً على مقدار ما يستهلكونه، من طاقة كهربائية.

يضاف إلى ذلك :استقرار الأسر، وحمايتها من التشرد، وحفظ الأعراض، وصيانة الأنساب، وطهارة المجتمع، وسد أبواب الفساد، والفحش، والبذاءة، والتبذير، وإفساد العقول، ورعاية مصلحة المجتمع في ذلك كله، وإن وقع الضرر في ذلك على أفراد معينين.

(ج) اقتصادياً :حفظ المال، وتنميته، وحماية الملكية، وإعلاء العمل، وحسن استثمار الوقت.

(د) أمنياً :الأمن على النفس، والعرض، وفي الممتلكات، لأن السرقة عدوان على الملكية، والحرز، وما يتحقق من أمن اجتماعي، بإقامة الشريعة.

(هـ) التجاوب الشعبي :لأن الشعب، يدرك بفطرته، أنه تتجلى آية كمال الإيمان، ومنتهى الصدق، في توجه الدولة إلى الله، بإقامة الحاكم لشرع الله، مع العناية بتنفيذ الحدود، لأن في ذلك مباينة تامة، ومفارقة كاملة، للقوانين الوضعية.. وفي سبيل ذلك، يبايع الحاكم، إماماً للمسلمين، وتبذل له الطاعة الخالصة، ويجاهد وراءه، ويتحمل الشعب المعاناه في المعاش، والحصار الاقتصادي.

(و) بركة الحياة :حيث تتنزل البركة على المجتمع، فينعم الفرد، والجماعة، بفضل الاستجابة لأمر الله تعالى، الاستقامة على شرع الله، بنزول الغيث، ونماء الزرع، وكثرة القوت، والأمن من فتنة الجدب، والجوع، واختلال الأمن، وانتشار الخوف، والرعب، يقول الله تعالى :(فليعبدوا رب هذا البيت * الذى أطعمهم من جوعٍ وءامنهم من خوف ) (قريش :3-4) :وقال تعالى :(ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ) (الأعراف :96).. ويقول سبحانه وتعالى :(وألو استقموا على الطريقة لأسقيناهم مآءً غدقاً ) (الجن :16).

أثر تطبيق حد الزنا في إصلاح المجتمع

الردع الحاسم، بعقوبة تكافئ جريمة مقيتة، حمل عليها سعار الشهوة البهيمية، دون مراعاة لكرامة الإنسان، المميز على غيره، أو احترام لنظام الشريعة، الذي وثق العلائق الزوجية، وصانها، فسن الرضا، والإيجاب، والقبول، والإشهاد، والإشهار، حتى امتن الله على عباده بهذه النعمة، وجعلها من علامات قدرته :(ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة إن فى ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون ) (الروم :21).

ولذلك كانت عقوبة المجاهرة بهذه الفاحشة، حتى شهد عليها، بصورتها المغلظة، أربعة شهود عدول، أو جاء الزاني مقراً على نفسه بالزنا، وجاء بكامل قواه العقلية، وطوعه، واختياره، مريداً تطهير نفسه، بإقامة الحد عليه.. وكانت حكمة الشريعة عظيمة في سن هذه العقوبة الرادعة للجاني، حتى لا يعاودها، والزاجرة لغيره، عن الاقتراب من هذه الفاحشة.. وتحقيقاً للزجر المراد، كان حد الزاني غير المحصن، كما أمر الله تعالى :(الزانية والزاني فاجلدوا كل منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) (النور :2)

ولأن هذه الجريمة، تنشأ عادةً من سعار الشهوة، وما يصاحبها من إغواء، وإغراء، بحيث لا يكف عن الاقتراب منها، صاحبها، ما لم يخوف، ويواجه بعقوبة مشددة، مع افتضاح أمره، وشهود الناس، والمجتمع عليه، يقام عليه الحد.. وبتنفيذ هذا الحد، تحفظ الأعراض، وتصان الأنساب، وتؤدى الحقوق، ويسلم المجتمع.

أثر تنفيذ حد القذف في إصلاح المجتمع

من ذلك:

1- كف السفهاء من تدنيس المجتمع، ورمي الأطهار، واتهامهم بالفواحش، وتخويفهم من عاقبة ذلك، حتى هددهم الله تعالى بالعقوبة الدنيوية، والأخروية.. قال تعالى :(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والأخرة ) (النور :19).. ثم فصلت الآية الكريمة، وهي الرابعة من سور النور، العقوبة الحدية للقذف، من الجلد، وإسقاط الشهادة، والاتصاف بالفسق :(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون ) (النور :4).

2- حماية المجتمع من انتشار الفاحشة، وخدش حياء المحصنات، العفيفات الطاهرات.

3- حماية الأعراض، وشرف الأسر الكريمة، من المرجفين، والمستهزئين.

4- زجر الفساق، من الطعن في الأنساب الكريمة، التي هي أساس التواصل، والتعارف :(يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (الحجرات :13).. ولقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسب إخوانه، بالفسق، حيث قال :(سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) (19)، بل وصف عليه الصلاة والسلام، المسلم الحق بأنه :(من سلم المسلمون من لسانه ويده ) (20).

أثر تنفيذ حد الخمر في إصلاح المجتمع

من ذلك:

1- حماية العقول، وعدم تعطيلها.

2- حفظ الكيان الأسري، من التفكك، والانهيار، وضياع الأولاد.

3- حفظ المال، من إضاعته في شراء الخمر، ومن تبديده، وصرفه في غير وجه حق، بسبب غياب العقل.

4- حفظ الأمانات، وعدم إفشاء الأسرار، واستخدام الأعداء للمخمورين، في معرفة بعض الخبايا، والأسرار.

5- الكف عن جرائم عديدة، تقود إليه الخمر، فهي حقاً أُمّ الخبائث.

6- الحفاظ على الصحة النفسية، والجسمية، للأفراد، والجماعات.

7- عدم تبديد الوقت، وتضييعه.

8- مضاعفة الانتاج، بتوظيف الطاقات العاملة في المجتمع.

أثر حد السرقة في إصلاح المجتمع

من ذلك:

1- كف السارقين، وردعهم بعقوبة غليظة، وزجر من تسول له نفسه، أن يسرق، بقطع يده، وافتضاح أمره، وهوانه على الناس.

2- التنفير من أكل أموال الناس بالباطل، على وجه السرقة، بعقوبة حاسمة، ورادعة، وزاجرة، لتكون صورة السارق المحدود، باعثة على كراهية جريمة السرقة.

3- حفظ الملكية الخاصة، وأموال الناس، وقد اجتهدوا في جمع المال، وتنميته لمصلحة المجتمع.

4- إعلاء قيمة العمل، والإنتاج، والكسب الحلال، ليكون وسيلة للتملك، والاقتناء، من أداء حق الله فيه، نحو المجتمع، على وجه الوجوب، بالزكاة، والكفارات، أو على وجه الإحسان، صدقة، وبراً، وصلة.

5- تحقيق الأمن، والاطمئنان النفسي للفرد، وللمجتمع.

6- الرحمة بالناس، بإقامة حد السرقة، رعاية للحكمة المرادة، من ذلك، كما قال تعالى :(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم * فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) (المائدة :38-39)، وذلك لأن في كف الناس عن السرقة، وزجرهم، عنها رحمة بهم، من تكفير عن السارق، وزجر للغير.. فالحدود زواجر وجوابر معاً، ومن رحمة الله بالمجتمع، في صيانة المال الذي هو قوام الحياة، وحماية الملكية الخاصة، وإعلاء قيمة العمل، والاعتماد على النفس في الكسب، والإنتاج.

وفيما تقدم، تحقيق لمعاني الرحمة، ولئن كانت فاصلة الآية السابقة، ببيان حد السرقة، تصفه سبحانه، بالعزة، والحكمة، فإن التالية لها تختم بالغفران، والرحمة، فسبحان الله تعالى المشرع، الحكيم، العادل، الموصوف بالرأفة، والرحمة، وهو تعالى القائل :(إن الله بالناس لرءوف رحيم ) (الحج :65)، وصلوات الله المباركات، وتسليماته الزاكيات، على رسوله الأمين، الذي أقام الشريعة، ونفذ الحدود، والذي وصفه ربه بالرأفة، والرحمة، وأنزل عليه في هذا الشأن، في أواخر ما نزل من القرآن :(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) (التوبة :128).

أثر تنفيذ حد الحرابة في إصلاح المجتمع

من ذلك:

1- حفظ المال، من أن يعتدى عليه بالقوة، والغلبة، فتتعطل مصالح الأفراد، والجماعات، وللوقاية من أن يستخدم المعتدون القوة، في أخذ أموال الناس، فكانت العقوبة مشددة، أكثر من عقوبة السرقة العادية.

2- حفظ الأعراض، من الانتهاك، باستخدام القوة، أو الإكراه على الفاحشة، يقول القرطبي :(إذا أراد إخافة الطريق، بإظهار السلاح، قصداً، للغلبة على الفروج، فهذا أفحش، وأقبح، من أخذ المال) (21)، ولذلك كانت شدة العقوبة بالقتل، دون تفرقة بين كون الزاني محصناً، أو غير محصن.

3- حفظ الأنفس، والآمنين، من إرهاب المحاربين، المحادين لله ورسوله، فلا عفو من أحد، ولو كان ولي الدم، أو الإمام، بل تتحتم العقوبة على المحاربين.

4- تأمين الطريق، والمجتمع، والمجتمع، ونشر الطمأنينة فيه، والاستقرار، وكف شر المحاربين، المعتدين على سلامة الأرواح، والدماء، والأعراض، والأموال.

5- استقرار الدولة، والمجتمع، وإخلاص الولاء لولاة الأمور، من الحكام المسلمين.

6- حرية الحركة، والتنقل، وما يؤدي إليه ذلك من نهضة اقتصادية.

أثر إقامة القصاص في إصلاح المجتمع

من ذلك:

1- كف المعتدين، من الجناية على الأنفس، والأرواح، والجوارح، والأعضاء، وحماية المجتمع من الاعتداء، بعضه على بعض، ومن التقاتل ثأراً، بعقوبة رادعة، وزاجرة، ومماثلة لما فعله الجاني بأخيه.. يقول تعالى في وجوب إقامة القصاص :(يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) (البقرة :178)، ويقول سبحانه وتعالى :(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) (المائدة :45)، ويقول تعالى :(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) (النحل :126) (ولكم في القصاص حياة ) (البقرة:179).

2- تأمين المجتمع، من انتشار الجرائم، والعدوان، بعضه على بعض، وتماسك المجتمع، واستقراره، بالقصاص، أو بالعفو عنه، ممن جعلت لهم الشريعة هذا الحق.. وفي إثبات حق أولياء الدم في العفو، ما يحقق رعاية هذا الأمر، ويحقق التسامح مع من وقع في الخطيئة، من غير أن يكون من معتادي الجرائم، مع مراعاة حق الإمام الحاكم، في أن يوقع بالجاني، عقوبة تعزيرية مناسبة.

التوبة وأثرها في رفع الحدود أو العقوبة

أولاً :سقوط عقوبة المرتد بالتوبة:

وهو رأي جمهور الفقهاء :أنه يجب أن يستتاب المرتد، فإن تاب، عفي عنه وأخلي سبيله (22).

ثانياً :سقوط عقوبة المحاربة بالتوبة:

إذا تاب المحارب، قبل المقدرة عليه، فإن العقوبة المقررة المنصوص عليها، تسقط.. يقول تعالى :(إنما جزآؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيدهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الأخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) (المائدة :33-34).

ثالثاً :سقوط عقوبة الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، بالتوبة :

وهو رأي الحنابلة، وبعض الفقهاء، أن التوبة إذا حدثت قبل وصوله إلى الإمام، فإنها تسقط عنه الحد، ومستدلين بأن الآيات الموجبة للعقوبة، المنصوص عليها، تلتها آيات التوبة، والمغفرة، والرحمة، قال تعالى :(والذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان تواباً رحيما ً) (النساء :16)، وقال أيضاً :(فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) (المائدة :39).

كما جاءت التوبة، بعد عقوبة الشرك، والقتل، كما في قوله تعالى :(والذين لا يدعون مع الله إلاهاً ءآخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * إلا من تاب وءامن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ) (الفرقان :68-70).

ويستدلون، بأن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم الحد على من جاء تائباً، أن ذلك خاص بهم، بأنهم طلبوا تطهيراً لأنفسهم (23).

والتوبة النصوح، باب عظيم في الأمل في رحمة الله، وفضله، ونيل محبته تعالى :(إن الله يحب التوابين ) (البقرة :222) .. وقد ندب الله تعالى إلى التوبة النصوح، فقال تعالى :(يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبي والذين ءامنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شىءٍ قدير ) (التحريم :8).

وعندما يحقق المؤمن التوبة، فإنه يحقق لنفسه الاستقرار النفسي، ويتخلص من العقد النفسية، التي تؤرقه، إلى جانب تكفير السيئات، وسقوط العقوبات، المترتبة على اقتراف تلك المخالفات.

رابعاً :سقوط حد القذف بالتوبة:

وفي أثر توبة القاذف، في سقوط الحد عنه، نقرأ قوله تعالى:(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) (النور :4-5).

خصائص الشريعة الإسلامية

ومن أبرز خصائص الشريعة الإسلامية:

1- تحقيق العدالة، مع الإحسان في الحكم، والمساواة بين الناس كافة :(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأماناتٍ إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (النساء :58)، ومن ذلك، النهي عن الشفاعة في الحدود، بعد بلوغها الإمام، وفيه حديث أسامة المشهور :(أتشفع في حد من حدود الله؟)(24)

2- إقامة الرقيب الداخلي :التزكية الإيمانية، على الطاعة، والاستقامة، كآداب الاستئذان، وغض البصر، والخلوة، والبعد عن الفواحش، وما يؤدي إليها، وبغضها، لأنها ليست من أخلاق المؤمنين، مع ما ورد من الزجر عنها، ووصف مقترفيها بالفسق، وتخويفهم بالخزي، والنكال في الدنيا، وغذاب الآخرة، الأمر الذي يجمع بين الديانة، والقضاء، وفي حديث صحيح (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) (25).

3- رعاية مصلحة المجتمع، وسد باب الفساد، وإن، أوقع ذلك بعض الضرر، على أفراد معينين.

4- إحياء الرقيب الاجتماعي :الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرقابة الاجتماعية على المجتمع، بأداء واجب الحسبة، لإحداث الرقي الأخلاقي، في المجتمع.

5- تيسير أبواب الحلال، والطيبات، مع الحض عليه، فيما يغلق أبواباً من الشر، والمنكرات.

6- الطبيعة الحاسمة لأحكام الشريعة، في مقابل القوانين الأوربية الوضعية، التي تبالغ في العقوبات (الحبس والسجون)، وقد صار أثرها السيء واضحاً في تعليم الإجرام، وإفساد السجناء، بما يقترف في السجون، من منكرات، مع ما يؤدي إليه الحبس من كراهية المجتمع، وتعميق روح الانتقام، وضياع أسر السجناء.. زيادة على ذلك، فإن هذه السجون، عبء على الأمة، في إيواء المجرمين، وإعاشتهم.

7- كون هذه العقوبات، المقدرة في الشريعة :(نكلاً من الله والله عزيز حكيم ) (المائدة :38)، أي عبرة للآخرين، عن مصير المجرم المحدود، ليتجنبوا فعل ما أوجب تلك العقوبة، ممن شهدوا إقامة الحد عليه، أو رأوا أثره.

8- استقلال المسلمين، وتميزهم في الأمم، والحضارات المعاصرة، خاصة بهذه التشريعات، ولذلك فإن الغرب شديد العداء، والمقاومة لهذه التشريعات الإسلامية عامة، والحدية منها خاصة، لأنها تخص المسلمين، وتميزهم عن غيرهم، وتقطع أمل الأعداء في رد المسلمين عن دينهم :(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ) (المائدة :3).

ومهما يكن من نفور الغرب، من بعض أحكام الشريعة، ووصفها بالقسوة، فإنه لاجئ إليها اضطراراً، كما رجعت مضطرة لإعادة عقوبة الإعدام. ومع أن الغرب لا يزال يستخدم اسم الإنسانية، وحقوق الإنسان، في تشويشه على التشريعات الإسلامية، حتى على عقوبة الجلد، فإن قانون العقوبات الإنجليزي، قد تضمن في مواده، عقوبة الجلد، وظل هذا القانون معمولاً به في بعض البلاد الإسلامية، مثل السودان، إلى وقت سن التشريعات الإسلامية.

ومهما يكن من عداء الغرب، وغيره، للشريعة، والدعاية الظالمة ضدها، فإنها دعوة منصورة، بإذن الله: (يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) (محمد :7).. (ولينصرن الله من ينصره ) (الحج :40).. (وما النصر إلا من عند الله ) (آل عمران :126).. (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون ) (الصافات :171-173) .. (كتب الله لأغلبن أنا ورسلى ) (المجادلة:21) .. (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (يوسف :21).

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة