مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

النظام المالي الإسلامي

تمهيد:

خصص هذا الفصل للتعريف بالنظام المالي الإسلامي ، وهذا الموضوع يقابله في الفكر الاقتصادي الوضعي العلم المعروف باسم: المالية العامة .

وهو العلم الذي يبحث في إيرادات الدولة ونفقاتها ، ويمتد إلى دراسة ما يعرف باسم الميزانية العامة ، حيث يجمع بين الإيرادات والنفقات .

وما أقدمه في هذا الفصل عن النظام المالي الإسلامي، ناقشت فيه موضوعات أرى أنه تعطي تصوراً إجمالياً عن الموضوع ، وقد اتجهت في الدراسة إلى تقديم تحليل مالي واقتصادي للموضوعات التي ناقشتها ، وأما فقه هذه الموضوعات ، فلم أخصصه بفقرة مستقلة على النحو الذي يظهر في بعض فصول هذا الكتاب، وذلك لأن هذا الفقه معروف ، حيث يتدخل فيه نظام الزكاة والخراج والعشور (المكوس ) والتوظيف المقابل للضرائب في المالية العامة .

لذلك فالموضوعات التي بحثتها في هذا الفصل بناء على هذا المنهج الذي أشرت إليه هي :

1- المصطلح الملائم للنظام المالي الإسلامي . وقد أجريت مناقشة واسعة نسبيّاً عن هذا الموضوع ، واستهدفت من ذلك إبراز طبيعة النظام المالي الإسلامي وتكييف عناصره إيراداً وإنفاقاً .

2- إيرادات النظام المالي الإسلامي ، وما قدمته عن هذا الموضوع جاء في صورة دارسة تحليلية (مالية ) ، وما بحث في هذه الفقرة يخدم التصنيف (المالي ) للإيرادات في النظام المالي الإسلامي .

3- وظائف النظام الإسلامي . كان الملائم بعد دراسة الإيرادات تقديم دراسة عن النفقات ، ولكن رأيت تقديمها من خلال بحث وظائف النظام المالي الإسلامي ، ومن خلال هذه الوظائف بينت بإجمال النفقات التي تظهر في النظام المالي الإسلامي ، مع بيان الوظائف التي تترتب عليها .

4- إجراءات النظام المالي الإسلامي . هذا الموضوع له طابعه ، وهو مما يظهر فيه التطور ، وقد رأيت أن أعرضه من خلال أحد كتب الفقه المالي الرئيسة ، واخترت كتاب الأموال لأبى عبيد ، فله أهميته في هذا المجال .

والسبب الذي من أجله اخترت هذا المنهج ، لبحث هذا الموضوع ، هو إظهار أن هذا الموضوع الفني اهتم به الفقهاء قديما ، وما قدمته عن هذا الموضوع يبين أهمية ما قالوه في هذا الصدد .

5- الحسبة . بحث هذا الموضوع في إطار النظام المالي قد يتوقف معه ، لأن النظام المالي يتجه إلى دراسة الإيرادات والنفقات ، وما يتفرع عن ذلك . ومع ذلك فإن بحثي لهذا الموضوع له مبرره . ذلك أن التعرف على ما قاله الفقهاء عن الحسبة ، وهي تمثل الدواء الرقابي للدولة ، يبين أنهم أدخلوا عناصر من النظام المالي . وهذا التكييف للدور الرقابي للدولة مما يتميز به الاقتصاد الإسلامي . وقد اخترت لبحث هذا الموضوع أن أعرضه من خلال أحد كتب الفقه المعتمدة في ذلك ، وهو كتاب الأحكام السلطانية للماوردي .

6- من أخلاق النظام المالي الإسلامي . الحديث عن الاقتصاد الإسلامي ، نربطه دائما بالأخلاق ، والدراسات التي احتوت على مناقشة لهذا الموضوع ركزت الحديث على الأخلاق من قبل الأفراد ، ولتقريب هذا المعنى يمكن القول : الأخلاق في اقتصاد القطاع الخاص . في إطار عرضي للنظام المالي الإسلامي ، أعطيت أهمية لبحث هذا الموضوع ، لأبين أن الإسلام نظم أيضاً أخلاقيات الدولة في أداء دورها الاقتصادي . والمنهج الذي اخترته لبحث هذا الموضوع ، هو أن أعرضه في إطار أحد كتب الفقه المعتمدة في ذلك ، وهو كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف . وسبب اختياري هذا الكتب ، أن أبا يوسف وضعه بناء على طلب من هارون الرشيد الخليفة العباسي ، أي أنه وضع ليكون سياسة مالية للدولة الإسلامية ، وقد أعطى أبو يوسف اهتماماً للبعد الأخلاقي الذي يغلف النظام المالي الإسلامي .

المبحث الأول

المصطلح الملائم للنظام المالي الإسلامي

الموضوع الذي ينبغي أن نبدأ به البحث في النظام المالي الإسلامي هو المصطلح الذي يتلاءم مع التشريعات المالية والاقتصادية ، بحيث نسمي به هذا الفرع من فروع الاقتصاد الوضعي وهو : المالية العامة وتعني كلمة العامة في المصطلح أن هذا المال يقابل المالية الخاصة، فالدولة تمتلك هذا المال ، وتتخذ بشأنه قرارات استخدامه وتوزيعه على صور الإنفاقات المختلفة ، وعلى هذا النحو تكون كلمة (( عامة )) هي بمثابة تكييف وتحديد لطبيعة هذا المال .

النظام المالي الإسلامي يقابل المالية العامة ، هل يتلاءم مع طبيعته أن نسميه المالية العامة الإسلامية ؟؟ . إن تحليل النظام المالي الإسلامي الذي تكون الدولة طرفاً فيه توجد به عناصر، تجعل طبيعته لا تتفق معها كلمة (( عامة )) ، ومن هذه العناصر :

أولاً ـ المالية العامة محكومة بقاعدة عدم تخصيص الإيرادات . وتعني هذه القاعدة أن الدولة وهي تقوم بتحصيل الإيرادات من الأفراد بأنواعها المتعددة تجمعها بحيث لا تكون هذه الإيرادات مخصصة لإنفاق معين ، وإنما تجمعها أولا عامة ، وبعد ذلك تبدأ الدولة بواسطة أجهزتها الكثيرة في توزيع هذه الإيرادات على أنواع النفقات التي تقوم بها . ولذلك فإن كلمة (( عامة )) تتضمن إعطاء الحرية ( المطلقة ) للدولة في تخصيص الإيرادات .

هذا المعنى المتضمن في مصطلح (( عامة )) يجعلنا نتوقف أمام استخدامه في المالية الإسلامية، التي تكون الدولة طرفاً فيها ، ذلك أن تحليل عناصر الإيرادات في النظام المالي الإسلامي يبين أنها في إجمالياتها مخصصة ، ويعني هذا أن المالية الإسلامية تخضع بإجمال لقاعدة تخصيص الإيرادات . وأعرض بعض العناصر في المالية الإسلامية، والتي تدلل على الرأي الذي أقترحه:

1- الزكاة ، وهي عماد النظام المالي الإسلامي كلها تخضع لقاعدة تخصيص الإيرادات ، بمعنى أنه عند جمعها يكون محدداً أوجه صرفها ، ولا يترك أمر صرفها بعد جمعها لقرارات أجهزة الدولة .

2- التوظيف في النظام المالي ، وهو ما يتشابه مع الضريبة جزئيّاً ، هذا التوظيف ، وعلى النحو الذي بحثه الفقهاء وأجازوه يخضع لقاعدة التخصيص، فالحاكم لا يوظف على القادرين ماليّاً إلا لحاجة حقيقية ومحددة ، وليس للحاكم أن يوظف بمعنى يفرض ضرائب ، ثم بعد ذلك ينظر في أمر تخصيصها على أوجه الإنفاق التي تقوم بها الدولة .

3- بعض عناصر النظام المالي الإسلامي قد لا تكون خاضعة لقاعدة التخصيص ، بمعناها الذي حدد؛ مثل الخراج والالتزامات المالية الواقعة على غير المسلمين ، إلا أن النظر في هذه العناصر يبين أنها مخصصة على نحو إجمالي ، فهذه الإيرادات تنفق في مصالح المجتمع . والفقهاء يحددون هذه المصالح على نحو فيه تفصيل ودقة .

ثانياً: كلمة (( عامة )) الواردة في مصطلح المالية العامة لها معناها من حيث الملكية ، إنها تعني أن هذا الأموال مملوكة ملكية عامة ، وهذا في مقابل الملكية الخاصة ، أي أن هذه الأموال تصبح مملوكة للدولة . في النظام المالي الإسلامي ، ملكية الدولة لهذه الإيرادات فيها توقف ، وأعرض في هذا الصدد العناصر التالية للتدليل على ذلك :

1- الزكاة وهي عماد النظام المالي لا تدخل الملكية العامة ، بمعنى لا تمتلكها الدولة ، وإنما يد الدولة عليها يد واسطة ، تمر عليها الزكاة من الأغنياء إلى المستحقين للزكاة . ولهذا لا يقبل أن تسمى الزكاة مالية عامة ، على أساس أن الدولة امتلكتها ، فأصبحت ملكية عامة ، بل إن الزكاة لا تدخل في ميزانية الدولة ، وإنما يكون لها ميزانيتها المستقلة.

2- بحث الفقهاء موضوع دفع الزكاة إلى الأمراء ، وقد اختلفوا في ذلك ، فمن الفقهاء من يرى أنها تدفع إليهم ، ولكن توجد أيضاً آراء لها أهميتها : أنها لا تدفع إليهم . وهذا الاختلاف الفقهي حول هذا الموضوع يؤكد الرأي الذي نظهره هنا ، وهو أن الزكاة لا تدخل في ملكية الدولة ، أي أنها لا تكون ملكية عامة .

3- أشير في هذا الصدد إلى حوار ، أرى له دلالة واتصالا ، واتصاله فيما نتكلم عنه ، وهو طبيعة يد الدولة في النظام المالي الإسلامي ، وهو الحوار الذي جرى بين معاوية بن أبي سفيان ، وأبي ذر الغفاري . كان معاوية يقول عن المال الذي دخل في حوزة الدولة : مال الله ، فاعترض عليه أبو ذر حين سمع ذلك وقال له : يا معاوية ما يدعوك لأن تسمي مال المسلمين مال الله ؟ قال معاوية: يا أبا ذر ألسنا عبيد الله والمال ماله ؟ فرد أبو ذر وقال: لا تقله . قال معاوية: سأقول: مال المسلمين . هذا الحوار يدل على أن التسمية ليست مسألة شكلية وإنما هي تكييف سياسي واقتصادي . فإذا كان المسلمون الأوائل ممثلين في أبي ذر ، رفضوا التسمية بمال الله ، ورأوا أن تسمى باسم مال المسلمين ، فإن هذا يدل على أنها ليست مملوكة الدولة ، وإنما لجماعة المسلمين ، والتكييف على هذا النحو له معطياته ، فيمن يتخذ القرار ، وفيمن يراقب ، وغير ذلك مما يدخل في هذا الموضوع .

ثالثاً : مصطلح (( عامة )) في المالية العامة يشير إلى نوع معين من المركزية ، أي جعل الأمر عل مستوى الدولة ككل . وتطبيق هذا على موضوعنا يعني أن الإيرادات كلها تجمع في الخزانة العامة للدولة ، وبعد ذلك توزع هذه الإيرادات كنفقات عامة .

هذا الأمر على هذا النحو ، أي تجميع الإيرادات وجعلها عامة ، وإنفاقها على أنها عامة لا ينطبق على كل عناصر النظام المالي الإسلامي . إن الزكاة التي هي عماد النظام المالي الإسلامي لها طبيعة محلية ، ويمكن أن تتسع دائرة إنفاقها فتشمل المجتمع الإسلامي كله إلا أنها تبدأ محلية .

وليست الزكاة هي وحدها التي يظهر فيها عنصر المحلية ، وإنما الالتزامات المالية الإسلامية الأخرى فيها هذه الخاصية ؛ أنها تبدأ محلية ، ثم بإعمال مبدأ التكافل الاجتماعي، والمسؤولية المشركة بين المسلمين كافة ، تتسع دائرتها بحيث يمكن أن تشمل المجتمع الإسلامي كله .

والتشريع المالي الإسلامي من هذا البعد له تميزه الواضع، ذلك أنه يبدأ بوحداته الصغيرة من حيث المسؤولية ، ثم تتسع هذه المسؤولية إلى مستوى أكبر عند الحاجة إلى ذلك .

بناء على هذه المناقشة حول المصطلح الملائم استخدامه في المالية الإسلامية التي تكون الدولة طرفاً فيها ، نجد أن مصطلح المالية العامة ، وهو المصطلح المستخدم في الاقتصاد الوضعي ، لا يتلاءم مع المالية الإسلامية .

وذلك لأن طبيعة المالية الإسلامية وتكييفها ، لا تتفق مع التكييف الذي يتضمنه مصطلح (( عامة )) . ولهذا فالاقتراح هو استخدام مصطلح النظام المالي الإسلامي في مقابل المالية العامة في الاقتصاد الوضعي .

وفي نهاية بحث هذا الموضوع المتعلق بالمصطلحات ، فإنه تلزم الإشارة إلى أن أمر المصطلح ليس أمراً شكليّاً ، وإنما هو تكييف شرعي ، له معطياته التطبيقية ، وأن تمسكنا برفض وصف ((عامة )) تستهدف أن نحافظ للنظام المالي الإسلامي على غاياته ومقاصده. وكان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يفهم ذلك فهّماً دقيقاً. والذين يدق عليهم فهم ما فهمه بدقة أبو ذر أذكرهم لهم حقيقة مالية معاصرة: ليست المشكلة في كثير من الدول حجم الإيرادات أو حجم النفقات ، فالدولة الحديثة تملك من وسائل الإجبار ومن المصادر ما تحصل به على ما تشاء من أموال ، وإنما القضية هي إدارة هذه الإيرادات والنفقات ، والانحراف كله الذي نشكو منه ينحصر في هذا الجانب ، وسوء الإدارة هو وليد التكييف الخاطئ ، لقد قال الاقتصاديون: إيرادات عامة ونفقات عامة ، فأطلقوا بهذا يد السلطة في الأموال ، التي وضعت تحت تصرفها . وتصحيح انحرافات السلطة في سلوكها المالي لن يتأتى إلا إذا أعدنا تكييف طبيعة هذه الأموال . ولا أبالغ إذ قلت : إن التكييف الإسلامي في هذا الصدد هو التكييف المعياري ، فهو التكييف الذي يجعل الإيرادات ( في مجملها ) عند تحصيلها ، ولذلك لا تستطيع السلطة التنفيذية أن تنفق في غير الغرض الذي جمع من أجله الإيراد .

وزيادة في إبراز هذا المعنى ، وتأكيده ، أشير إلى أنه في المالية العامة قرر فصل الإيرادات عن النفقات ، وإخضاع الإيرادات لقاعدة عدم التخصيص وذلك لإعطاء الحرية للسلطات المالية أيّاً كان مستواها، ولعدم إخضاعها عند البت في قرارات الإنفاق لأي التزامات تقررت عند تحصيل الإيرادات . وما أراه إسلاميّاً ، أن هذا التسبيب مرفوض ، إذ كيف تعطى الحرية المطلقة للسلطات المالية للتصرف كما تشاء ، وكما ترى ، في الإيرادات التي هي في الواقع استقطاع من دخول الأفراد. ولهذا فإذا كان النظام المالي الإسلامي يخضع لقاعدة تخصيص الإيرادات فإن هذا مما يعمل على ترشيد القرار المالي الذي تتخذه السلطات المالية .

إننا نستطيع أن نتبين أهمية ما يقرره الإسلام ، وذلك إذ نظرنا إلى بعض الانتقادات التي توجه للمسؤولين الماليين ، هذا الإرهاق والعنت في فرض ضرائب متعددة ، وهذا الإسراف والتبديد في النفقات ، إن هذا كله يمكن ربطه بالقاعدة التي توجد في المالية العامة من حيث عدم تخصيص الإيرادات ، فالمسؤول المالي يجد نفسه غير ملتزم إلا بما يراه .

قد يرد في هذا الصدد القول: بأن السلطات المالية في الدول الحديثة تتصرف على أساس الميزانية العامة للدولة، وهي معتمدة من النواب المنتخبين في المجالس النيابية. ولكن ما أراه أنه حتى مع وجود ذلك ، فإنه لم يغير من الانتقادات التي وجهت ، وهي الإسراف في فرض الضرائب والإسراف في الإنفاق .

يبقى في هذه المناقشة أن نشير إلى معنى برز مما سبق وهو أن النظام المالي الإسلامي من حيث تكييفه وطبيعته وهو الذي ظهر واضحاً من مناقشة ما سبق ، أن لجماعة المسلمين إشرافاً مباشراً على السلوك المالي للدولة ، إيراداً ونفقة .

المبحث الثاني

إيرادات النظام المالي الإسلامي ( دراسة تحليلية )

نحاول في هذه الفقرة التعريف بإيرادات النظام الإسلامي. وما أراه ملائماً لعرض هذا الموضوع في دراستنا هو ألا ندخل في دراسة فقهية واسعة، ذلك أن فقه هذه الإيرادات معروف ، والكتابات المتاحة عنه كثيرة ، سواء في كتب الفقه القديمة ، أو في الكتابات الحديثة ، وإنما ما أراه ملائماً لدراستنا هو أن نشير إلى عناصر هذه الإيرادات مع تضمين ذلك رؤية تحليلية مالية .

ونعني بالتحليل المالي أن نناقش ما يتعلق بهذه الإيرادات من حيث الوعاء الذي تقع عليه ، ومن حيث الدورية أو عدم الدورية ، وغير ذلك مما هو معروف في دراسة النظم المالية .

عناصر في إيرادات النظام المالي الإسلامي

1- الإيرادات التي تنظم بها مالية الدولة الإسلامية تشمل الإيرادات التي تعرف في المالية العامة تحت مصطلح الضرائب والرسوم ، وتشمل نوعاً آخر من الإيرادات هي إيرادات الدولة من ممتلكاتها . من أمثلة النوع الأول: الزكاة ، والخراج . ومن أمثلة النوع الثاني

( إيرادات الدولة من ممتلكاتها ): إيرادها من الأرض المعروفة باسم أرض السواد . والمعنى الاقتصادي لظهور نوعي الإيرادات في التنظيم المالي الإسلامي هو أن الاقتصاد الإسلامي من حيث طبيعته المذهبية ليس من قبيل الاقتصاديات الفردية ، وليس من قبيل اقتصاديات التدخل أو التخطيط .

2- وضع العشور ( على غير المسلمين ) ضمن الإيرادات المالية للدولة الإسلامية ، وهي تقابل حديثاً الرسوم أو الضرائب الجمركية . ويكشف ما قاله الفقهاء، عن تنظيم متقدم لهذا النوع من الالتزامات المالية ؛ فالمال الذي يخضع لفرض العشور عليه هو ما يكون للتجارة، وهذا مبدأ لقانون جمركي يعكس تنظيماً متقدماً ، وفي المناقشة التي يذكرها الفقهاء عن ذلك ما يسمح أن نبحث موضوع منع ازدواج الضرائب الجمركية ، وذلك فيما ذكروه عن منع خضوع المال نفسه للضريبة الجمركية مرتين .

3- تحليل عناصر الإيرادات يبين أنه لا يوجد مال يعفى من الخضوع للالتزامات المالية في الاقتصاد الإسلامي ، وأيضاً لا يوجد نشاط اقتصادي مميز بعدم الدخول ، أو المساهمة في وعاء مالية الدولة الإسلامية ، وإذا ثبت هذا فإن مما يثبت أيضاً اختلاف المعدل الذي يقتطع به من كل مال ، ويكشف التحليل الاقتصادي ، أن اختلاف المعدل يربط إما بالتفاوت في التكلفة الخاصة بكل مال ، أو نشاط اقتصادي ، وإما بصفة خاصة بهذا المال. ومثال النوع الأخير : فرض الخمس على الركاز .

4- يدخل في الوعاء المالي للدولة الإسلامية: المسلمون ، ويدخل معهم أيضاً غير المسلمين ، الذين يقيمون إقامة مشروعة في الأراضي الإسلامية .

ويشير ذلك إلى درجة المساواة الاقتصادية في الدولة الإسلامية وهذا برغم اختلاف المعدل الذي يفرض به الالتزام المالي أو اختلاف مسمى هذا الالتزام .

5- ضريبة الرؤوس ضريبة شبه غائبة في النظام المالي الإسلامي ، بل لا نتعدى الحقيقة إذا قلنا: إنها غائبة ، لا تفرض ضريبة الرأس على المسلم ، وما يقع عليه من التزامات فإنما يرد على ماله ، ولا يمكن أن نعد زكاة الفطر من قبيل الضريبة على الرؤوس . وضريبة الرؤوس على غير المسلمين تتمثل في الجزية ، ويتبين من تحليل هذا الإلزام المالي أن الجزية تفرض على غير المسلمين ، بشروطها ، مقابل الزكاة التي فرضت على المسلمين ، والزكاة هي التزام يرد على المال ، وليس على الشخص ، وكأن الجزية بهذا هي إلزام يقع على مال . وبجانب ذلك فإن في التشريع الإسلامي للجزية جوانب أخرى تجعل الضريبة على الرأس فكرة يمكن أن تغيب في الاقتصاد الإسلامي ، من ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، استبدل الجزية عن نصارى بني تغلب لأسباب ارتآها وضاعف عليهم الصدقة، أي أنه أسقط ضريبة الرأس واستبدلها بالتزام يقع على المال(1 ).

المبحث الثالث

وظائف النظام المالي الإسلامي

تطورت المالية العامة من حيث الوظائف التي تؤديها، فقد اقتصرت وظائفها في البداية على تمويل وظائف الدولة الثلاث، وهي الدفاع والأمن والقضاء، وكان ذلك متلائماً مع فكرة الدولة الحارسة ، التي لا تتدخل في الاقتصاد. أما في القرن العشرين وخاصة منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات فقد تطورت وظائف المالية تطوراً واسعاً يتلاءم مع فكرة الدولة المتدخلة في الاقتصاد .وأحدث الاتجاهات في تحديد الوظائف التي تؤديها الدولة من خلال المالية العامة يتأسس على أن الدولة تؤدي ثلاث وظائف .

- وظيفة تخصيص الموارد.

- وظيفة إعادة توزيع الدخل .

- وظيفة الاستقرار والنمو الاقتصادي .

عندما نتكلم عن النظام المالي الإسلامي فإنه يلزم أن يكون من بين الموضوعات ، التي تعطى لها أهمية ، تحديد الوظائف التي يؤديها النظام المالي الإسلامي ، وما أراه بشأن تحديد هذه الوظائف ، هو أن ندخل إليها من القاعدة التي سبق عرضها في الفرع السابق ، وهي قاعدة تخصيص الإيرادات ، وهي القاعدة التي تحكم النظام المالي الإسلامي . وذلك لأن تخصيص الإيرادات تتضمن الأغراض التي تتحقق من ذلك ، أي يتضمن تحديد وظائف النظام المالي الإسلامي .

تحليل عناصر النظام المالي الإسلامي ، وهي الإيرادات والنفقات يبين أن الوظائف التي تؤدي بواسطة هذا النظام هي :

أولاً: وظيفة الضمان الاجتماعي ، ويظهر في هذه الوظيفة العناصر التالية :

1- ضمان حد أدنى من الدخل للذين عجزوا بوسائلهم الخاصة من حيث العمل والملكية عن توفير هذا الحد . وتظهر العناصر الآتية :

أ - أصحاب الحاجة من الفقراء والمساكين . وبالنسبة لهذه المجموعة يعمل الإسلام على توفير حد أدنى من الدخول لهذا النوع من أصحاب الحاجة .

ب - أصحاب الحاجة بسبب الرق ( عندما كان قائما ) ، ومن الفقهاء المحدثين من يرى أن سهم (( في الرقاب )) يمكن أن يصرف لأسرى المسلمين ، كما يمكن صرفه للأقليات الإسلامية ، التي تقع تحت حصار الأغلبيات غير المسلمة ، التي تعيش معها .

جـ ـ الغارمون ومنهم الذين استدانو لإصلاح ذات البين ، فيعطون في إطار النظام المالي الإسلامي تشجيعاً لهذا النوع من الأعمال ، الذي يحفظ الوئام للمجتمع الإسلامي .

دـ مجموعة من العناصر الأخرى تظهر في هذه الحقيقة ، ومنها الإعانة على التعليم ، والإعانة على الزواج ، وغير ذلك من الأعمال ذات الطابع الاجتماعي . ويمكن الوقوف على تفصيل ذلك بدراسة حالة المجتمع الإسلامي في عهد عمر بن عبد العزيز ، عندما جمعت الزكاة ولم يوجد مستحقين لها فوجهها عمر إلى إنفاقات جديدة .

2- يتضمن أداء هذه الوظيفة إحداث نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الإسلامي .

3- تمد مظلة التأمين في هذه الوظيفة فتشمل غير المسلمين ، الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية .

4- هذه هي الوظيفة الأولى للمالية الإسلامية ، والوظيفة التي تناظرها في المالية العامة ، هي وظيفة إعادة التوزيع ، ويتبين من مقارنة الوظيفتين أن الأداء الاجتماعي للوظيفة الإسلامية أكفأ ، وذلك من حيث العناصر التي تشملها ، إذ أنها تتضمن عناصر ليس لها نظير في المالية العامة ، في الاقتصاد الوضعي .

وتظهر كفاءة الوظيفة الإسلامية في الضمان الاجتماعي أيضاً من حيث إن مرتكزها يتحدد في علاج الحاجة ، بينما نظيرها في المالية العامة ، يدور حول فكرة إعادة توزيع الدخل والثروة ، وهي فكرة مرتبطة بالصراع كما أنها تتضمن الاعتداء على الملكية الخاصة .

ثانيا: وظيفة المصالح العامة ؛ ويدخل في هذه الوظيفة كل ما يكون ضرورياً للمجتمع الإسلامي ، ومن ذلك ما يلزم للدفاع والأمن ، ويدخل أيضاً ما يلزم للتنمية ، إذا كان المجتمع الإسلامي في حالة تخلف .

ثالثا: وظيفة مواجهة الحالات الطارئة وغير العادية مثل المجاعات والحروب وغير ذلك مما ذكره الفقهاء . وتمول هذه الوظيفة في النظام المالي الإسلامي ، بما يكون موجوداً في بيت المال ، فإذا لم يكن به فللحاكم أن يوظف على الأغنياء بقدر ما يزيل الحاجة التي وظف لها ( التوظيف تناظره الضرائب في المالية العامة ) .

رابعا: وظيفة تحقيق التوازن والاستقرار بين أجيال الأمة الإسلامية . ومن الموارد التي استخدمت لأداء هذه الوظيفة أرض السواد ، وهو ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وكان من أقواله في ذلك : إذا وزعت هذه الأرض فماذا يبقى لمن يجيء بعدكم .

خامسا: وظيفة تخصيص الموارد الاقتصادية ؛ وهي وظيفة تبحث في توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة في المجتمع على الأنشطة الاقتصادية ، التي تلزم له ، كما يدخل فيها أيضا توزيع الموارد بين القطاعين العام والخاص . وهذه الوظيفة ، عمل الإسلام على تأديتها بواسطة الأموال التي تمتلكها الدولة ، ومنها :

1- أرضى الحمى .

2- الأرض المفتوحة .

3- المناجم والمعادن .

4- المرافق الأساسية الضرورية للمجتمع ، والتي يشير إليها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( الناس شركاء في ثلاثة ـ الماء والكلأ والنار )).

وعند المقابلة بين هذه الوظيفة في النظام المالي الإسلامي ،وفي المالية العامة ، يتبين أن أداءها في الإسلام أكفأ لأن الدولة تؤديها من خلال ملكيتها ، بينما في المالية العامة في النظام الرأسمالي تحاول الدولة تأديتها بالتدخل في الأثمان ، وهذا النوع من التدخل قد يحقق هذه الوظيفة ، كما أنه قد لا يحققها .

المبحث الرابع

إجراءات في النظام المالي الإسلامي

من الموضوعات التي تعطى لها أهمية عند تنظيم ما يتعلق بمالية الدولة ، الإجراءات التي يتم بها تحصيل الإيرادات وتقديرها ، وكذا إنفاقها . ولا شك أن بعض الإجراءات من الأمور التي يظهر فيها التطور ، وطبيعة المؤسسات التي توجد في الدولة ؛ ويعني هذا أن الإجراءات التي تنظم بها مالية الدولة الإسلامية تستفيد من التطور الذي يكون عليه المجتمع ، بما في ذلك التطور في المؤسسات . ومع أن هذا الموضوع مما يظهر فيه التطور بوضوح إلا أن الفقهاء الذين كتبوا عن النظام المالي الإسلامي قد تضمنت مناقشتهم له قواعد وإرشادات تفيد في وضع إجراءات منظمة للمالية الإسلامية .

كتاب الأموال للإمام أبي عبيد هو من أوسع الكتب في مجال النظام المالي الإسلامي ، وقيل عنه : (( إنه خير ما ألف في الفقه المالي الإسلامي وأجوده ، وبه كل ما يتعلق بالنظام المالي في الإسلام )) (1 ) . ولذلك أقترح أن نعرض لبعض إجراءات النظام المالي الإسلامي بالإحالة إلى هذا الكتاب .

(1 ) ناقش الإمام أبو عبيد بإسهاب نسبي فرض الزكاة على ما أسماه الفائدة والولادات والأرباح (ص 372 / 7 ) . ويمكن أن يناقش الموضوع بعبارة أخرى : فإذا كان هناك مال بدأ به الحول وهو ما يسمى أصل المال ، ثم حدثت زيادات على هذا المال من الولادات والأرباح ، هذه واحدة من قضايا الزكاة ، وهي في التشريع المالي الوضعي واحدة من قضايا الضريبة . وهذا الموضوع في الإطار الذي عرض به في كتاب الأموال يثري البحث فيما يسمى فرض الضريبة على الأرباح وما يشبهها من العناصر الأخرى .

(2 ) عند بحث زكاة التجارات أثار أبو عبيد موضوع التقويم النقدي ، وببحث هذا الموضوع ، فإنه يسجل للنظام المالي الإسلامي كفاءته بسبب ربط النصاب فيه والمعدل إلى وحدات عينية ، وإباحته التقويم النقدي .

(3 ) ينقل أبو عبيد عن عبد الرحمن بن عبد الباري قوله : كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب ، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار ،ثم حسبها ، شاهدها وغائبها ، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب (ص 384 ) . وبإقرار هذا المبدأ نواجه واحدة من المشاكل في النظام المالي المعاصر ، وهي المشكلة المعروفة باسم التهرب الضريبي ، تحت أي اسم وبأية وسيلة ، ومنها تهريب الثروات إلى الخارج ، التي هي ظاهرة منتشرة في البلاد المتخلفة على وجه الخصوص ، ويدخل في ذلك عالمنا الإسلامي.

(4 ) أفرد أبو عبيد باباً مستقلاً لبحث الصدقة في الحلي ، من الذهب والفضة وما فيها من الاختلاف (ص 397 ) . والموضوع من منظور الإيرادات له أهميته البحثية والتطبيقية . ومما يجدر ذكره أن أبا عبيد يأخذ بوجهة النظر التي ترى فرض الزكاة على الحلي

( ص403 ) ، ويفتح هذا الباب المناقشة حول فرض الزكاة على كل ما يتخذ كحلي ، حلي الأشياء ، مثل التحف ذات القيمة العالية في بعض البيوت .

(5 ) أفرد المصنف باباً لبحث الصدقة في التجارات والديون وما يجب فيها وما لا يجب . والذي يعنينا هنا بحث فرض الزكاة على الديون . ويتمثل التسجيل الذي يثبته المصنف ببحث ذلك في امتداد الكتب ، التي كتبت عن النظام المالي الإسلامي ، إلى مثل هذه التفصيلات الدقيقة ، إذ أن هذا الموضوع وما على شاكلته هو من المشاكل المعاصرة في المالية العامة والضرائب .

(6 ) بيع بعض الأموال ذات الطبيعة الخاصة لتحصيل الإيرادات . ينقل المصنف عن ذلك القول المشدد لعلي بن أبي طالب لواحد من عماله : إنى أتقدم إليك الآن ، فإن عصيتنى نزعتك ، لا تبيعن لهم في خراج حماراً ، ولا بقرة ولا كسوة شتاء، ولا صيف، وارفق بهم ( ص 47 ) فهذه أموال لها أهمية معينة . ( وسائل معيشة ووسائل كسب ) .

(7 ) عندما تكون زكاة في عين المال ، وليس في قيمته ، فإنه يلزم تجنب أخذ الخيار من هذا المال . قال رسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ : (( إني أبعثك إلى أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن عليهم صدقة في أموالهم . فإن أقروا بذلك فخذ منهم واتق كرائم أموالهم ، وإياك ودعوة المظلوم ، فإنه ليس لها دون الله حجاب )) (ص 364 ) .

(8 ) إعفاء بعض ما يلزم من المال الأكل المفروض عليه الزكاة . كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال: خففوا فإن في المال العرية والوطية (ص436 ). ونقل عن عمرو بن العاص: خففوا على الناس في الخرص فإن المال العرية والأكلة.

( ص 436 ) .

(9 ) تأخير تحصيل الإيرادات إلى وقت حصاد المال المفروض عليه الالتزام المالي ، ومراعاة اللين وحسن المعاملة . ينقل المصنف أن عمر بن الخطاب أُتي بمال كثير، فقال : إني لأظنكم قد أهلكتم الناس ، قالوا : لا والله ما أخذنا إلا عفواً وصفواً، قال : فلا سوط ولا نوط ، قالوا : نعم . قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ، ولا في سلطاني

( ص 46 ). وينقل عنه أيضا أنه قال لعامله الذي قال له حسب أوامره: نؤجر الناس إلى غلاتهم : لا عز لتلك ما حييت (ص 46 ). ومما يدخل في الإجراءات حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع )) (ص 364 ) .

(10 ) كتب أبو عبيد عن المكس ، ويقابله الآن الضرائب الجمركية . وما قاله أبو عبيد عن هذا الموضوع يؤسس الحرية التامة للتبادل بين الأقاليم الإسلامية استناداً إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا يدخل الجنة صاحب مكس )) ( ص 469 ) وقد التزم ولاة الأمر من الخلفاء الراشدين بذلك ، فهذا عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عدي بن أرطاة : أن ضع عن الناس الفدية ، وضع عن الناس المكس . ( ص 470 ) وكتب أيضا إلى عبد الله ابن عوف القارئ : أن اركب إلى البيت برفح ، الذي يقال له بيت المكس ، فاهدمه، ثم احمله إلى البور فانسفه (ص 470 ) . يتمتع بهذه الحرية في التبادل ، المسلمون ، ومن لهم عهد ولا توضع القيود على التبادل ، بما في ذلك فرض الضرائب ، أو الرسوم الجمركية ، إلا على أهل الحرب، ونقل أبو عبيد في ذلك عن عبد الرحمن بن معقل : سألت زيد بن حدير : من كنتم تعشرون ؟ قال : ما كنا نعشر مسلماً ولا معاهداً ، قلت : فمن كنتم تعشرون ؟ قال تجار الحرب ، كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم (ص 471 ). وهذا ما كان يفعله عمر بن الخطاب : إنه كان يأخذ من المسلمين الزكاة ومن أهل الحرب العشر تاما، لأنهم كانوا يأخذون من تجار المسلمين مثله، إذا قدموا بلادهم ، فكان سبيله في هذين الصنفين بيِّناً واضحاً (ص473 ).

(11 ) يكتب أبو عبيد عن القاعدة الأساسية في الإسلام ، بشأن تحديد من له حق في المالية المشتركة في الإسلام ؛ ينقل عن عمر: ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق، أعطيه أو منعه . وقد قرأ عمر بعد ذلك: ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرّسُولِ ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) ، ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) ، ( والذينتبوءُو الدار والإيمان من قبلهم ) ، ( والذين جاءُو من بعدهم ) (( الحشر : 1 ـ 7 )) ، قال عمر: فاستوعبت هذه الآيات الناس .

(ص 202 ) .

(12 ) من قواعد الأسس المنظمة للنفقات المشتركة في الإسلام أنها تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء . فهذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 220 ) . وهي السياسة التي نفذها الخلفاءالراشدون ، وقال بشأنها عمر رضى الله عنه : يؤخذ من أغنيائهم فيرد على فقرائهم ( ص 220 ) .

(13 ) توجد بعض الحالات ، التي تعطى لها أهمية في المالية في الإسلام ، ومنها الحالات الثلاث التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم: ((رجل تحمل بحمالة بين قوم ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله، ورجل أصابته فاقة )) (ص 217 ).

(14 ) التسوية أو التفاوت بين الناس . وقد خص أبو عبيد هذا الموضوع بباب مستقل

(ص 244 ـ 246 ) وبدأ بحثه بذكر ما نقل عن أبى بكر : لما قدم عليه المال جعل الناس سواء ، وقال وددت أني أتخلص مما أنا فيه بالكفاف ، ويخلص لي جهادي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد على من كلمه أن يفضل بين الناس في القسم فقال : فضائلهم عند الله ، فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير ( ص 244 / 5 ) . كما ذكر أبو عبيد فعل عمر ابن الخطاب حين فاضل في القسم والمعيار الذي اتخذه في ذلك ثم ذكر عنه أيضا قوله: لئن عشت إلى هذا العام المقبل ، لألحقن آخر الناس بأولهم حتى يكونوا بياناً واحداً ( 245 ).

(15 ) الحد الأدنى الذي يعطى لمن له حق والحد الأعلى الذي يطيب له ، موضوع أولاه أبو عبيد بالبحث ، وقد أفرد له بابا مستقلا ( ص 497 ـ 504 ) وقبل أن أعرض ما قال، أشير لدقة المصطلح الذي استخدم مع الحد الأعلى: وكم أكثر ما يطيب له منها

( ص 497 ). يدور الخلاف بين الفقهاء في ذلك على بعض المحاور . بعض الآراء تذهب إلى أنه يعطى ما يكون رأس مال ، والإمام مالك يترك ذلك لاجتهاد وحسن ظن المعطي . ويرى أبو عبيد أن التوسعة خير . ونقل عن عمر أنه يجوز شراء مسكن .

(16) بعض الحالات التي أثبت أبو عبيد أنها تعتبر في النظام المالي في الإسلام وهذه الحالات هي :

أ- إعانة الطفولة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (( من ترك كلا فإلينا ومن ترك مالا فلورثته )) ( ص 223 ) ، وفرض عمر للمولود ( ص 223 ) ، وقول الحسن بن على: يجب سهم المولود إذا استهل ( ص 223 ) .

ب- الإعانة على الزواج ( ص 246 ) .

جـ- الإعطاء على تعلم القرآن (ص 243 ) .

د- إعطاء علاوة للمتزوج ( ص 227 ) .

هـ- إجراء الطعام على الناس ( الذين يحتاجون ) شهريّاً ( ص 230 ) .

(17 ) إفراد المصنف باباً مستقلاً لبحث قسم الصدقة في بلدها ، وحملها إلى بلد سواه ، ومن أولى بأن يبدأ به منهما ( ص 506 ) . وهذه أيضا واحدة من قواعد الإجراءات .

(18 ) بحث المصنف أيضا تفريق الصدقة في الأصناف الثمانية وإعطائها بعضهم دون بعض ( ص 512 ) ويدخل ذلك في التنظيمات الإجرائية .

(19 ) ثم بحث المصنف موضوعاً له دقة كتنظيم إجرائي وهو موضوع تعجيل الصدقة وإخراجها قبل أوانها . وقد تعجل الرسول صلى الله عليه وسلم صدقة عمه العباس سنتين

( ص 522 ) . وكان الصحابة لا يرون بأساً في ذلك (ص 523 ) . بلال ابن رباح يقول في ذلك : قدم ولا تؤخر ( ص 523 ) .

هذه بعض القواعد الإجرائية التي كتب عنها أبو عبيد ، وكل هذا له أهميته التطبيقية للنظام المالي الإسلامي . وكما قلت في بداية هذه الفقرة: فإن موضوع الإجراءات ، باعتباره موضوعاً فنياً فإنه يرتبط كثيراً بالتطور إلا أن فيه بعض عناصره المبنية على أحكام فقهية ، لذلك ناقشه الفقهاء .

المبحث الخامس

الحسبة ( عناصر في دور الدولة الرقابي )

عناصر في دور الدولة الرقابي:

خصص الماوردي الباب العشرين لبيان الحسبة ، ويعرفها بأنها أمر بالمعروف إذ ظهر تركه ، ونهي عن المنكر إذ ظهر فعله (ص 270 ) والحسبة واسطة بين أحكام القضاء ، وأحكام المظالم ( ص 271 ) . وللمحتسب اجتهاد رأيه فيما تعلق بالحرف دون الشرع كالمقاعد في الأسواق (ص 271 ) .

وتشتمل الحسبة على فصلين :الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ينقسم الأمر بالمعروف إلى ثلاثة أقسام : أحدها ما يتعلق بحقوق الله تعالى ، والثاني ما يتعلق بحقوق الآدميين ، والثالث ما يكون مشتركاً بينهما ( ص 275 ) .

القسم الثاني هو الذي يتعلق مباشرة بدراستنا الاقتصادية التي نقدمها هنا .

ينقسم الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين إلى عام وخاص ، فأما العام كالبلد إذا تعطل شربه ، أو تهدم سوره ، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات ، فكفوا عن معونتهم ( ص 276 ) وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت ، والديون إذا أخرت (ص 227 ) . العناصر الاقتصادية ذات الأهمية توجد في النوع العام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . يقرر الماوردي أنه إذا تعطل شرب بلد ( مرفق المياه بلغة حديثة ) ، وتهدم سوره ( وعلى غراره الطرق ) ، ولم يقم بذلك ذوو المكنة ، فإن كان في بيت المال مال أمر بإصلاح ذلك ، وإن لم يكن توجه المحتسب إلى ذوي المكنة ، وكأن ذلك حكم النوازل إذا حدثت ، قي قيام كافة ذوي المكنة به ( ص 376 / 277 ) .

إن الذي قرره الماوردي بشأن ما أسماه الأمر العام في حقوق الأدميين يؤكد المنحى المتميز للاقتصاد الإسلامي . إن توجه المحتسب إلى القادرين ماليّاً عند الحاجة للمصالح العامة ، مثل المياه ، والطرق ، هذا التوجه هو تقرير لمسؤولية هؤلاء القادرين على تحمل هذه النفقات اللازمة والضرورية للمجتمع الإسلامي .

ألمح فيما قرره الماوردي بعداً آخر ، هو ما أسميه الخاصية المزدوجة للمالية الإسلامية ، بين المحلية والعمومية . تتوجه المسؤولية المالية للنفقات المشار إليها وما على شاكلتها . تتوجه أولا إلى المستوى المحلي ، ولهذا المستوى المحلي درجات ، فإذا عجز المستوى المحلي عن الوفاء بهذه الالتزامات تجئ مسؤولية المستوى العام ، وهو أيضاً على درجات، نصل في أقصاه إلى مسؤولية بيت مال المسلمين .

وهكذا فإن العناصر الاقتصادية ذات الأهمية في وظيفة المحتسب المتعلقة بالحق العام في حقوق الآدميين تدور بين فكرة العامة وفكرة المحلية . ومن باب الاستطراد أن أذكر أنه يلزم بذل مجهود في البحث لتأصيل هاتين الفكرتين، وسوف يكشف ذلك عن تميز في المالية الإسلامية .

يتعلق الفصل الثاني من فصول الحسبة ، بالنهي عن المنكر ، ويشتمل على ثلاثة أقسام أحدهما ما يتعلق بالعبادات ، والثاني ما يتعلق بالمحظورات ، والثالث ما يتعلق بالمعاملات. والقسم الثالث هو الذي يدخل دخولاً مباشراً في دراستنا الاقتصادية .

تتسع وظيفة المحتسب في المعاملات اتساعاً كبيراً ، فمن مسؤوليات وظيفته : منع غش المبيعات ، وتدليس الأثمان ، ومراقبة المكاييل والموازين ( ص 285 ) ويشبه عمل المحتسب في هذه الوظيفة عمل وزارة التموين والأجهزة التابعة لها . ومن مسؤوليات وظيفته أنه يراعي من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف : منهم من يراعي عمله على الغرر والتقصير ، ومنهم من يراعي حاله في الأمانة والخيانة ، ومنهم من يراعي عمله في الجودة والتقصير (ص 287 ) ، وعمل المحتسب في هذا المجال أوسع من أن تشمله وظائف وزارة التموين ، بعضه يدخل في عمل وزارة الاقتصاد . ومن مسؤوليات وظيفته أنه يراقب الحقوق المشتركة بين الناس، وذلك مثل المنع من الإشراف على منازل الناس ( ص 288 )، ومنع أصحاب السفن من حمل ما لا تسعه ( ص 289 ) ، وعمل المحتسب هنا يدور بين اختصاص وزارة الداخلية ووزارة العدل .

هذه بعض وظائف المحتسب، وهي تدور على أبعاد متعددة ، بعضها أبعاد اقتصادية ، وبعضها أبعاد غير اقتصادية .

وبالإضافة إلى ما سبق تقديمه من آراء ( فقهية ) للماودري عن هذه الوظائف ، نحاول تقديم نموذج آخر ، له صلته القوية بدور الدولة الرقابي في الإسلام .

يقول الماوردي: إن على المحتسب أن يمنع من المعاملات المنكرة ، حتى وإن تراضى المتعاقدان بها (ص 284 ) . ما قاله الماوردي هنا يثير قضايا متعددة ، يثير أولاً القضية الأم في الاقتصاد الإسلامي ، وهي قضية حلية ومشروعية النشاط الاقتصادي ، وهذا من أهم ما يميز بين الاقتصاد الإسلامي وغيره من الاقتصاديات الوضعية ، الذي يؤسس عليه الاقتصاد ، وإنما المعتبر أولاً هو حلية ومشروعية الأنشطة وأيضاً ليس المعتبر أولاً في الاقتصاد الإسلامي فرض الرشد الاقتصادي ، وهو الفرض الذي يؤسس على الاقتصاد، وإنما المعتبر أولاً هو حلية ومشروعية الأنشطة الاقتصادية ، ثم بعد هذا يجيء النظر في الرشد الاقتصادي في النشاط موضوع البحث .

ثم قضية تواجهنا في العصر الحاضر ، وهي تتصل اتصالاً قوياً بموضوع الربا بصفة خاصة ، نواجه بمن يقول بشأن المعاملات الربوية : مادام الطرفان قد رضيا بهذه المعاملة، لأن كلاهما يرى فيها تحقيق مصلحة له فلماذا نمنعها ؟ ما قرره الماوردي يرد على هذا السؤال الاعتراضي . الأمر في النشاط الاقتصادي من وجهة نظر الإسلام هو أمر حلية ومشروعية ، وهذه هي قاعدة الأساس .

وحلية ومشروعية النشاط الاقتصادي تدور من وجهة نظر الإسلام على محور أوسع من محور المصلحة الخاصة للفرد . إن أمر الحلية والمشروعية يدور إسلاميّاً مع العقيدة ، ومع مصلحة المجتمع ، ثم مع المصلحة الخاصة، وعلى هذا النحو نمنع إسلاميّاً المعاملات المحرمة حتى وإن تراضى بها الطرفان فإننا نحقق إلزامات اقتصادية إسلامية .

المبحث السادس

من أخلاق النظام المالي الإسلامي

الكلام عن ( أخلاق ) النظام المالي ، يعتبره الاقتصاديون خروجاً على اللحن الاقتصادي ، ذلك أن علم الاقتصاد الوضعي تقرر فصله عن الأخلاق منذ القرن التاسع عشر ، بل يعتبر الاقتصاديون أن هذا الفصل هو الذي قاد إلى تأسيس (( علم )) الاقتصاد ، بعد أن كانت المعالجات الاقتصادية مجرد أفكار مبعثرة في علوم أخرى . ويعتقد الاقتصاديون أن لهم منطقهم فيما يقولون ، إنهم يعتقدون أنهم حيث فصلوا علم الاقتصاد عن الأخلاق ، فإنهم نقلوا البحث الاقتصادي من اعتبار المعايير الشخصية إلى اعتبار المعايير الموضوعية ، وأنهم أحلوا قوى السوق التي هي في نظرهم قوى موضوعية ، محل معيار العدل ، على سبيل المثال الذي هو حكم قيمي وشخصي . ويعتقد الاقتصاديون ايضاً أن علم الاقتصاد بقدر ما يكون فيه من موضوعية فإنه يتقدم ، وتزول عنه صفة العلم بقدر اعتباره للمعايير الشخصية .

يفارق الاقتصاد الإسلامي علم الاقتصاد من هذا المنظور مفارقة كلية .إن البحث يثبت أن الاقتصاد الإسلامي يعتبر النوعين من الاعتبارات : المعايير الموضوعية، والمعايير الشخصية ، التي تعكس العنصر الأخلاقي ، وهذا النوع الأخير هو ما أقترح تسميته أخلاق النظام المالي الإسلامي ، وندرسه تحت مصطلح المعايير الأخلاقية ، بدلاً من مصطلح المعايير الشخصية .

ونظراً لدقة دراسة ما يتعلق بالأخلاق في الاقتصاد ، فإن الأمر يحتاج معالجة خاصة ، إنه يحتاج إلى إثبات ذي طبيعة خاصة ، وقد يكون البعد التاريخي الذي نأخذه من التراث الإسلامي من أقوى الإثباتات وأفضلها في هذا الصدد ، ذلك أن هذا البعد يمكن أن يكشف لنا الطبيعة التي فهم بها المسلمون الأوائل قضايا الاقتصاد ، وصلتها بالأخلاق .

لهذا أقترح أن ندرس هذا العنصر الأخلاقي في النظام المالي الإسلامي بالإحالة إلى كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف (1 ) ، واختيار هذا الكتاب تحدد انطلاقاً من الأسباب الآتية :

1- إن كتاب الخراج لأبي يوسف يدخل كله في النظام المالي الإسلامي ، ولهذا فاختياره للإحالة إليه ونحن بصدد تحديد عناصر أخلاقية في النظام المالي الإسلامي يكون مقبولاً .

2- هذا الكتاب كتبه أبو يوسف بناء على طلب هارون الرشيد الخليفة العباسي، وقد أثبت ذلك أبو يوسف في مقدمة كتابه بقوله : (( إن أمير المؤمنين أيده الله تعالى ، سألني أن أضع له كتاباً خاصاً يعمل به في جباية الخراج والعشور والجوالي ، وغير ذلك مما يجب النظر فيه والعمل به ،وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته ، والصلاح لأمرهم ، وفق الله تعالى أمير المؤمنين ، وسدده وأعانه على ما تولى من ذلك ، وسلمه مما يخاف ويحذر ، وطلب أن أبين له ما سألني عنه مما يريد العمل به ، وأفسره وأشرحه ، وقد فسرت ذلك وشرحته )) (ص 3 ) .

وكون هذا الكتاب لهذا الغرض ، فإنه يعني أن ما به كان للتطبيق العملي ، ولم يكن بحثاً نظريّاً ، ولذلك أهميته في الموضوع الذي نبحثه ، فهو يعني أن أمور الأخلاق التي جاءت بهذا الكتاب خوطب بها ولي الأمر ليعملها في التطبيق مع غيرها، مما تضمنه الكتاب مما يتعلق بالإيرادات والنفقات وغير ذلك .

3- يتأكد هذا المعنى أكثر ، كما يتقوى اختيارنا لهذا الكتاب ، من أن النظر فيه يبين أنه وضع ليحدد وليعطي البرنامج المالي للدولة الإسلامية ، ويظهر هذا بوضوح من الطريقة التي عرض بها مصنفه : إيرادات ونفقات النظام المالي الإسلامي ، ونلحظ بجانب ذلك شيئاً آخر على درجة معينة من الأهمية . ركز أبو يوسف في كتابه على أن يبرز بوضوح أخلاقيات سلوك أطراف النظام المالي الإسلامي ، لقد أسهب بتركيز في بيان الأخلاق التي يلتزم بها ولي الأمر ، باعتباره قائماً على تطبيق النظام المالي الإسلامي ، كما فصل بتأكيد القواعد السلوكية ، التي تقع على العمال ، الذين يعملون في النظام المالي الإسلامي ، وأبان أيضاً بوضوح السلوك الأخلاقي، الذي ينبغي أن يتحلى به أفراد المجتمع الإسلامي ، الذين هم محل تطبيق هذا النظام . ويذهب أبو يوسف دائماً وبتكرار إلى تاريخ العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين ، يعطي منهم المثل تلو المثل مستشهداً به على ما يقرر من قواعد سلوكية أخلاقية، لهذه الأطراف الثلاثة.

هذا هو المنهج الذي نقترحه لبحث هذا العنصر في النظام المالي الإسلامي ، وهذا هو الكتاب الذي نقترح الإحالة إليه .

والعناصر الأخلاقية التي يتضمنها كتاب الخراج لأبي يوسف كثيرة وأحاول تجميع ما أستطيعه منها وتبويبه في الآتي :

أولا: المال، طيب المورد وعدل الإنفاق:

حرص القاضي أبو يوسف أن يبرز لهارون الرشيد وهو يكتب له عن النظام المالي الإسلامي باعتباره ولي الأمر ، حرص أن يبرز له تشريع الإسلام بأن يكون المال الذي يجنى طيّباً ، ويعني بذلك أن يكون أساس الإلزام أساساً شرعيّاً صحيحاً ، وهذا هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعمل الخلفاء الراشدين من بعده ؛ فهذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما يصل إليه مال العراق يخرج إليه عشرة من أهل الكوفة ، وعشرة من أهل البصرة ، يشهدون أربع شهادات بالله أنه من طيب ، ما فيه ظلم مسلم ولا معاهد ( ص 124 ) .

هذه أول القيم الأخلاقية التي تخضع لها الإيرادات. نقل أبو يوسف قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق ، أعطيه أو منعه ، وما أحد أحق به من أحد . ( ص 50 ) .

والمصطلح الذي استخدمه أبو يوسف هو (( الحق )) ويعني ذلك أن الأمر في النظام المالي الإسلامي هو أمر حق يجب أن يتمسك به صاحب الحق .

أما القيمة الثالثة فهي تؤصل للمساواة أو عدم المساواة عند الإنفاق ؛ يذكر أبو يوسف عن ذلك بأن أبا بكر رضي الله عنه كان يقسم بالسوية ، وقال عبارته المشهورة: هذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة . ثم جاء عمر فرأى الأخذ بالتفاوت في العطاء .

( ص 45 ـ 46 ). يوجد معنى اقتصادي يجمع كلاً من فعل أبي بكر، وفعل عمر على الرغم مما يبدوا بينهما من اختلاف هذا المعنى هو أنه لو كانت الأوضاع الاقتصادية تلزم بالمساواة في العطاء ، وذلك عندما يكون مستوى المعيشة منخفضاً بحيث لا يوجد فائض يسمح بالتفاوت فإن المعتبر إسلامياً هو المساواة في العطاء ، وهذه هي حالة عهد أبى بكر رضى الله عنه ، أما حين تسمح الأوضاع الاقتصادية بتفاوت الدخول ، فإن الإسلام يجيز التفاوت في العطاء وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه ، أما قول عمر: لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه ، وفاوت في العطاء على هذا الأساس ، فإن هذه معايير تعمل حين توجد الوفرة ، التي تسمح بالتفاوت ، أما إذا لم تكن هناك وفرة فلا إعمال لهذه المعايير ، وهذا هو ما فعله عمر نفسه في عام المجاعة ، وهي الحالة التي اختفت فيه الوفرة .

هذه هي القيم الثلاث التي أعتبر أنها معاً تشكل الأساس الأول في أخلاق النظام المالي الإسلامي ، وهو ما أسميه : طيب المورد وعدل الإنفاق .

ثانيا: صفات من يتولى أمر إيرادات الدولة

ليس كل شخص صالحاً لأن يتولى أمر إيرادات المالية الإسلامية . الإسلام ينظر إلى هذا الأمر نظرة غاية في الدقة ، ويظهر ذلك من الشروط التي يشترطها فيمن يقوم بذلك ، ومن الرقابة التي يخضعه لها. وقد حرص أبو يوسف أن يقول ذلك لهارون الرشيد فيما قاله عن النظام المالي الإسلامي :

1- قال له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعمل أقاربه في تحصيل الإيرادات ، أي لم يعنيهم في ذلك ( ص 123 ) . وقد كانوا أهل فقه وأهل كفاية . وهذه خطوة أولى من خطوات بدايات إصلاح النظام المالي في عصرنا الحاضر .

2- قال أبو يوسف لهارون الرشيد عن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتولى أمراً في النظام المالي الإسلامي : أن يكون فقهياً ، عالماً ، مشاوراً لأهل الرأي ، عفيفاً ، لا يطلع الناس منه على عورة ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، ما حفظ من حق وأدى من أمانة احتسب به الجنة ، وما عمل من غير ذلك ن خاف من جور في حكم إن حكم ثم يذيل أبو يوسف هذه الشروط بقوله : فإنك إنما توليه جباية الأموال وأخذها من حلها ، وتجنب ما حرم منها، يرفع من ذلك ما يشاء ويحتجز منه ما يشاء ، فإذا لم يكن عدلا ، ثقة ، أميناً فلا يؤمن على الأموال ثم يضيف مجموعة جديدة من الشروط : أن لا يكون عسوفاً لأهل عمله. ولا محتقراً لهم ، ولا مستخفاً لهم اللين للمسلم ،والغلظة على الفاجر ، والعدل على أهل الذمة ، وإنصاف المظلوم ، والعفو عن الناس ، وأن تكون جبايته للخراج كما يرسم له، وترك الابتداع فيما يعاملهم به ، والمساواة بينهم في مجلسه ، ووجهه ، حتى يكون القريب والبعيد ، والشريف والوضيع ، عنده في الحق سواء ، وترك اتباع الهوى فإن الله ميز من اتقاه وآثره طاعته وأمره على من سواهما (ص 115 ـ 116 ) .

3- ثم قال أبو يوسف: إن عمال الجباية يجب أن يخضعوا للرقابة ، وقد جعل هذه الرقابة على درجات متعددة . قال لهارون الرشيد: أرى أن تبعث قوماً من أهل الصلاح والعفاف، ممن يوثق بدينه وأمانته ، يسألون عن سيرة العمال، وما عملوا في البلاد ، وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به وعلى ما وظف على أهل الخراج واستقر ( ص 120 ) وهذه رقابة عليهم في أعمالهم ، كما أن هناك رقابة عليهم في أموالهم وتضخم ثرواتهم .

تجمل لنا هذه العناصر الثلاثة معاً الشروط فيمن يتولى أمر الأموال في النظام المالي الإسلامي ، وفيها شروط الخبرة والكفاية والمعرفة ، وهي التي تتعلق بها النظم المالية الوضعية ،ولكن في النظام الإسلامي ، شروطاً أخرى ، منها الصلاح والتقوى إلى آخر ما ذكرناه من شروط .

ثالثـا: مـراعـاة الطـاقـة عـند فـرض الإلـزام المــالي

تتحقق هذه القيمة في النظام المالي الإسلامي بمجموعة من العناصر:

1- إن المنهج الإسلام في الإلزام المالي يأخذ بفكرة النصاب .

وهي تعني أن الإلزام المالي لا يجيء إلا إذا كان المال الواقع عليه الإلتزام قد بلغ حداً معيناً . ويترتب على ذلك أن الإلزام المالي في الإسلام يجيء مع الطاقة ، بل إن المعدل الذي يفرض به الإلزام يختلف حسب طبيعة التكلفة اللازمة لإنتاج المال الخاضع لهذا الإلزام .

2- الأساس في الالتزام المالي الطاقة ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه )) ، وهذا ما التزم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، إذ كان يسأل من يفرض عليهم الخراج : أيطيقون ما فرض عليهم أم لا ؟

( ص 92 ) وهذه شورى في فرض الالتزامات المالية غير مسبوقة ولا نعتقد أنها غير مبتوعة ، ويكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله أن يراعي الطاقة عند فرض الإلزام المالي (ص 93 ) .

3- يكتب أبو يوسف لهارون الرشيد : لو تقربت إلى الله يا أمير المؤمنين بالجلوس لمظالم رعيتك في الشهر أو الشهرين مجلساً واحداً ، تسمع فيه من المظلوم وتنكر علىالظالم ويسير ذلك في الأمصار والمدن ، فيخاف الظالم وقوفك على ظلمه ، فلا يجترئ على الظلم ، ويأمل الضعيف المقهور جلوسك ، ونظرك في أمره ، فيقوى قبله ويكثر دعاؤه . (ص 121 ). هذا الذي طلبه أبو يوسف من ولي الأمر فيه مراجعة ومراقبة لسلوك الذين يتولون تحصيل الإيرادات .

4- إعمالاً لما سبق ، فإن للإمام أن ينقص ويزيد فيما يوظفه من الخراج على أهل الأرض، علىقدر ما يحتملون ، وأن يصير على كل أرض ما شاء بعد أن لا يجحف ذلك بأهلها (ص 92 ) .

رابعاً: آداب تحصيل الإيرادات

تتحقق آداب تحصيل الإيرادات في المنهج الإسلامي باتباع مجموعة من القيم السلوكية:

1- منع التفتيش للجباية. وهذا ما نقله إبراهيم بن المهاجر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرني ألا أفتش أحداً ( ص 130 ) .

2- منع الالتزام وهو الأسلوب الذي شاع في العصور المتأخرة ، ويعبر عن الالتزام بمصطلح التقبيل . (( ورأيت أن لا تقبل شيئا من السواد ولا غير السواد من البلاد ، فإن المتقبل إذا كان في قبالته فضل عن الخراج ، عسف أهل الخراج وحمل عليهم ، ما لا يجب عليهم وظلمهم وأخذهم بما يجحف بهم، ليسلم مما يدخل فيه ، وفي ذلك وأمثاله خراب البلاد وهلاك الرعية ، والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله أن يستغفل بعد ما يتقبل به فضلاً كثيراً ، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية ، وإنما أمر الله عز وجل أن يؤخذ منهم العفو وليس يحل أن يكلفوا فوق طاقتهم )) (ص 114 ) . وكأن القاضي أبا يوسف رحمه الله رأى بالفقه الذي أعطاه الله له ما سوف يحل بالعالم الإسلامي من خراب عند تطبيق أسلوب الالتزام ، في تحصيل الإيرادات .

3- حرص أبو يوسف أن يكتب لهارون الرشيد عن العلاقة التي يجب أن تكون بين متولى أمر تحصيل الإيرادات وبين من ولي عليهم . وكذلك الصفات السلوكية التي يجب أن تكون بين متولي أمر تحصيل الإيرادات ، وبين من ولي عليهم ،وكذلك الصفات السلوكية التي يجب أن يلتزم بها . وكان عمر يشترط فيمن يستعمله أن لا يركب برزوناً، ولا يلبس رقيقاً ، ولا يأكل نقيّاً ، ولا يغلق باباً دون حوائج الناس ، ولا يتخذ حاجباً

(ص 125 ـ 6 ). وكان رضي الله عنه ، إذا بلغه أن عاملا لا يعود المريض ، ولا يدخل عليه الضعيف، نزعه ( ص 126 )؟

ما ذكرته في هذا المبحث هو بعض عناصر أخلاقية في النظام المالي الإسلامي .

وقد حرصت أن أربط ما قلته بواحد من الكتب المعتبرة في النظام المالي الإسلامي ، وهو كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف .

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة