مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

لمعـرفة ظــاهرة العـولمة جيدًا لا بد من تعريفها، حتى لا تختلط علينا المفاهيم. والعولمة هي الترجمة لكلمة «Globalization» المشتقة من كلمة «Globe» أي الكرة، والمقصود هنا الكرة الأرضية، ويتحدث علماء الاجتماع في مجال التحديث عن «Global Cultuer» أي الثقافة العالمية.

والـ «Globalization» اصطلاحًا، باللغة اللاتينية، تدل على مـشـروع لمركزة العالم في حضارة واحدة.

ومفهومًا، تشير العولمة إلى شيئين معًا: انكماش العالم وازدياد الوعي بالعالم ككل، وحسب تعريف روبرتسون للعولمة(1)فإنها تعني تشكيل وبلورة العالم بوصفه موقفًا واحدًا، وظهور لحالة إنسانية عالمية واحدة. ولذلك تعني العولمة سياسيًا أن للأحداث والقرارات والنشاطات في مكان ما من العالم، نتائج وآثار مهمة لأفراد وجماعات ومجتمعات أخرى. وثقافيًا «ذلك التكوين الذي يشهد تبادلاً وتفاعلاً ثقافيين بصورة مستمرة ودائمة»(2).

وتتصل نظرية العولمة -كما يذكر الباحث «أحمد شهاب»(1)- في العلوم الاجتماعية اتصالاً وثيقًا بحركة المتغيرات التي تمر بها المجتمعات الرأسمالية الصناعية، التي تمر منذ قرابة الثلاثة عقود بتحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية على درجة كبيرة من التعقيد، وقد عبر عنها بمسميات عديدة، كمجتمع الموجة الثالثة، والرأسمالية المتأخرة، والرأسمالية المنظمة، وغير المنظمة، ومجتمع الشركات متعددة الجنسيات، ومجتمع المعلوماتية، والقرية الكونية، وهي كلها مسميات تعبر عن سرعة المتغيرات التي تتعرض لها المجتمعات الصناعية والإنسانية عمومًا، كما تعبر عن حركة التقارب العالمي الذي يبرز عبر ظاهرة التجانس الثقافي من جهة، والتنوع الثقافي من جهة أخرى، وهي مسألة تستحق التوقف عندها كملامح متصلة بتشكيل الهوية الثقافية.

نحن إذن نتحدث عن أكثر من تكامل وظيفي على المستوى الاقتصادي، وعن عملية تحول لواقع اجتماعي وثقافي وسياسي، فثمة تداخل على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق بين أمور الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والثقافة، والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدد أو دولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية(1).

سوف يتحدث بعضـهم هنـا عـن تـآكل سلطـة الدول القـومـيـة، لا سيما وأن الشركات متعددة الجنسيات استطاعت أن تتجاوز أكثر المهام التقليدية المرتبطة بالدولة، والتي تعبر عن خصوصية الدول ذات السيادة، وهي التجارة الخارجية والتعاملات بين الدول، إذ أصبح رؤساء دول كبرى وسائط تجارية لبعض الشركات العملاقة.

ومن هنا يحيل مفهوم العولمة إلى نوعين مترابطين من الظواهر. يتعلق النوع الأول منهما بتعددية العمليات الاجتماعية وامتداد إحداثياتها، أفقيًا وعاموديًا، وكذلك تسارع التأثيرات المتبادلة بين الظواهر الاجتماعية على نطاق يتجاوز الأطر المحلية والقومية ليربطها بالآخر الذي كان، قبل انبثاق موجة العولمة المعاصرة، يبدو بعيدًا مكانيًا وزمانيًا.

ويتعلق النوع الثاني بتزايد وعي الإنسان المعاصر، أفرادًا وجماعات، لهذه الترابطات المتصلة التي يتجلى فيها العالم ككلٍ بشري بيئي يتراكب في أنسجته الاجتماعية البعد السياسي بالاقتصادي بالثقافي، في وحدة متنوعة تؤثر مباشرة على انضغاط المكان في الزمن العالمي الواحد، بحيث يضحى أو تبرز بصراحة إمكانية سيرورة البعد والاعتبار المحلي عالميًا، وسيرورة البعد والاعتبار العالمي محليًا.

ومن الجدير بالذكر هنا أن مصطلح «العولمة» أو «الكوننة»(1) أو «الشوملة» بات من المفردات الأكثر رواجًا في نهاية القرن العشرين. لكنه بدأ بالظهور، تحديدًا منذ أواسط الستينيات بفضل مؤلفين شهيرين: كتاب مارشال ماك لوهان، وكنت فيور (Marshall Mc Luhan & Quentin Fior: War & Pace in the Global Village) وكتاب زبيغينو بريجنسكي(2) (Zhigiew Brzesinski: Between Two Ages Americans Role in the Technotronic era)

الكتاب الأول كما يقول باحث معاصر(1)ينطلق من تجربة فيتنام، والدور الذي لعبه التلفزيون فيها، ليستنتج بأن الشاشة الصغيرة حولت المواطنين من مجرد مشاهدين إلى مشاركين في اللعبة، الأمر الذي أدى إلى اختفاء الحدود بين المدنيين والعسكريين.

ويضيف ماكلوهان بأن الإعلام الإلكتروني، في وقت السلم، يجعل من التقنية محركًا للتغيير الاجتماعي.

بريجينسكي فضل وقتها مصطلح «المدنية الكونية Global» وليس القرية الدولية، وتشابك الشبكات التكنوترونية أو التكنوـ إلكترونية -حيث يتزاوج الكمبيوتر بالتلفزيون بالهاتف بالاتصالات اللاسلكية- حوّل العالم إلى «عقدة علاقات متشابكة ومتداخلة، عصبية متوترة ومتحركة». وأكـد بريجـينسـكي بأن الـولايـات المتحدة هي «المجتمع الكلي Global» الأول في التاريخ. فهي مركز «الثورة التكنوـ إلكترونية» لأنها «تتصل» أكثر من غيرها، 65% من مجموع الاتصالات المعالجة تخرج منها، من خلال إنتاجات صناعاتها الثقافية، بفضل «تقنياتها ومناهجها وممارسات التنظيم الجديدة».

في الثمانينيات صار مصطلح Globalization مألوفًا في معاهد إدارة الأعمال الأمريكية وفي الصحافة الاقتصادية الأنجلوـ ساكسونية. وكان يعني الحركة المعقدة لانفتاح الحدود الاقتصادية وليونة التشريعات، مما شجع النشاطات الاقتصادية الرأسمالية على توسيع حقل عملها ليشمل المعمورة برمتها. والتطور الهائل لوسائل الاتصال أعطى لهذا المصطلح معنى ومصداقية، وقضى على المسافات والحواجز، قبل أن يسقط، في تشرين الثاني عام 9891م، آخر جدار كان يقسم العالم كتلتين كبيرتين في برلين.

وفي الثمانينيات أيضًا راج في الولايات المتحدة شعار «ثورة الاتصالات» التي تنمي الرغبة بالاستهلاك، ليركزوا على المسافات الجغرافية.. ويجب أن ننتبه إلى أن العولمة ليست مجرد نظام عالمي جديد، ولكنها تنطوي على منظومة واسعة النطاق من المفاهيم التي يراد من اللغة العربية أن تستوعبها في لغة اصطلاحية دقيقة. فالعولمة نفسها يمكن أن تستخدم بوصفها صيغة مصدرية، أي دالة على الممارسة والفعل، فتقابل عندئذ في الإنجليزية كلمة Globalization، وهي تستخدم بوصفها صيغة اسمية فتدل على الظاهرة، وتقابل في الإنجليزية كلمة Globalism، ناهيك عن المفردات التي استخدمت بديلاً عن العولمة، مثل الكوكبية والشوملة والسلعنة.

ومن تجليات هذه الظاهرة تجسد مفهوم المسؤولية الجماعية، وتقلص مساحة الحكم الفـردي، وثورة الشــباب والنساء والموضة، أي باختصار تتيح نشوء «المجتمع الجديد».. هذه «الثورة» تعلن موت الأيديولوجيا والطوباويات الأخيرة. ولذلك راحت فكرة «القرية الكونية» تتألق في سوق «الأفكار الجاهزة للاعتناق»، تساعدها في ذلك الأزمات الدولية، ولعل حـرب الخـلـيج الثــانية أبرز مثال على ذلك.

إن انهيار حائط برلين وانتهاء الحرب الباردة كرسا انتصار الولايات المتحدة والمفاهيم التي ترعرعت فيها. من الآن وصاعدًا هناك «كلية» واحدة ممكنة، فقد «انتهى التاريخ» كما يرى فرنسيس فوكوياما بانتصار الأيديولوجية الغربية والأمريكية تحديدًا، وعاد بريجينسكي بعد عشرين سنة على صدور كتابه الأول، ليؤكد مجددًا بأن قاعدة القوة العظمى الأمريكية هي في الجزء الأكبر منها، هيمنتها على السوق العالمي للاتصالات، الأمر الذي يخلق ثقافة جماهيرية تدعمها قوة سياسية(1).

وصارت الحرية في أحد تعبيراتها الجديدة تعني حرية ممارسة التجارة. وراح مفهوم الحرية يتماهى أكثر فأكثر مع التجارة، رغم أن هذه قسمت العالم بين: 20% من الناس الذين تتمركز في أيديهم 80% من القرارات الشرائية والرساميل، 80% منهم يسعون وراء لقمة العيش دون جدوى في كثير من الأحيان(1).

ومن المؤكد أن الولايات المتحدة في مسيرتها نحو مركز القوة الأعظم، اقتصاديًا على الأقل، استفادت كثيرًا من الحربين الكونيتين اللتين أضعفتا قدرة حلفائها على منافستها. ولأن الشركات الأمريكية لن تعرف العقبات التي اعترضت الآخرين، فإن النموذج الرأسمالي، في شكله الأنقى، اختار الولايات المتحدة مركزًا له، حيث احتلت الدعاية المكان المركزي فيه. وحتى تعمل بشكل أفضل كنسق أو نظام System، فإن هذه الرأسمالية راحت تردد دومًا بأن الديمقراطية تكمن في حرية إنتاج السلع والخدمات واستهلاكها، فصارت الصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة والأقمار الاصطناعية وغيرها أدوات تسويق Marketing ضرورية.

وقد تلقت ماكنة إنتاج الصور والرسائل Messages الأمريكية الدعم القوي من قبل المؤسسات العسكرية ورجال الأعمال في الولايات المتحدة، ودعمت القوة الاقتصادية الأمريكية نفسها بإرادة اقتناع أيديولوجي بأنها ذات رسالة كونية. لقد دفعت الحرب الباردة مجال البحث العلمي قدمًا إلى الأمام. وانفجار المواهب والقدرات والوسائل لم يكن له مثيل، هذه القدرات سهلت كثيرًا ولادة كل الصناعات الفضائية والاتصالية والإلكترونية(1). وانتشار المشاريع والصناعات، التي كانت عسكرية في البدء، أدى إلى ولادة حقبة أو «ثورة» الاتصالات.

المستفيدون الكبار من هذه القدرات الإنتاجية الجديدة في مجال بث وتوزيع المعلومات، كانوا لاعبي الحرب الباردة الأساسيين: الشركات العابرة للقارات، والوكالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية، الذين قدمت لهم التقنيات الحديثة كل الأدوات الضرورية لإدارة نشاطاتهم الكونية، ونقل رساميلهم ومراكز إنتاجهم، وإضعاف التنظيمات النقابية المناوئة. وفي الوقت نفسه وضع البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية شبكات أقمار اصطناعية متطورة للاتصال مع المراكز المنتشرة في كل أنحاء العالم. هذه القدرة التكنولوجية ساهمت في تقوية واستمرار الهيمنة الأمريكية. ولقد كانت حقبة التسعينيات فترة للتحرر الهادئ لآليات وأدوات العولمة الجديدة، وظل العالم في غيبوبة وافتقاد للتوازن، حيث كانت أدوات العولمة النشطة تقدم صورة وردية لمستقبل العالم في ظل العولمة، ولم يكن ذلك إلا وسيلة لـ «دس السم في العسل»(1).

ولا ننس أن الليبرالية والتوجهات الجديدة دعمت الشركات متعددة الجنسيات، والتي استفادت كثيرًا من التشريعات المرنة والتسهيلات المتزايدة في وجه المنافسة العالمية المتزايدة.. وتمكن الأمريكيون أكثر من غيرهم، كونهم كانوا الأقوى خلال الحرب الباردة، من تكريس التكنولوجيات القائمة في خدمة نشاطات أخرى، ومن تحويل استنفارهم في وجه الخطر الشيوعي إلى استنفار في وجه التنافس العالمي الجديد.

وفتحت قدراتهم في مجال التكنولوجيا السمعية والبصرية والفوتوغرافية وغيرها آفاقًا جديدة في مجال شد الانتباه، وتكثيف الانفصال واللعب بالعواطف وإغراء المصالح والأنانيات، وساعدتهم سيطرتهم على المؤسسات الدولية الأساسية خلال الحرب الباردة «النظام النقدي العالمي SMI، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي...إلخ» على الإمساك بمفاصل النظام الاقتصادي الدولي الجديد، والذي يسبر أغوار العولمة المشاركة.

وبدورهم راح حلفاؤهم القدامى، ومنافسوهم الحاليون، والمستقبليون، الأوروبيون واليابانيون، المجبرون على تعلم الإنجليزية «لغة العولمة» العالمية، يهيئون العدة لمقاومة ما يسمونه بـ «الغزو الثقافي» الأمريكي، خاصة بعد أن ظهر قطاع اقتصادي جديد: قطاع الإغراء على الاستهلاك، وخلق حاجات ورغبات جديدة متجددة. وأخذت تتبلور ثقافة الاستهلاك مع كل أدواتها وملحقاتها ونتائجها، ودخلنا في مرحلة ما بعد الحداثة، حيث صار الشكل أهم من الجوهر، والأسلوب أفضل من المحتوى، وحيث تراجع المعنى وتقدمت التقنية، دخلنا في عصر الاستهلاك السريع والملابس والموسيقى والشاشتين الصغيرة والكبيرة والفيديو والكمبيوتر والمعلوماتية...إلخ.

ليس هذا فحسب، بل إننا نجد المفكر وعالم الاجتماع السويسري «جون زيغلر» يقول: بأن «منظمة التجارة العالمية» تجسد الليبرالية الجديدة في صـورتها المتطرفة، وهي تعني -ضمن ما تعني- موتًا محققًا للعالم الثالث (بما فيه من العرب والمسلمين). وتذكر الإحصاءات أن عدد سكان العالم يصل إلى ستة مليارات نسمة، يعيش أكثر من ثلثهم في دول الجنوب، والغالبية العظمى لا تعيش عيشة إنسانية، والدليل على ذلك أن 13% فقط من سكان العالم ينفقون 68% من الإنتاج العالمي. ويضيف زيغلر: «إنها عدم مساواة صارخة ورهيبة فضلاً عن صنوف الاستغلال والاضطهاد التي يتعرض لها الآدميون في العالم الثالث».

وفي تفسير هذا الوضع يقال: إن «منظمة التجارة العالمية» هي الانتصار الساحق لدكتاتورية رأس المال في أبشع صورها، وأن السبب هو عالم السوق الرأسمالية الموحدة الذي نحياه، لأنه أفرز «رأسمالية الغابة»، التي تعني نهاية الدولة الوطنية والسيادة الشعبية ونهاية التنوير والقيم المصاحبة له، مثل: التضامن والعدالة الاجتماعية، وتعني أيضًا ضياع مائتي سنة من الثورة الديمقراطية، وهكذا يجد العالم نفسه يعيش ليلاً رهيبًا تجسده بعمق «منظمة التجارة العالمية»(1).

وفي مدينة سياتل الأمريكية، حيث عقد المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية، كان المشهد العام يبدو وكأن هناك «ثورة عالمية» ضد انفراد أمريكا بزعامة العالم، حيث أصرت الدول النامية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية على رفض الخضوع لقاعدة «الرضا الأمريكية» باعتبارها القاعدة الحاكمة لصدور القرارات في نطاق التجارة العالمية.

إن البيان القصير والمقتضب الذي صدر عن اجتماعات «سياتل» أدان المواقف والسلوكيات الأمريكية في النطاق الدولي، وطالب بفتح النوافذ وإعادة التقييم للنظام التجاري الدولي حتى ولو أدى الأمر للخروج على المظلة الأمريكية. في الوقت نفسه تضمن مشهد سياتل الرغبة الأكيدة في مراجعة جدول أعمال اجتماعات المنظمة من الألف إلى الياء، ومحاولة ضمان أقصى قدر ممكن من الشفافية والكفاءة للاجتماعات، في إشارة رفض للمحاولات الأمريكية لتمرير القرارات التي تتفق مع مصالحها، دون اعتبار لمصالح الآخرين(1).

ولكن هل يعني ذلك أن العولمة بدأت في السقوط؟ وبعبارة أخرى: هل تعني سياتل وما سبقها، وما أعقبها من أحداث، بداية تغير عصر الزعامة الأمريكية وتربعها على عرش العالم؟ هل توجد في العالم «قوى أخرى» بارزة ومؤثرة أصبحت تمتلك القدرة على تحويل المشيئة الأمريكية؟

إن هذه التساؤلات هي في حقيقتها عناوين لموضوعات أساسية فرضت نفسها بقوة على العلماء والمفكرين، وأصبحت في حاجة إلى إجابات شافية علها تضيء المساحات المعتمة ونقاط الضعف التي لا تزال تقيد حركة الدول والشعوب، بعد الدخول في ألفية جديدة من عمر الزمن.

وعلى الرغم أنه من الصعوبة التوصل إلى إجابات نهائية وحاسمة بشأن تلك التساؤلات الكبيرة، حيث إن الكثير من هذه القضايا يدخل في عداد البنى الفكرية التي لم تصل بعد إلى محطتها النهائية، إلا أنه يمكننا أن نعطي بعض المؤشرات لإجابات تظهر في الأفق، فإننا نجد مثلاً أن العديد من الأبحاث والدراسات الصادرة في الولايات المتحدة نفسها تندد بما أصبح يسمى بـ «العولمة المتوحشة»، وترى بأن الخط السائد الآن، مع المستقبل المحتمل، لن يكون براقًا أمام الدول المتقدمة الغنية، بل أمام الدول المتقدمة الفنية، بل أمام الفكر والتطبيق الرأسمالي كله، إن اندفعت العجلة الطائشة للعولمة إلى مداها، دون مراعاة البعد الاجتماعي والأوضاع المتدهورة، والفقر المنتشر على امتداد خريطة العالم مشكلاً أزمة إنسانية حضارية خطيرة، بعد أن أصبح في العالم 3 مليارات نسمة، أي نصف سكان العالم من الفقراء، يعيش منهم 3و1 مليار نسمة تحت خط الفقر، أغلبيتهم في الدول النامية، مع وجود نسبة مهمة منهم في الدول المتقدمة.

والحقيقة أنه من الجوانب الجديرة بالاهتمام، أن تشهد الولايات المتحدة على لسان العديد من المنظمات غير الحكومية شعارًا يقول: «لا بد من إسقاط منظمة التجارة العالمية»، وهو ما ينقلنا إلى الجدل الدائر في الولايات المتحدة نفسها حول العولمة.

وهذا ما يعبر عنه كتاب «غاري بيرتلس» وآخرين بعنوان «جنون العولمة»، وهو دفاع عن العولمة ومحاولة من أصحابه لإزالة مخاوف الأمريكيين منها، بعد أن أشارت استطلاعات الرأي إلى أن ما يقرب من نصف سكان أمريكا يشعرون بالقلق الشديد من النتائج المترتبة عليهم من تحرير التجارة العالمية بخطى متسارعة.

ويعترف الكتاب بأن هذه المخاوف لها مؤشراتها مثل زيادة الواردات من السلع والخدمات، وزيادة الاستثمارات الأمريكية المباشرة في الخارج على حساب الداخل، وتضاعف نسبة المهاجرين، مما أضعف قدرة الأمريكيين الأقل مهارة على المساومة. وكان هذا بفعل عاملين رئيسين هما: التزايد المستمر في تحرير التجارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتقدم المستمر في مجالات التكنولوجيا والاتصالات.

وعلى الرغم من إقرار الكتاب بهذه المؤشرات، وأن للعولمة مكاسبها وخسائرها أيضًا، إلا أنه يدافع عنها بشدة، ويراها الطريق الوحيد أمام الأمريكيين، إن كانوا حقًا جادين في تحقيق هدفين رئيسين هما: زيادة الإنتاجية، ورفع مستوى المعيشة.

ويرد الكتاب على من يرفضون العولمة من دعاة العزلة، بالقول بأن الولايات المتحدة حققت إنتاجية وأجورًا أعلى في فتراتها الذهبية للعولمة، وأن السياسات الحمائية دائمًا تؤدي إلى نتائج سلبية وتؤدي إلى كساد الصادرات.. إن الهلع من العولمة يصرف أنظار صانعي السياسة الخارجية والناخبين عن تنفيذ سياسات تعالج مباشرة الأسباب الرئيسة للركود، كما أن للأمريكيين مصلحة -من وجهة نظر الكتاب- في تحرير التجارة بتوسيع سوق السلع والخدمات الأمريكية، ورفع الحوافز، ودعم التفوق الأمريكي في صناعات بعينها، وتفيد المستهلكين أيضًا بتخفيض الأسعار. وفي رأي مؤلفي الكتاب أن تحرير التجارة -أو العولمة- يحقق زيادة الإنتاجية ورفع الكفاءة مع التوسع في الابتكار(1).

ولكن في مقابل المدافعين عن العولمة في الولايات المتحدة، هناك آراء آخرى ترى الواقع بصورة مختلفة. ففي العالم اليوم نحو 500 شركة عملاقة عابرة للقارات، وهي الأغنى والأقوى والأشرس، وتسيطر عمليًا على 70% من حركة التجارة العالمية، وتستقل بإرادتها ومصالحها وسياساتها عن سياسات الدول، بما في ذلك أمريكا التي تتبعها معظم هذه الشركات، أو تعمل منطلقة من أراضيها واقتصادها وعقولها. وهذا الكيان الكوني العملاق يصوغ لنفسه مفاهيم ومصالح وأهدافًا وعلاقات تختلف عن الأنماط التي تعارف عليها العالم.

هذا الكيان يفرض على العالم هذه الأهداف والمصالح الجديدة بشروطه وعبر الأداة التنفيذية لذلك، وهي منظمة التجارة العالمية، التي تضم رسميًا في عضويتها أكثر من 140 دولة، ليس لأي منها القدرة على العصيان والتمرد. هذه الشركات الاحتكارية العملاقة، بفضل سيطرتها على اقتصاد العالم، فإنها يمكن أن تتمكن من تحييد وتحديد وتحجيم حكومات الدول وشل إرادتها، وفرض السياسات التي تخدم مصالحها وتؤدي إلى تراكم أرباحها، حتى ولو كان ذلك على حساب الفقراء، دولاً وشعوبًا وأفرادًا.

ومن هنا نجد الباحثة «ثناء فؤاد عبد الله»(1)تؤكد أنه بالنسبة للولايات المتحدة على وجه التحديد فإنها، وإن كانت اليوم المستفيد الأكبر من العولمة، فإنها يمكن ألا تستطيع غدًا النجاة من مخاطر «العملاق الكوني المتوحش» الذي ينمو حاليًا خارج سيطرة القانون الأمريكي، بل خارج النظام الدولي نفسه، وعندها فإن فقراء أمريكا سينضمون إلى فقراء العالم في شكواهم المريرة. وقد كشفت دراسة أخيرة لمعهد سياسة كاليفورنيا في الولايات المتحدة أن كاليفورنيا -القوة الاقتصادية السابقة في العالم- تعاني اتساع الفجوة بين الأغنياء من جانب والطبقة المتوسطة والفقيرة من جانب آخر.

ودقت الدراسة ناقوس الخطر من أنه حتى كاليفورنيا يتزايد فيها الفقر، في حين يرتفع فيها دخل الأغنياء بلا حدود وبسرعة، وهو أمر لم يحدث في تاريخ الولاية من قبل، وكشفت الدراسة عن أن التكنولوجيا العليا التي تقود اقتصاد الولاية -حيث يتركز وادي السيلكون الشهير فيها- قفزت بدخل المهندسين وأصحاب الشركات، بالمقارنة مع ملايين السكان في الولاية الذين يعملون في الوظائف التقليدية والعمال... ومع ذلك فإن مثل هذه الدراسات والآراء في الولاية، المحذرة من مخاطر العولمة، لا تخفي الحقائق حول موقف الولايات المتحدة، والثمار التي تجنيها مع استمرار خطط العولمة(1).

كما نجد في كتاب «فخ العولمة» كلاً من هانس بيتر ماترين، وهارالد شومان(2)يؤكدان -وبسبب من التقدم التكنولوجي المذهل في العصر الحديث- على أن خمس قوة العمل الحالية ستكون كافية لإنتاج جميع السلع ولسد حاجة الخدمات الرفيعة القيمة التي يحتاج إليها المجتمع العالمي.. ويؤكدان أن 20% من السكان سيستطيعون الحصول على فرصة عمل مناسبة، أما من يتبقى من البشر وهو 80% من السكان فلن يتمكنوا من العيش إلا من خلال التبرعات والصدقات. وهو أيضًا رأي الكاتب الأمريكي «جريمي ريفكن» مؤلف كتاب «نهاية العمل»، وهو الرأي الذي يؤكده في نهاية كلمته «سكوت ملونيلي» إذ يقول: «إن المسألة ستكون في المستقبل هي: إما أن تأكل أو تُؤكل»، وهذه هي التبشيرية الجديدة التي تعبر عنها الرأسمالية دون مواربة، بسعيها الدموي نحو القضاء التام على دور الدولة في العالم كله(1).

ويشير كتاب «فخ العولمة» إلى أن المنهج الذي تتخذه الدول الكبرى الآن هو تخفيض الإنفاق الحكومي والأجور والمساعدات الاجتماعية، وفي كل مكان استنكار لهذا المنهج بلا جدوى، ومن ثم يتخلق إحباط واستسلام للمقادير. ففي الوقت الذي كان فيه قادة العمال فيما سمي بالحركة الاشتراكية الديمقراطية ينادون بالأممية، لمواجهة تجار الحروب الرأسماليين، أصبحت الرأسمالية الوحشية هي التي تنادي بالأممية، ولكن لشركاتها عابرة القارات، ففي الساحة العالمية أكثر من 40 ألف شركة أممية من كل الأشكال والأحجام، تبتز هذا العامل بالعامل الآخر، وهذه الدولة بالأخرى، لذلك فإن أممية رأس المال الجديدة تقتطع دولاً بكاملها بما فيها من أنظمة اجتماعية. فالتهديد بخروج رأس المال دائم ومستمر، لإجبار الحكومات على تقديم تنازلات عظيمة على المستوى الاقتصادي والسياسي، ومنح تبلغ المليارات أو إقامة مشروعات بنية تحتية، وفي نفس الوقت فمعظم هذه الشركات لا تعلن عن أرباحها الحقيقية للتهرب من الضرائب، هذا في الوقت الذي تم فيه تخفيض أجور العمال الذين يدفعون الضرائب بالفعل ومباشرة من أجورهم للحكومة.

ويحاول رجال العولـمة أن يصوروا الوضع على أنه كالـحوادث الطبيعية التي لا قدرة للبشر على ردها أو الوقـوف أمـامها، باعتبارها نتيجة حتمية لتطـور تكنـولـوجي واقتصادي ليس أمامنا إلا الإذعان له.

ويصف الكتاب هذا التصور بأنه مجرد ثرثرة، فحركة الاقتصاد العالمي ليست حدثًا طبيعيًا بحال من الأحوال، إنما هو نظام أوجدته سياسات واعية تملك إرادتها، من خلال سن القوانين وإلغاء الحدود والحواجز التي كانت تحد من تنقل رؤوس الأموال والسلع من دولة إلى أخرى، ورؤساء الدول الكبرى هم الذين خلقوا هذا الوضع، بداية من تحرير التجارة بالعملات الأجنبية وعبر السوق الأوروبية المشتركة، وانتهاء بالتوسع المستمر لاتفاقية التجارة العالمية (الجات)، وهي الحالة التي أصبحوا يعجزون الآن عن وجود علاج لها.. والمطلوب الآن من فقراء العالم التضحية حتى الموت من أجل الرأسمالية المتوحشة واللاإنسانية!

ولا يجب أن ننسى علاقة العولمة بأزمة البيئة العالمية، فالتراجع النوعي الخطير للملكيات المشتركة الإنسانية (الهواء، والأرض، والماء..) ليس إلا نتيجة لهذا الإيقاع المجنون الذي يسير عليه استغلال الطبيعة غير المتجددة، أو المتجددة وفقًا لإيقاع طبيعي أقل تسارعًا من الاستغلال الإنساني لها، والذي يفرضه منطق السوق والتنافس المحتدم. ونتج عن ذلك مشاكل وكوارث للجنس البشري كله، وقد جاءت كارثة (شيرنوبل) عام 6891م في الاتحاد السوفيتي السابق ليتبين وحدة المصير الإنساني في البيئة، على الأقل.. فتلوث الفضاء في بلد من بلدان العالم بالإشعاعات النووية أو ثاني أكسيد الكربون أو الآزوت أو غير ذلك، ليس أمرًا يطاله وحده دون البلدان الأخرى. كذلك الأمر بالنسبة لكل ما هو مشترك من مياه الأنهار والبحار والبحيرات والغابات والفيروسات والأمراض المعدية المتنقلة والطفيليات النباتية والحيوانات الداجنة المصابة بـ (جنون البقر) مثلاً، وغيرها.

زوال الحدود وانفتاح المساحات على بعضها دق ناقوس الخطر، وذكر بحقيقة قديمة تبلور حولها وعي جدي. ودخلت البيئة في صلب العولمة، وهزت الصدمة الناتجة عن احتكاك النظام التقني ـ المالي العالمي بالنظام البيئي الكلي، المعمورة كلها. وأمام المخاطر الناجمة عن الاستغلال المفرط لموارد الطبيعة المحدودة، وجد السوق نفسه عاجزًا عن التوفيق بين منطقين متناقضين يحكمان العولمة: منطق الليبرالية والتنافسية القائم على الإنتاجية الأقصى والمردودية الأعلى، والمنطق الذي يفرض عقلنة استغلال الموارد الطبيعية والحفاظ على البيئة، في اتجاه تقليص هذا الاستغلال والحد منه، وتحمل التكاليف المترتبة على الدفاع عن البيئة، الأمر الذي يحد من الإنتاجية والمردودية والربح(1).

الوعي بالمخاطر بات عالميًا، ويتعدى إطار أحزاب (الخضر) والدفاع عن البيئة التي بدأت تجد لها مكانًا في المسرح الدولي، وفي الدول الصناعية على وجه الخصوص. لكن مؤتمر الأرض في (ريودي جانيرو) عام 1992م، وهو المظاهرة العالمية الكبرى الأولى في هذا المجال عجز عن هذا التوفيق بين المنطقين، وأطاحت بأعماله السياسة التي ارتضت لنفسها دور الخادم الأمين للعولمة، في شقها الاقتصادي المفرط، إذ كانت قمة (كيوتو) عام 1997م قد توصلت إلى صياغة قرارات تكشف مجددًا عن هذا الوعي الإنساني الجديد بعالمية المخاطر البيئية، إلا أن ترجمة هذه القرارات أفعالاً وممارسات تبقى رهينة السياسة.

والملفت للنظر أن الولايات المتحدة «الملوث الأكبر» للبيئة في العالم، والمركز الذي بث أشعة العولمة في كل المعمورة، و«راهب» الدفاع عن البيئة في الوقت نفسه، هي المسؤول الأول عن فشل هذه المحاولات الساعية إلى مكافحة «الإجرام البيئي» في العالم، بحسب تعبير أنصار البيئة في الدول الصناعية الغربية.

ومن مشكلة تهم الجنس البشري بأكمله، تحولت مسألة البيئة إلى جدل بين دول تتهم بعضها بالتلوث، وأخرى من الشمال خصوصًا، تهدد بإصدار تشريعات دولية حول «التدخل البيئي» تسمح لها بالتدخل، في الجنوب مثلاً، دفاعاً عن البيئة(1).

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة