إذا كانت التربية الإسلامية تهدف (إلى رعاية الإنسان في جوانبه الجسمية والعقلية والعلمية واللغوية والوجدانية والاجتماعية والدينية، وتوجيهها نحو الصلاح والوصول بها إلى الكمال، (وإذا كانت غايتها) هي تحقيق العبودية الخالصة لله في حياة الإنسان على مستوى الفرد والجماعة والإنسانية، وقيام الإنسان بمهامه المختلفة لعمارة الكون وفق الشريعة الإلهية) (1)، فإن ذلك يعني صياغة الشخصية الإسلامية وفق نسق متكامل من العناصر التي تغذي بناء تلك الشخصية في جميع أبعادها المتفاعلة، بحيث تنهض بمهامها على الوجه الأكمل. وليست تلك العناصر سوى مجموعة القيم التي تحقق للإنسان إنسانيته ككائن حظي بالتكريم من الله عـز وجــــــــل، هذا التكريم الذي تجسد بمنحة العقل وأمانة الاستخلاف في الأرض. ‏

وما دام الله عز وجل قد جبل الإنسان بفطرة تؤهله للتشكل وفق الأهداف الخيرة، وقابلية السير في خطها المستقيم، فإن القيم التربوية الإسلامية تكون على هذا الأساس هي تلك المفاهيم والمعاني التي يولد الإنسان بموجبها ولادة ربانية، ويعيش في ظلال طاعة الله وحمل النفس على تنفيذ مراده في هذا الكون .. وإن أبلغ تعبير عن القيم التربوية الإسلامية -على ضوء ما سبق- هو ما تجسده سورة العصر التي يقول فيها الله تبارك وتعالى: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر : 1-3). ‏

هذه الآيات الكريمة تبرز لنا بوضوح الإطار المتكامل لحركة الإنسان وقيامه بعمارة الحياة.. إنها تبين لنا أنه لا مجال للحديث عن القيم الإسلامية إلا بالاستناد إلى الركيزة الكبرى، وهي الإيمان بالله عز وجل. فمن هذا الإيمان، الذي هو القيمة الأعلى والأسمى، تنبثق القيم الأخرى، كما ينبثق النور من الشمس.. فجماع القيم التربوية الإسلامية إنما يرتكز في الصفات والخصائص التي جاءت عقب الإيمان بالله في هذه السورة الكريمة، وهي العمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر... ‏

والسمة التي لا بد من وعيها والتشبع بها -ونحن في معرض الحديث عن التربية الإسلامية- هي أن القيم التربوية الإسلامية هي وحدها المفضية إلى النجاح والفوز، الآيلة بمعتنقها إلى بر الأمان، حتى إذا لمحنا نظاماً تربويًا يطبعه التخبط والتعثر والعقم، حكمنا على الفور: أنه ليس نظامًا إسلاميًا، حتى وإن زعم له ذلك الزاعمون، ذلك أنه (على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناج، هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، هو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه، وكل ما وراء ذلك ضياع وخسارة) (2). ‏

وتقوم هذه الحقيقة على أساس نظري ثابت هو أنه بقدر (ما تكتمل بنية النظرية الاجتماعية، تكتمل بنية النظرية التربوية.. وبقدر ما تتصف النظرية الاجتماعية من الشمول والتكامل والاكتمال والوضوح والعمومية والقابلية للتطبيق، وبقدر ما تخلو من الغموض والتناقض والصراع بين أفكارها وقيمها، بقدر ما تكون النظرية التربوية قادرة على تمثل هذه الصفات والخصائص في معالجة القضايا التربوية المختلفة) (3). ‏

والهدف الذي تسعى إليه القيم التربوية الإسلامية، هو إحداث وإنشاء هيئة راسخة في نفس الإنسان، بحيث تتجه به نحو العمل الصالح... والعمل الصالح كما هو واضح من خلال سورة العصر وغيرها من السور والآيات، يشمل كل مكارم الأخلاق، سواء ارتبطت تلك الأخـــلاق بتهذيــب النفــــس أو شحـــذ العقــل وإطلاق طاقــاته، بما يحقق التكامل المنشود من قبيل: الصدق، والإخلاص، والعدل، والإيثار، والوفاء، وحب الخير للناس، والتعاون، والاعتدال في المأكل والمشرب والإنفاق، والحرص على الوقت من الضياع، وصلة الرحم، ومواساة الضعفاء... إلخ. ‏

ونستطيع أن نخلص من الكلام السابق إلى أنه حتى وإن ظهر لنا في بعض الأحيان بعض النظم التربوية التي تضم قيمًا شبيهة بالقيم المذكورة، فإن ذلك لا يشفع لها أن تحمل صفة القيم الإسلامية، لأنها تفتقد إلى الأساس الراسخ الذي هو الإيمان الكامل بالله عز وجل، أولاً، ولأنها تفتقد إلى الشمول والتكامل والاكتمال والوضوح والعمومية والقابلية للتطبيق، التي تضمنها كلام الدكتور محمد سيد سلطان عن النظرية الاجتماعية. ‏

تمحور القيم في الإسلام حول الكليات الخمس: ‏

سبق أن أشرت في التمهيد لهذ البحث إلى أن الإنسان -مطلق الإنسان- محكوم عليه بالخسار، وأنه لايخرج من الحكم، إلا بفضل إيمانه بالله عز وجل وتحليه بمكارم الأخلاق التي تنعكس على علاقته بربه وعلاقته بأخيه الإنسان وبظواهر الكون من حوله. والإنسان كائن اجتماعي، إضافة إلى كونه يشعر بعمق بكيانه الفردي الأصيل، ويريد الاستمرارية والبقاء، ويدافع عنه لذلك بكل ما أوتي من إمكانيات ووسائل... وأوضح مقومات هذا الإنسان عقله ونفسه ونسله.. فالعقل هو أداة الإنسان الفعالة التي يمارس بها أمانة الاستخلاف عن طريق عملية التفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض، بحثًا عن الطاقات المسخرة فيها من أجل إنجاز عمله الحضاري وحماية وجوده. ‏

وهنا يأتي عنصر المال كأداة ضرورية لاستمرار العمل الحضاري، وقبل ذلك لاستمرار حياة الإنسان، غير أن العناصر الضرورية السالف ذكرها (العقل، النفس، النسل، المال) لا تكتمل إلا بعنصر ضروري آخر هو الدين، بل إن الحياة الإنسانية أو الوجود الإنساني لا يقوم إلا به. ‏

وهذه العناصر الخمسة هي ما اصطلح على تسميته بالكليات الخمس، يقول أبو إسحاق الشاطبي وهو يتحدث عن تلك الكليات: (إن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية.. فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين. والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم) (4). ‏

ومن خلال كلام الإمام الشاطبي يتبين أن الهدف من تكاليف الشريعة يتمحور حول صيانة وحفظ مجموعة من المقاصد المرتبطة بالحياة الاجتماعية والفردية للإنســان، ومن ضمن هذه المقاصد ما هو ضروري مما سبقت الإشارة إليه، وأنه بدون تحقيق المقاصد تختل حركة الحياة وتصير إلى فساد... ويتبين لنا أيضاً أن حفظ تلك المقاصد يكون أولاً بإقامة أركانها وتثبيت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، أي رعاية الشروط التي تحمي كيانها وتحافظ عليه في صفة السلامة والكمال والتوازن.. ويكون ثانيًا بدرء الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم، أي الحيلولة دون ما من شأنه أن يعرضها (أي المقاصد) للتلف أو الضعف والنقصان. ‏

إذا عرفنا هذا، عرفنا تبعًا له أن حفظ تلك المقاصد لا يتم إلا من خلال تشبع الأفراد بنظام من القيم يتصف بالكمال. ومن خصائص الكمال، أن تكون تلك القيم ملامسة لشغاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لصيقة بها، لا تنفك عنها قيد أنملة. وليس ذلك النظام إلا النظام القيمي الإسلامي، الذي هو قوام النظام التربوي في الإسلام. وهذا النظام القيمي -كما أسلفت- هو الذي يتشكل منه النظام الاجتماعي، ويقوم على أساس راسخ هو الإيمان بالله، والإقرار بالعبودية الخالصة له، إذ إن (هناك ارتباطًا بين طبيعة (النظام الاجتماعي) وطبيعة (التصور الاعتقادي)، بل هناك ما هو أكبر من الارتباط الوثيق. هناك الانبثاق الحيوي. انبثاق النظام الاجتماعي من التصور الاعتقادي، (..) هذا الانبثاق، ثم هذا التكيف، وجه من وجوه الارتباط بين التصور الاعتقادي والنظام الاجتماعي، بل منهج الحياة كله، بما فيه مشاعر الأفراد وأخلاقهم وعباداتهم وشعائرهم وتقاليدهم، وكل نشاط إنساني في هذه الأرض جميعًا) (5). ‏

على هذا الأساس، فإن القيم التربوية من تعاون وصدق في القول وإخلاص في العمل ووفاء واحترام لكرامة الإنسان، وحب الخير للناس، وتقدير لأمانة الاستخلاف، وإغاثة الملهوف... وصبر على الشدائد، وغيرها من القيم التربوية الإسلامية، لا يمكن أن تينع وتزدهر إلا في ظل الاعتقاد الصادق في الله ومراقبته بصفة دائمة. وهذا الشرط وحده هو الكفيل بضمان الحفاظ على المقاصد التي رمت إليها الشريعة الإسلامية. إن الإسلام (يعتبر القيم عماد المجتمع وسنام نظامه، بل ونظام الأمة الاجتماعي كله، ولهذا السبب فإننا لا نجد أي مفهوم للأخلاقيات الشخصية أو التقوى يخلو من العمل الاجتماعي في ظل الإسلام، وبالتالي تحتل الشريعة مكانة سامية في إطار المجتمع الإسلامي. فإذا حدث خروج عنها، اختلت الشخصية الإنسانية وتأثر الفرد ماديًا واجتماعيًا) (6) وانهار المجتمع بأكمله. ‏

ولا يفوتني وأنا أعالج هذه النقطة المهمة، الإشارة إلى أن القيم التربوية الإسلامية لا ترتبط بصلة وثيقة بالكليات الخمس التي تكتسي طابع الضرورة فحسب، بل إنها تمتد لتنسج خيوطها مع دائرتين اهتم بهما علماء أصول الشريعة ومقاصدها، وهما دائرتا الحاجيات والتحسينات. ‏

إن القيم التربوية في مفهومها الإسلامي تنشر أجنحتها على سلوك الإنسان في جوانبه الدقيقة لتضمن لها الارتقاء والتدرج في مستويات الكمال والذوق الرفيع. وإذا كان المسلمون يتفاوتون فيما بينهم في الأذواق والأشواق، فإن ذلك التفاوت يقوم على المقدار الذي يجنيه كل فرد من هؤلاء، من الشحنات والدفقات التي تهبها القيم التربوية لكل متشبع بها، أي أن ذلك التفاوت ينبني -بتعبير آخر- على حظ كل واحد من أفراد المسلمين في المسابقة والمسارعة إلى الخيرات التي يسعى المسلم أن يصل من خلالها إلى الله تعالى، فيقف بين يديه وهو على قدر كبير من الصفاء والارتقاء. ‏

ونخلص في ضوء المعطيات التي مرت بنا، إلى أن القيم التربوية الإسلامية تتمحور حول الكليات الخمس وما يتعلق بها من حاجيات وتحسينات، وأنها تتحرك في إطار العقيدة، أي في إطار التصور الشمولي الذي يمنحه الإسلام للإنسان، فهو المهماز الذي يحفز تلك القيم ويمنحها قوة الدفع.. وبدونها يظل الإنسان مثاقلاً إلى الأرض، راسفًا في أغلال الماديات. ‏

إن الإنسان هو محور الحياة في هذه الأرض، ومن ثم فهو محور ومدار النظام التربوي وما يتضمنه من نسق للقيم... والهدف من النظام التربوي كله في أي مجتمع من المجتمعات هو الارتقاء بهذا الإنسان، والارتفاع به إلى القمة، وتمكينه من القيام برسالته. ‏

سيادة القيم التربوية الإسلامية في المجتمع الإسلامي (عصر النبوة فما بعد): ‏

من المعروف أن شخصية الإنسان تخضع لعنصرين، عنصر الوراثة وعنصر البيئة، فمبقتضى هذا الأخير، إما أن تنفتح الفطرة وتجد مرتعها الخصيب الذي يضمن لها السلامة والطهر، وإما أنها على العكس من ذلك -تصطدم بشتى العوائق التي تسد دونها المنافذ وتحكم حولها طوقًا من الظلمة الدامسة. وإذا نظرنا إلى الإنسان في ظل عصر النبوة والعصور الزاهية التي عرفتها الحياة الإسلامية، وجدنا أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها قد سعدت بإطارها الرحيب الذي أعطت فيه ثمارها.. وقدمت مباهج إبداعها.. وما ذلك الإطار الرحيب سوى نسق القيم، الذي حركت دفقاتُه العظيمة مكامن الإنسان، فراحت تعرض لنا من المشاهد الرائعة والصور الجميلة ما هو جدير بالوقوف عنده، بكل خضوع وإجلال.. ‏

ولقد سبق لنا أن عرفنا أن من أخص خصائص التصور الإسلامي للألوهية والحياة والكون والإنسان، الشمول.. ولكن الذي ينبغي التأكيد عليه أن ذلك التصور مع شموله فهو واقعي إيجابي، وهو يكره بطبيعته أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ‏

فإذا أتينا إلى القيمة الإيمانية، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجدنا أن هذا الإيمان هو الآصرة التي تجمع بين القلوب، والمقياس الذي يقوم عليه الحب والكره والوئام والخصام.. فإذا انفصمت هذه الرابطة لم تفد في تعويضها أواصر الدم والقربى. فالأخوة الحقة إنما تنحصر في نطاق الإيمان بالله عز وجل مصداقًا لقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات : 10)، ويكون ولاء المؤمنين فيما بينهم قائمًا على رابطة الإيمان وما يقتضيه من تبعات لا تنفك عنه، قال تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) (الأنفال : 72). ‏

إن العقيدة التي تدفع صاحبها لأن يضرب صفحًا عن العرى الكاذبة والخيوط الواهية لخليقة بأن يفيض من ينابيعها أروع القيم، التي تختلط بالمشاعر، فينطلق منها أريج لا ينقطع شذاه، هو تلك المواقف الخالدة التي لا تنفك أصداؤها تتردد في الآفاق لتعلن للعالمين أن أمثالها لا يمكن أن تحدث إلا في ظل الإسلام العظيم.. لقد انطلق تيارها ليجوب نفوس المسلمين بجميع فئاتهم من الأئمة المسلمين. ‏

ولقد أعطى الجيل القرآني الفريد -الذي تربى في رحاب مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم - البرهان الساطع على الثبات أمام مطامع الدنيا وشهواتها وهم على قدرة على الإمساك بها. لقد انحنت جاثية عند أقدامهم ، ولكنــهم زهـــدوا فيها في إباء وشموخ، وأشاحوا عنها بوجههم حتى لا يسقطوا صرعى لغوايتها وسحرها. ‏

وأنّى ولّيت وجهك وأنت تبحث عن تجسيد للقيم السامية التي تتسنم بها النفوس القمم السامقة، وجدت ما يروع وما يعجب، في التواضع والمساواة والكرم، وفي الإخلاص ونكران الذات، والصدق، والتعاون، وغيرها من المثل العليا. ‏

وهذا التجسيد للقيم لم ينضب معينه، ولم ينحصر في عصر النبوة وحسب، ولكنه ظل يترى' ويظهر عبر عصور التاريخ الإسلامي على تفاوت فيما بينها في الإشعاع والتألق، وذلك بمقدار ما كانت تتفاوت في الاقتراب من النبع والاغتراف من خيراته وكنوزه والتزود من طاقاته، وعلى تفاوت كذلك في الكثرة. ‏

القيم التربوية عند أهل السنة والجماعة: ‏

ارتباط الأخلاق بالشرع، وبالتالي فهي ليست نسبية: ‏

رأينا من خلال المحور السابق، أن القيم التربوية الإسلامية كانت هي السائدة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الميامين رضوان الله عليهم أجمعين. ولم تزل تلك القيم تنشر ظلالها الوارفة على مجتمع المسلمين، بقدر استمدادهم منها وربط نفوسهم بها.. وواضح أن السر من وراء ذلك التجانس الكبير، الذي عرفته الحياة في ظل القيم الإسلامية، يكمن في وحدة وثبات المصدر الذي كان يستقي منه أفراد المجتمع الإسلامي. ‏

ولعل القضية التي سأناقشها في هذا المحور، ستلقي بعض الضوء على ذلك السر.. وهذه القضية تتعلق بالأخلاق أو القيم التربوية عند أهل السنة والجماعة.. على أي أساس تقوم؟... وسأقدم بين يدي هذه المسألة الأسئلة التالية: ‏

هل المعول في القيم التربوية على العقل؟ أم الدين؟ وهل العقل الفردي أو ما يسمى بالعقل الجمعي، بقادرين على بناء نسق أخلاقي يطبعه التوازن والشمول ويلائم فطرة الإنسان، وينظم حياة المجتمع البشري؟ بتعبير آخر: هل من المقبول في ضوء مصلحة الفرد والجماعة البشرية. أن تكون القيم التربوية نسبية خاضعة لاختلاف المجتمعات وما يلابسها من أوضاع وأحوال؟ أم أن نسقًا واحدًا من القيم هو الصالح للإنسان في كل الأماكن والعصور، وأن على الإنسان، حيث كان وفي أي عصر كان، أن يضبط سلوكه ويكيف حركته وفقًا لذلك النسق من القيم؟ ‏

هل المعول على العقل في بناء الأخلاق؟ كثير من الفلاسفة قد أجابوا بالإيجاب على هذا السؤال... وأحسنهم خطأ وأقربهم إلى الصواب، أو بالأحرى أبعدهم عن الشطط والمبالغة، من قال بالالتزام بالأخلاق الإنسانية. ومن هؤلاء الفيلسوف الفرنسي "برغسون" (1941)(7). ولكننا نسائل "برغسون" عن الجهة التي سيوكل إليها أمر وضع هذا النظام الأخلاقي، الذي سيطلب من الإنسانية السير على منواله؟ لا شك أن جوابه لن يعدو أن يشير إلى مجموعة كبرى من المفكرين، تجتمع على صعيد واحد، وتتداول في شؤون الأخلاق التي تهم البشرية.. وهل خليط من العقول الصادرة من كل حدب وصوب، تحمل آثــار بيئات مختلفة، لها من خطوط الاتفاق والالتقاء ما ينتهي إلى صيغة موحدة؟ وهب أن ذلك قد وقع، فهل تكون تلك الصيغة مصادفة للصواب ملائمة لفطرة البشر؟ ‏

الواقع أن المتمعن في قضية العقل البشري، وتحليلها من جميع جوانبها، لا مفر له من الوصول بكل طمأنينة وجلاء إلى الاقتناع بنقص الفكرة العقلية، وعجزها عن إرساء قواعد سليمة للقيم... وذلك للأسباب التالية: ‏

‏1) (لأن العقول -مصدر هذه الفكرة- متفاوتة في إدراكها وفي حكمها على الأشياء، وفي مقاييس الخير والشــر، فيستحسن بعضها ما لا يستحسنه الآخر، ويستقبح بعضها ما لا يستقبحه الآخر. وقد رأينا في عصرنا الحاضر ألوانًا للفكرة العقلية أوقعت الشعوب في الحيرة والاضطراب رأينا شيوعية ورأسمالية وديموقراطية وديكتاتورية، إلى غير ذلك من أنواع البرق ذي الألوان الخاطفة، وكلها يلبس الحق بالباطل، ويحاول أن يغتصب ما استطاع أن يغتصب) (8). ‏

‏2) لأن العقول في إفرازها للأفكار تقع تحت طائلة الأهواء والمصالح الشخصية التي لا يستطيع أصحابها التحرر من ضغطها.. وكم طلع المفكرون على الناس بقوانين زعموا لها من الأهداف السامية والنوايا الطيبة ما كذبته الشواهد وأثبتت عكسه تمامًا، أي إن نزعات منفعية ضيقة كانت وراء صياغة تلك القوانين. ‏

‏3) لأن العقول محدودة الإدراك، ضيقة الآفاق، لا تستطيع استطلاع مستقبل البشرية ومقتضيات التطور الإنساني، وعلاقته بطبــيعة الإنـســـان، ولذلك رأينا القـــوانين التي يصنعها البشر سرعان ما تتلاشى وتظهر عيوبها وثغراتها، مما يدل على أنها فصلت على أساس من الجهل بالإنسان ومتطلباته. ‏

‏4) حتى وإن فرضنا أن العقول قد اتفقت على نظام معين، وأن الرغبة في خير الإنسانية هي الدافعة إليه، لا الهوى، فإن نطاق تأثير ذلك النظام سيكون ضيقًا، بحيث لا يمس سوى قلوب من صدر عنهم النظام، أما الأمة فتساق إليه عنوة، ولا تتبعه بدافع احترامه وتقديره، بل إنها لا تقف عنده إلا حينما تخشى الوقوع تحت طائلته(9). ‏

‏ على ضوء هذه الحقائق والمعطيات عن طبيعة وحدود العقل البشري، أتطرق لموقف أهل السنة والجماعة من القيم التربوية (أو الأخلاق). ‏

حينما ثارت مشكلة قدرة العقل على التمييز بين الخير والشر، أو الحسن والقبيح، وما إذا كان هذان الأخيران صفتين ذاتيتين في الأشياء، أم أنهما مرهونان برأي الشرع، وقف المعتزلة موقفًا مسرفًا يمجد العقل ويحكم بأن طاقاته غير محدودة، أما أهل السنة فقد (رأوا أن العقل أضعف من ذلك، وأن استطاعته محدودة بإدراك ما يتعلق بشأنه هو، أو أقل من ذلك، وأنه منح القدرة على أن يدرك البرهان على وجود الله والنبوة العامة، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ولم يمنح القدرة على معرفة كنه الله وصفاته، فلنؤمن بما جاء به أنبياؤه، ولنقف عند ما قالوه) (10). ‏

إن الأصل (في الأخلاق الإسلامية على مذهب أهل السنة، يرجع إلى سلطة خارجية قاهرة هي سلطة الدين، وأساس هذا الدين القرآن الواجب تعليمه وتعلمه.. والصلة بين الدين الإسلامي والأخلاق، عظيمة تبلغ حد التوحيد بينهما) (11). ‏

إن هذا الموقف الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة، وهذا الفهم العميق، وهذا النظر البعيد الذي يدل على فقه صحيح لمسألة الأخلاق -كيف لا وقد استقوه من رسول الله صلى الله عليه و سلم - هو ما وصلت إليه عقول الفلاسفة بعد لأي، وبعد مخاض مرير عاشته البشرية ولا تزال، بل بعد أزمات ضربتها في الصميم ومزقت أوصالها، تلك الأزمات التي لم تكن إلا حصيلة لاطمئنان البشرية وركونها لما تمليه العقول المختلطة بالأهواء والثقة العمياء فيه. فلقد وجدنا في العصور الأخيرة كثيرًا من الأصوات تنـــادي بضرورة ارتباط الأخـــلاق بالديـــن، وإلا فلن نكون إلا أمام شبح فارغ يضر ولا ينفع. ‏

وضرورة ارتباط الأخلاق بالدين قائمة على أساسين: الأساس الأول يتعلق بصحة ومصداقية الأخلاق الصادرة من الدين وملاءمتها للفطرة، والأساس الثاني يتعلق بالشحنة القوية التي تتحرك بها الأخلاق عبر النفوس، والتي تستمد قوامها من مبادئ الدين. ‏

وضرورة ارتباط الأخلاق بالدين تنبثق من شيء آخر، ذلك (أن الدين لا يقف عند الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها، إنه هو الذي يرسي قواعدها ويحدد معالمها ويضبط مقاييسها الكلية، ويضع الأمثلة للكثير من جزئيات السلوك، ثم يغري بالاستقامة، ويحذر من الانحراف، ويضع الأجزية مثوبة وعقوبة على كلا السلوكين نصب العين) (12). ‏

أما الأخــلاق النظـــرية التي يضــعها الفـــلاسفة، فهي تولـد باردة لا تجدي فتيلاً في تحريك النفوس وبعث الحرارة فيها، بل إنها تزيدها صقيعاً على صقيع.. لأنها تقوم على أساس واه لا يكاد يثبت أمام عوادي الزمن وصروف الحياة. قال الفيلسوف الألماني"فيخته": الأخلاق من غير دين عبث.. وقال الزعيم الهندي "غاندي": (إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد، لا يقبلان الانفصال، ولا يفترقان عن بعضهما البعض، فهما وحدة لا تتجزأ. إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجوارح للروح، وبعبارة أخرى: إن الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذي الزرع وينميه) (13). ‏

إن حقيقة ارتباط الأخلاق بالدين قد أصبحت حاضرة -ويزداد الوثوق واليقين بها يومًا بعد يوم- في أذهان العقلاء من الغربيين، الذين توصولوا إلى أنه بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون(14). ‏

وهذه النتيجة، تثبت لنا تهافت فكرة طالما روج لها أصحاب الفكر العلماني اللاديني، وهي فكرة الضمير، ونشأة هذا الضمير في معزل عن أجواء الدين التربوية.. وبعبارة أخرى، فإن الأبحاث والتجارب التي يزخز بها الواقع نفسه تعطي البرهان القاطع على خرافة الضمير بلا دين، (ذلك أن الإنسان يكاد لا يعطي شيئاً إلا يأخذ في مقابله شيئاً، نقداً أو نسيئة، فنفسه تتطلع دائمًا إلى الجزاء العادل على ما قدم.. وقد حاول الفلاسفة الماديون أن يشبعوا هذا الجانب بالأجزية الأخلاقية المجردة عن الدين، وعن طريق ما أسموه "الضمير" الذي يجزي فاعل الخير ومؤدي الواجب بالسرور والرضا والارتياح، الذي يحسه الإنسان بين جنبيه. ولكنهم حاروا كيف يجزى من يضحي بنفسه ويبذل روحه ويموت شهيداً في سبيل الحق؟ إنه لا مجال لرضى النفس وراحتها بعد الموت عند هؤلاء الماديين، والموت عندهم فناء محض. إن الإيمان بالله وبجزاء الآخرة هو الذي يحل هذه العقدة) (15). ‏

وخلاصة القول في هذه القضية: إن الموقف الإسلامي الصحيح كما يمثله أهل السنة والجماعة، يمثل ضرورة قصوى بالنسبة للمجال التربوي الذي ينشد الوحدة، هذه الوحدة التي لا تزال البشرية تفتقدها حتى الآن، بسبب بعدها عن هدي الإسلام ومبادئه السمحة. ‏

‏ إن الإطار الثابت الذي تقدمه التربية الإسلامية بفضل ربطها بين الأخلاق ودين الله القويم، هو الخلاص النهائي من الأزمة التي تصيب التربية في العالم، وتصيب معها نظام الحياة بأكمله. ‏

بــدايـة الصــراع

لقد ظلت القيم الإسلامية تهيمن على حياة المسلمين منذ عصر النــــبوة وعبر العــصور التــاريخية المخـــتلفة، ولكن بمقادير متفــاوتة، كما سبقت الإشارة، إذ بقدر ما كان المسلمون يتشبثون بالينابيع الصافية لدينهم الحنيف، بقدر ما كانت آثارذلك تظهر على سلوكهم، وتعبر عن نفسها أبلغ تعبير فيما كانوا يحققونه من عطاءات ثرية للحضارة الإنسانية في الميادين الإنسانية الخلقية، وكذا في مجال الإبداع العلمي. وظلت منارات الإسلام ترسل إشعاعاتها حتى في بعض الظروف التي تميزت بالضعف والارتخاء، إلى أن جاءت الضربة القوية من جانب الاستعمار، الذي بدأت طلائعه السوداء تخيم على ربوع العالم الإسلامي، فبدأت القيم الإسلامية في التلاشي، وبدأ كيان المجتمع الإسلامي في الانحلال. ‏

وإذا كانت المعاول التي استخدمها الاستعمار (التنصير، البعثات الدراسية إلى الخارج، وسائل الإعلام، نشر المدارس الأجنبية في البلدان الإسلامية، الاستشراق) قد تضافرت في الإجهاز على الكيان الإسلامي وعلى الشخصية الإسلامية، فإن حركة الاستشراق الماكرة قد كان لها الدور الفعال في بث السموم ونشر الأباطيل التي تفعل فعلها المدمر في عقل المسلم ونفسه، وتحوله إلى جسم مشلول أو مقطوع الصلة بأمته وكيانه الحضاري الأصيل، بل أكثر من ذلك تجعله يتحول إلى عنصر هدم وتدمير في بناء الأمة، بحيث يتنكر لها ويناصبها العداء. ‏

لقد وجه الدارسون للإسلام والحضارة الإسلامية من المستشرقين، جهودهم إلى تمهيد نفوس المسلمين لقبول واستقبال الهيمنة الأوروبية بكامل الرضا والاطمئنان، والإقرار لها بالولاء .ومعنى ذلك، بل وسيلة ذلك هي إضعاف القيم الإسلامية عن طريق تقديم شروح وتأويلات تعسفية ومشوشة لمفاهيم الإسلام وقواعده، وصولاً بشباب المسلمين إلى مرحلة الشك واهتزاز اليقين بتعاليم الإسلام وقداستها، فـ "رينان" على سبيل المثال يصور عقيدة التوحيد في صورة قاتمة، تجعل منها عامل قلق وحيرة، وهي التي توحد القلوب والمشاعر، وتصنع التماسك بين الأفراد. ‏

إن السموم الناقعة التي دأب المستشرقون - ويعمل تلامذتهم الآن في ديار المسلمين- على نفثها، قد آتت أكلها وأعطت ثمارها المرة في صفوف أجيال الشباب الإسلامي.. وأخطر وسيلة اتخذت لذلك، قنوات التعليم التي يمارس من خلالها المعلمون والأساتذة المستلبون أثرهم السحري، فيخرج على أيديهم أجيال فارغة الفؤاد، بليدة الإحساس، يصدق عليها بحق قول المفكر والشاعر الإسلامي الكبير "محمد إقبال" رحمه الله: (إن الشباب المثقف فارغ الأكواب، ظمآن الشفتين، مصقول الوجه، مظلم الروح، مستنير العقل، كليل البصر، ضعيف اليقين، كثير اليأس، لم يشاهد في هذا العالم شيئاً، هؤلاء الشبان أشباه الرجال ولا رجال، ينكرون نفوسهم، ويؤمنون بغيرهم(...) إن المدرسة قد نزعت منهم العاطفة الدينية وأصبحوا في خبر كان، أجهل الناس لنفوسهم وأبعدهم من شخصياتهم، شغفتهم الحضارة الغربية، فيمدون أكفهم إلى الأجانب ليتصدقوا عليهم بخبز شعير، ويبيعون أرواحـــهم في ذلك (...) إن الإفـــرنج قد قتلوه من غير حرب وضرب، عقول وقحة، وقلوب قاسية، وعيـــون لا تعف عن المحـــارم، وقـــلوب لا تذوب بالقــــــوارع، كل ما عنـــــدهم من عـــــلم وفن وديـن وسيــــاسة وعقل وقلــب، يطــوف حــول الماديــــات، قلوبهم لا تتــلقى الخواطر المتجددة، أفكارهم لا تساوي شيئًا، حياتهم جامدة واقفة متعطلة) (16). ‏

هذه هي الوضعية الأليمة المحزنة التي آلت إليها نتيجة الصراع بين حضارة الإسلام، بل بين مسلمين لم يحفظوا حضارتهم ولم يراعوا ميثاق وعهد ربهم، وبين حضارة الغرب... ولكن لسوء حظ هذا الغرب الشارد، فخزائن الإسلام لم تنفد، وجذوة الإسلام لا يكاد يخبو أوارها، حتى تعيد الكرة من جديد، فتينع وتتوهج لاستعادة الحياة الإسلامية، على أساس القيم الإسلامية.. فما هي هذه القيم التربوية، وما مقابلاتها في المجتمع المعاصر؟ ‏

هذا ما سأتناوله في الفصل القادم بإذن الله. ‏

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة