مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

سأبدأ في هذا المبحث بتمهيد أبين فيه أهمية شروط الاجتهاد، ثم أتكلم عن شروط الاجتهاد، مقسمًا لها إلى شروط قبول وشروط صحة، شارحًا لكل شرط من تلك الشروط، ثم أتكلم عن الشروط التي ذهب إليها بعض العلماء، ولم يذهب إليها بعضهم الآخر، ثم أناقش القدر الذي يجب توفره من شروط الاجتهاد في أعضاء الاجتهاد الجماعي.‏
تمهيد عن أهمية شروط الاجتهاد:‏
المجتهد: (هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه لتحصيل حكم شرعي)(41)، ولابد أن يكون له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام الشرعية من مآخذها، وعلى هذا فإن من له دراية بالأحكام الشرعية، من غير أن يكون له قدرة على استنباطها من الأدلة، لا يسمى مجتهدًا(42)، وللمجتهد في الإسلام منزلة رفيعة، فهو قائم مقام النبي صلى الله عليه و سلم بوصفه وارثًا لعلم النبوة، ومبلغًا إياه إلى الناس، وبوصفه معلمًا ومرشدا للأمة، فقد جاء في الحديث قول الرسول صلى الله عليه و سلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم)(43). ومنصب الاجتهاد من أسمى المناصب الدينية والدنيوية، لأن صاحبه يتكلم مبينًا حكم الله سبحانه وتعالى(44)، ولقد كان الصحابة والتابعون يفهمون نصوص الشرع، ويدركون مقاصده بحكم سليقتهم العربية، وتتلمذهم على مصدر الشـرع وهو النبــي صلى الله عليه و سلم، فلم يكونوا بحاجة إلى قواعد تضبط لهم فهم النصوص واستنباط الأحكام، ولكن بعد أن طرأ على الناس ما أفسد سليقتهم العربية، وبَعُد الناس عن إدراك مقاصد الشرع، كان لابد من وضع ضوابط للاستنباط، وشروط للاجتهاد(45)، وذلك تنظيمًا للاجتهاد، ومنعًا لمن يحاول أن يندس بين المجتهدين ممن ليس أهلاً للاجتهاد، فيتقوّل على الله بغير علم، ويفتي في دين الله بما ليس فيه(46).‏

وقد شدد بعض العلماء في شروط الاجتهاد وخفَّف آخرون، ورأى جماعة منهم الاعتدال، ومع ذلك فإن جميع ما ذكروه من شروط مرده إجمالاً إلى معرفة مصادر الشريعة ومقاصدها، وفهم أساليب اللغة العربية، وأن يكون المجتهد على درجة من الصلاح، تجعله يتحرى في اجتهاده، ويحرص على مطابقة شرع الله وتقديمه على هواه (47)، ومن هنا فقد ذكر العلماء شروطًا لقبول الاجتهاد، وشروطًا لصحة الاجتهاد، وانفرد بعض العلماء بذكر شروط لم يذكرها غيرهم.‏

شروط قبول الاجتهاد:‏

تتمثل في ثلاثة شروط يجب توفرها في من يتصدى للاجتهاد، وبدونها لا يقبل اجتهاده، وإن كان قادرًا على الفهم والاستنباط، وهذه الشروط الثلاثة هي: الإسلام، والتكليف، والعدالة، ونتناولها بالشرح على النحو الآتي:‏

‏1 ـ الإسلام: يشترط في المجتهد أن يكون مسلمًا، لأن الاجتهاد عبادة، والإسلام شرط لصحة العبادة، وهو أيضًا شرط قبول فتوى المرء واجتهاده، وليس شرطًا في قدرة المرء على الاجتهاد، فقد يستطيع المرء أن يجتهد ويستنبط الأحكام وهو كافر، ولكن لا عبرة باجتهاده(48)، يقول الآمدي: (الشرط الأول: أن يعلم وجود الرب، وما يجب له من صفات، ويستحقه من الكمالات، وأنه واجب الوجود لذاته، حي عالم قادر مريد متكلم، حتى يتصور منه التكليف، وأن يكون مصدقًا بالرسول عليه الصــلاة والسـلام، وما جاء به من الشرع المنقول)(49).وينقل الشاطبي في الموافقات عن النظام أنه أجاز وقوع الاجتهاد في الشريعة من غير المسلم، إذا كان الاجتهاد يبنى على مقدمات تفرض صحتها(50)، وأجيب عليه بأن هذا القول غير مستقيم، لأن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لا يسوغ إلا لمن كان مؤمنًا بها، أما من لم يتشبع بروح التشريــع اعتقــــادًا وسلوكـــًا، لن يصــل إلى معرفــة الأحكـــام على وجههـــا الصحيح(51). فأساس الاجتهاد في الإسلامِ الإيمانُ بالوحي، وبصدق الموحى إليه وهو الرسول صلى الله عليه و سلم، ومن لم يؤمن بالوحي وصاحبه، فكيف يجتهد مستندًا إلى أساس، وهو غير مسلمٍ به.‏

‏2 ـ التكليف: يشترط في المجتهد أن يكون بالغًا عاقلاً، حتى يتمكن من فهــم النصـوص والاستنباط منهــا، وإدراك مقاصــد التشريــع على الوجـــه الصحيح، ولا يتم ذلك لمجنون، ولا لمن ليس ببالغ، لعدم اكتمال ملكاته العقليــة التي يتــم بها الإدراك والتمييــز، ولذلك لا يتجــه إليــه التكليف، ولا يعتبر قوله، ولأن النضج العقلي أساس للاجتهاد، وغير المكلف غير مؤهل للنظر والاستنباط(52).‏

‏3 ـ العدالة: العدالة شرط لقبول فتوى المجتهد والعمل بقوله، فلا تقبل فتوى الفاسق، ولا يعمل بقوله(53). والعدالة: (هي ملكة في النفس، تحمل صاحبها على اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، والبعد عما فيه خرم للمروءة)(54)، وهي شروط لقبول الاجتهاد، فمن كان عدلاً اطمأن القلب إلى تحريه، واستفراغه الوسع في طلب الدليل واستنباطه، وحرصه على مرضاة الله، ومن ليس عدلاً ­ وإن استطاع الاستنباط ­ فلا يقبل اجتهاده، لأنه لا يطمئن إليه في ذلك(55).‏

شروط صحة الاجتهاد:‏

تتمثل في أن يتوفر في المرء مجموعة من العوامل، تكوِّن الملكة الفقهية والفهم السليم لدى صاحبها، وتجعله قادرًا على الاستنباط بطرقه الصحيحة، وسنتكلم عن كل شرط من هذه الشروط، شارحين لها على النحو الآتي:‏

أولاً: معرفة الكتاب:‏

القرآن الكريم أصل الشريعة، فيشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بكتاب الله، وذلك بأن يكون له من العلم باللغة ما يعرف به معاني الآيات، وفهم مفرداتها ومركباتها وخواصها، فيستطيع بذلك أن يتدبر القرآن ويستنبط منه.. وأن يكون أيضًا عارفًا بالعلل والمعاني المؤثرة في الأحكام، وأوجه دلالة اللفظ على المعنى، من عبارة وإشارة، ودلالة واقتضاء، ومعرفة أقسام اللفظ من عام وخاص، ومطلق ومقيد، ومشترك ومجمل، ومفسر ومحكم ونحوها(56). وأن يكون عارفًا بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ من الآيات، من حيث مواقعها ­لا أن يجمعها ويحفظها فقد جمعت وحددت­ وكذلك لا يشترط في المجتهد أن يكون حافظًا للقرآن الكريم، بل يكفي أن يكون عارفًا بآيات الأحكام من حيث دلالتها ومواقعها، حتى يرجع إليها في وقت الحاجة(57)، ومع ذلك يجدر بالمجتهد أن يكون على اطلاع عام على معاني القرآن كله، حتى يستقيم فهمه وأخذه للأحكام من القرآن(58).‏

ثانيًا: معرفة السنة:‏

السنة هي المصدر الثاني للشريعة، وهي الشارحة للقرآن، وقد تؤسس لأحكام جديدة، فيجب على المجتهد أن يعرف السنة على النحو الذي بيناه في معرفة القرآن، ولا يلزمه حفظ جميع الأحاديث، وإنما يكفيه أن يعرف أحاديث الأحكام بحيث يكون قادرًا على الرجوع إليها عند الاستنباط(59) وقد اختلف العلماء في المقدار الذي يكفي المجتهد معرفته من السنة، (فنقل عن ابن العربي أنها ثلاثة آلاف، ونقل عن أحمد أنه قال: الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي صلى الله عليه و سلم، ينبغي أن تكون ألفًا ومائتين. وروى ابن القيم أن أصول الأحاديث التي تدور عليها الأحكام خمسمائة، مفصلة في نحو أربعة آلاف حديث)(60). وقال الشوكاني معلقًا على هذا: (والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، أن المجتهد لابد أن يكون عالمًا بما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة... وأن يكون له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف، ولو بالبحث في كتب الجرح والتعديل، وكتب العلل، ومجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الستة، وما يلحق بها(61).‏

وبهذا فإنه يجب على المجتهدأن يكون واسع الاطلاع على السنة كلها، وأن يوجه مزيد اهتمام إلى أحاديث الأحكام، فقد توجد أحاديث بعيدة عن مجال الأحكام في الظاهر، ولكن الفقيه يستنبط منها من الأحكام ما قد يفوت غيره(62).‏

ويلزم المجتهد أن يكون على علم بمصطلح الحديث ورجاله، ولايجب أن يكون في درجة أهل الفن ­فن الحديث أنفسهم­ وإنما يكفيه أن يعتمد على ما انتهى إليه أهل هذا الفن(63)‏

وتجدر الإشارة إلى أن البحث عن الأحاديث، والكشف عن درجتها في الصحة والضعف.. قد أصبح في زماننا أيسر بكثير من ذي قبل، وذلك لتوفر المعاجم والفهارس التي تدل على مواطن الأحاديث في كتبها الأصلية وأمهاتها المعتمدة، بحيث يستطيع الباحث أن يصل من خلال المعجم أو الفهرس إلى موضع الحديث في الكتب التي أوردته، والتي حكمت عليه وبينت درجته، وأيضًا يستطيع من خلالها أن يعرف معظم الأحاديث المتعلقة بموضوع ما أو مسألة ما، بل وتكثر سهولة الوصول إلى الأحاديث والتعامل معها، إذا ما تم استعمال جهاز الحاسوب الآلي في تخزينها وبرمجتها.‏

ثالثًا: معرفة اللغة العربية:‏

المصدران الأصليان للشريعة الإسلامية هما الكتاب والسنة، شاء الله أن يكونا باللغة العربية، لذلك يشترط لفهمهما واستنباط الأحكام منهما فهم قواعد اللغة العربية، وكيفية دلالات الألفاظ على المعاني، وحكم خـــواص اللفظ من عمـــوم وخصـوص، وحقيقــة ومجـاز وإطـــلاق، فمن لم يعــرف أساليب الخطـاب العربي لا يتمكن من استنبـاط الأحكــام من كلام الله ورسولهصلى الله عليه و سلم(64). ولا يشترط في المجتهد أن يكون إمامًا في اللغة، كسيبويه أو المبرِّد وغيرهما، وإنما يكفيه معرفة القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال، إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله ومفســره، ومترادفه ومتباينـــه(65)، بحيث يمكنـــه عند ذلك تفسيــر ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه.. ولا يشترط أن يكون حافظًا عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يكون متمكنًا من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك، وقد قربوها أحسن تقريب، وهذبوها أبلغ تهذيب، ورتبوها على حروف المعجم ترتيبًا لا يصعب الكشف عنه، ولا يبعد الاطلاع عليه(66).‏

رابعًا: معرفة أصول الفقه:‏

أصول الفقه هو عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه(67)، فإن دليل الحكم يدل عليه بواسطة معينة، ككونه أمرًا أو نهيًا، عامًّا أو خاصًّا، ونحوها من قواعد دلالات الألفاظ، ولابد عند الاستنباط من معرفة تلك الكيفيات وحكم كل منها، ولا يعرف ذلك إلا في أصول الفقه. يقول الرازي ­مبينًا أهمية علم الأصول­: (إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه)(68) ويقول الغزالي: (إن أعظم علوم الاجتهاد: الحديث واللغة وأصول الفقه)(69)، فعلى طالب الاجتهاد أن يعرف أصول الفقه، بفهم قواعده العامة وأدلته الإجمالية، وكيفية الاستفادة من هذه الأدلة، وحال المستفيد منها ليزن نفسه بهذه المقاييس، فيقدم على الاجتهاد إذا أحس في نفسه تحقق هذه الشروط، ويحجم إذا اختل شرط، محاولاً الوصول إلى صفات المجتهدين.‏

كما أنه بالأصول يعرف مباحث السنة، من حيث المقبول منها والمردود ­على وجه الإجمال­ ويعرف الإجماع من حيث ضوابطه وشروطه وحجيته، وكذلك يعرف القياس صحيحه وفاسده، ومسالك العلة وقوادحها(70). ويعرف أيضًا الاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة، وغيرها من الأدلة التي اختلف فيها العلماء، ويبحث وجهات النظر فيها، ليصل بذلك إلى حكم خاص به(71).‏

معرفة مقاصد الشريعة:‏

‏(مقاصد الشريعة) من المباحث الأصولية المهمة التي يجب على المجتهد أن يعرفها جملة وتفصيلاً(72)، ليلتزم في اجتهاده بالأهداف العامة التي قصد التشريع حمايتها، والتي تدور حول حفظ مصالح الناس، المتمثلة في الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسب والمال، ومراعاة مصالح العباد، إذ أن فهم النصوص وتطبيقها على الوقائع، متوقف على معرفة مقاصد الشريعة، فمثلاً قد تحتمل دلالة اللفظ على معناه أكثر من وجــه، ولا سبيل إلى ترجيح واحد منها إلا بملاحظة قصد الشارع، وقد تتعارض الأدلة الفرعية مع بعضها، فيأخذ بما هو الأوفق مع قصد الشارع.. وقد تحدث وقائع جديدة لا يعرف حكمها بالنصوص الموجودة في الشرع، فيلجأ إلى الاستحسـان أو المصلحـــة المرسلة أو العُرف ونحوهــا، بالاهتداء بالمقاصـد العامـة للشريعة(73).‏

يقول الشاطبي: (الأول فهم مقاصد الشريعة، وأنها مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف، إذ أن المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات، فلا ينظر إلى المصالح باعتبارها شهوات أو رغبات للمكلف، بل ينظر فيها إلى الأمر في ذاته، من حيث كونه نافعًا أو ضارًّا ) ثم قال: (إذا بلغ الإنسان مبلغًا فَهِم فيه عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه و سلم، في التعليم والفُتيا والحكم بما أراه الله)(74).‏

خامسًا: معرفة مواقع الإجماع:‏

يجب على المجتهد العلم التام بمواقع الإجماع، حتى لا يجتهد أو يفتي بخلاف ما وقع عليه الإجماع، ولا يستلزم هذا حفظ جميع المسائل التي وقع فيها الإجماع، وإنمــا يكفي أن يعلـــم أن فتـــواه لا تخــالف حكمًا مجمعًا عليه(75).‏

ويجب على المجتهد أيضًا أن يعرف القواعد الكلية للفقه الإسلامي، ليكتسب بذلك ملكة يفهم بها مقصود الشارع(76).‏

سادسًا: معرفة أحوال عصره:‏

لابد للمجتهد من فهم أحوال عصره وظروف مجتمعه الذي يعيش فيه، ليتمكن بذلك من تكييف الوقائع التي يجتهد في استنباط أحكام لها، ويأتي حكمه عليها سليمًا، وفهمه لها صحيحًا، فالمجتهد كالمفتي لابد له من معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة الظروف الاجتماعية المحيطة بها، والعوامل المؤثرة في الواقعة، وبذلك تكون فتواه معالجة للواقع القائم(77) (فمعرفة الناس أصل يحتاج إلىه المجتهد، وإلا أفسد أكثر مما أصلح، فعليه أن يكون عالمًا بالأمر والنهي، وطبائع الناس وعوائدهم، وأعرافهم، والمتغيرات الطارئة في حياتهم، فالفتوى قد تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال(78).‏

شروط الاجتهاد المختلف فيها:‏

ذكر بعض الأصوليين شروطًا أخرى للاجتهاد، غير تلك الشروط التي ذكرها معظم الأصوليين، ومن هذه الشروط الآتي:‏

‏1 ـ العلم بأصول الدين: اشترطه بعض الأصوليين ولم يشترطه آخرون، ويبدو أن الذين اشترطوه يقصدون به العلم بالضروريات، كالعلم بوجود الرب سبحانه وصفاته وما يستحقه، والتصديق بالرسل وما جاءوا به، وهذا أمر لابد من معرفته، والذين لم يشترطوه ربما أرادوا به ما يدخل في علم الكلام، إذ لا علاقة له بالاجتهاد، ولكن البارع فيه يكون أقوى على الاجتهاد، لأن العلوم يقوي بعضها بعضًا(79).‏

‏2 ـ العلم بالفروع الفقهية: ذكر بعض الأصوليين شرط العلم بالفروع الفقهية، ولم يذكره آخرون(80) وبالتأمل في هذا الشرط، نجد أن الفروع الفقهية هي ثمرة الاجتهاد، فلا داعي للعلم والإحاطة بها، إلا أن تكون معرفتها من باب الممارسة على الاجتهاد، حتى تحصل بذلك دربة عليه، من خلال فهم اختلافات الفقهاء في المسائل، ودليل كل طرف فيما ذهب إليه ومناقشته للطرف الآخر، فلا شك أن هذا الأمر ينفع طالب الاجتهاد كثيـــــرًا.. ومـــن هنـــا فالذي ذهب إلى اشتراطــــه نظــر إلى فائدتــه، والذي لم يشترطه نظر إلى أن الفروع الفقهيـــة هي ثمـــرة الاجتهــاد فلا داعي لهــا، قـــال الشافعــي رحمــه الله: (ولا يكون لأحـــد أن يقيس حتى يكــون عالمًا بما مضى قبل من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم)(81).‏

‏3 ـ العلم بالدليل العقلي: شرطه جماعـــة منهــم الغــزالي والرازي، ولم يشترطه آخرون، لأن الاجتهاد إنما يدور على الأدلة الشرعية لا على الأدلة العقلية(82).‏

والمراد بالدليل العقلي: ­عند من اشترطه­ هو مستند النفي الأصلي للأحكام، فإن العقل قد دل على نفي الحرج في الأقوال والأفعال، وعلى نفي الأحكام عنها في صور لا نهاية لها. أما ما سنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة، وإن كانت كثيرة فينبغي أن يرجع في كل واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية، ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص أو قياس(83).‏

شروط عضو الاجتهاد الجماعي:‏

بعد أن انتهينا من شرح شروط الاجتهاد، نود التوضيح بأنه لابد أن تتوفر تلك الشروط في عضو الاجتهاد الجماعي، ولكن ينبغي مراعاة الآتي:‏

أولاً : يكتفى من تلك الشروط بالمستوى المخفف ­وقد سبق ذلك عند الحديث عن كل شرط­ وهذا التخفيف يجعل الوصول إلى إمكانية الاجتهاد ميسورًا على طالبه وغير متعذر، لأن تحصيل ذلك المستوى من العلم ممكن، خصوصًا في عصرنا الذي توفرت فيه الوسائل والإمكانات العلمية.. وأيضًا فإن عضو الاجتهاد الجماعي يكتفى فيه بأن يكون مجتهدًا جزئيًا، ولا يشترط فيه بأن يكون مجتهدًا مطلقًا. والمجتهد المطلق هو الذي يكون قادرًا على الاجتهاد في جميع أبواب الفقه ومسائله، أما المجتهد الجزئي فهو الذي يحصل له من العلم ما يجعله قادرًا على الاجتهاد في بعض أبواب العلم دون غيرها(84)، مع كونه حائزًا على الشروط التي ذكرها العلماء للمجتهد، فمثلاً يمكن للاقتصاديين أن يجتهدوا في مسائل تخصصهم، إذا أحاطوا فيه بكل ما ورد فيها من الأدلة.‏

ثانيًا: لا يمكن القبول بالرأي الذي ذهب إلى عدم اشتراط شروط الاجتهاد في أعضاء الاجتهاد الجماعي(85)، وذلك لأن هذا القول يجعل الاجتهاد الجماعي صادرًا ممن ليسوا مؤهلين للاجتهاد، إذ كيف يجتهد وينظر في الأدلة ويستنبط الأحكام من ليس مجتهدًا؟ وكيف يستطيع الوصول إلى الحكم الشرعي مَن فَقَد أدوات الوصول إليه؟ وسيكون نظره فاسدًا واستنباطه باطلاً، وقد أشار الشيخ عبد الوهاب خلاف إلى هذا فقال: (ولا يسوغ الاجتهاد بالرأي لجماعة، إلا إذا توفرت في كل فرد من أفرادها شرائط الاجتهاد ومؤهلاته)(86). ولأن الجماعية في الاجتهاد لا يُقصد بها أن تكون بديلاً عن شروط الاجتهاد في مَن يقوم به، ولكن المقصود بها أن الاجتهاد الصادر عن جماعة من المجتهدين، يكون أكثر قوة من الاجتهاد الصادر عن فرد مجتهد، وذلك باعتبار أن رأي الجماعة أقوى من رأي الفرد.. وأيضًا فإن عدم توفر شروط الاجتهاد في أعضاء الاجتهاد الجماعي، يؤدي إلى أن يضم مجلس الاجتهاد الجماعي مجموعة من غير المجتهدين، وبالتالي لا يمكن أن يُقال عن عملهم أنه اجتهاد فقهي شرعي.‏

وإذا كان من أسباب حاجتنا إلى الاجتهاد الجماعي هو ما يقوم به من التعويض عن المجتهد المطلق، الذي تعذر وجوده في هذا الزمن(87)، فهذا كلام صحيح، ولكنه لابد أن تتوفر في أعضاء الجماعي شروط المجتهد الجزئي كحد أدنى للقيام بالاجتهاد. وأيضًا فإن في المجلس الاجتهادي مجموعة من الأعضاء لا يشترط فيهم توفر شروط الاجتهاد، وإنما ينبغي فيهم أن يكونوا من الخبراء البارعين في تخصصاتهم المساعدة للعلماء المجتهدين، ويكون دورهم التكييف والبيان والتحديد الدقيق للقضايا محل الاجتهاد، ليسهلوا للمجتهدين فهم القضايا بشكل دقيق وسليم، واستنباط الحكم الشرعي المناسب، وليس لهم حق التصويت أو إبداء الرأي في الحكم الشرعي.‏

ثالثًا: بينَّا فيما سبق أنه يكتفى في عضو الاجتهاد الجماعي أن يكون مجتهدًا جزئيًا، ولا يشرط فيه أن يكون مجتهدًا مطلقًا، والقول بجواز الاجتهاد الجزئي هو ما ذهب إليه ورجحه الأكثرون من الأصوليين(88) مستدلين على ذلك بالآتي:‏

‏1 ـ لو لم يتجزأ الاجتهاد، لزم أن يكون المجتهد عالمًا بجميع مسائل التشريع الإسلامي دليلاً وحكمًا، وهذا أمر قد تعذر وجوده في أئمة أعلام، فالإمام مالك رحمه الله، وهو مجتهد بالإجماع، عندما سئل عن أربعين مسألة، قال في ست وثلاثين منها: (لا أدري)، وكم توقف الشافعي بل الصحابة في المسائل(89).‏

‏2 ـ إن العالم إذا اطلع على أدلة المسألة وفقه أحكامها، واطلع على كل ما يتعلق بتلك المسألة، فيكون هو وغيره سواء في تلك المسألة، فلا يجوز أن يعدل عن فهمه وعلمه إلى أن يقلد فهم غيره، لأن تركه لما فهمه باجتهاده وذهابه إلى تقليد غيره، يكون هذا تركًا للعلم واتباعًا للريب، وهـــذا منهي عنـــه بقولــه صلى الله عليه و سلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(90)، وقوله: (استفت قلبك وإن أفتاك المفتون)(91). وهذا الحديث يدل على جواز ترجيح اجتهاده على اجتهاد غيره(92).‏

غير أن بعض العلماء ذهب إلى عدم جواز تجزؤ الاجتهاد، مستدلاً بأنه يحتمل أن يكون كل ما يُقَدَّرُ جهل المجتهد به يجوز تعلقه بالحكم الذي يبحث فيه، ولأن من لا يستطيع الاجتهاد في بعض المسائل لا يستطيع الاجتهاد في بعضها الآخر(93).‏

وأجيب على هذا بأنه يفترض في المجتهد الجزئي حصول العلم بجميع ما يتعلق بتلك المسألة، أما استطاعة الاجتهاد في بعض مسائل العلم دون بعض، فإن ذلك قد وقع لأئمة اتفق على أنهم مجتهدون كما سبق ذكره(94).‏

ويميل الباحث إلى جواز تجزؤ الاجتهاد، وخصوصًا في هذا العصر الذي تعقدت فيه القضايا، وتشعبت فيه المسائل، وصار من الصعب الاجتهاد في كل أبواب الفقه، بينما يمكن الاجتهاد والتخصص في بعض أبواب الفقه، فمثلاً لو أن عالمًا تخصص في أبواب الفقه المتعلقة بالاقتصاد، واستكمل لذلك شروط الاجتهاد، فإن اجتهاده يكون صحيحًا، وكذا يمكن لعالم آخر أن يجتهد في أبواب الفقه المتعلقة بالسياسة الشرعية، وآخر في التشريع الجنائي، يقول الآمدي بعد أن نص على شروط المجتهد: (وذلك كله إنما يشترط في المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع المسائل، وأما الاجتهاد في بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفًا بما يتعلق بالمسائل، وما لابد له فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا يتعلق بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية)(95).‏

ويقول ابن القيم: (الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض، وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد، أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه.. وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به). ثم قال بعد ذلك: (إن حكمه حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع، أي أن حكم الإفتاء في مسألة اجتهد فيها، مثل حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع)(96).‏

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة