ولا ريب في أن مستقبل الإسلام، يصنعه، أهل الذكر والجهاد.. ومن حيث هم أهل ذكر، فإنهم أهل قنوت، وطاعة، واتصال بالله، ولجوء إليه.. فالقنوت ديدنهم.. والوقوف على معالم القنوت، والأحكام المتعلقة به، أمر يحتاجه صناع مستقبل الإسلام، في مواجهة التحديات، التي لا يغنيهم فيها إعداد العدة الحربية، بل لا بد من العدة الإيمانية، والقوة الروحية، والطاقات المعنوية، ولهذا فإنهم يلتزمون القنوت، وخاصة قنوت النوازل، في مواجهة الحرب، والحصار والمقاطعة، والكيد، واستبداد قوى الطغيان والاستكبار.

ومن ثم هذه دراسة في القنوت، تشرح معناه في لغة القرآن الكريم، وتفسر الآيات التي جاء فيها ذكر القنوت، مع بيان مشروعية قنوت النوازل، وضرورته في عصرنا هذا، وتبين آداب القنوت، وأحكامه، ومذاهب الفقهاء في وقته، ومحله، وما يجزىء من القنوت، وألفاظه، وشرح غريبه، وسعة الهدى النبوي في ذلك.

وأهم شيء في القنوت، أن يتحقق من يدعو، بالمعاني الجامعة لكلمة القنوت: من الاشتغال بذكر الله، والخشوع في الصلاة، والقيام، وأن يدعوه سبحانه وتعالى، مقرين له بالعبودية، مخلصين له الدين :(وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) (البينة :5)، وحقاً :(إنما يتقبل الله من المتقين ) (المائدة :279)، ثم إنه:(لن ينال الله لحُومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) (الحج:37)، والمؤمنون يعتمدون في أعمالهم كلها، على عناية الله، ويتوكلون عليه وحده :(قل هو الرحمن ءامنا به وعليه توكلنا ) (الملك :29).

ونحن مندوبون إلى سؤال الله تعالى، ودائه، مفتقرين إليه، منكسرين له، حتى نكون أقرب للإجابة، ونيل المطلوب، كما وجهنا نبينا صلى الله عليه وسلم :(إنما تنصرون، وترزقون بضعفائكم، بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم ) (1).

والله تعالى نسأله أن يجعلنا من عباده القانتين.

دواعي الكتابة عن القنوت:

وهي كثيرة، علمية، وعملية على نحو ما يلي:

1- دواعٍ علمية :لبسط العلم، ونشر سننه، وآدابه، وذلك لما يلي:

(أ) خفاء فقه القنوت.

(ب) تعدد الآراء الفقهية، وتباين مواقف العلماء.

(ج) التنازع حول مسألة القنوت.

(د) غفلة الأمة عن القنوت.

2- دواعٍ عملية :نواجهها في حياتنا، مع واقع المسلمين، اليوم، ومن ذلك:

(أ) الهجمة الشرسة من الكفار على المسلمين، بمختلف الأشكال، والأنواع، والصور.

(ب) ظلم بعض حكام المسلمين، للانفصام الحادث في مواقفهم، وأحكامهم، بين السلطان والقرآن، وبين السيف، والقلم، مع التبعية المخزية للكفار، وموالاة غير المؤمنين.

(ج) غفلة عامة المسلمين، عن هذا الواقع المرير، وإنه لمن النوازل حقاً، عدم اعتبارالمسلمين لذلك، وعدم انتباههم إلى أن ما حل بالمسلمين في مشارق الأرض، ومغاربها، يستدعي قراءة قنوت النوازل.

(د) حالة الضيق والتمزق، الذي قد يصيب بعض من نذر نفسه، أن يكون مصلحاً، فيواجه مكر الليل والنهار، وليس له إلا أن يخلص في دعائه، والتجائه إلى ربه.

(هـ) دعوة المسلمين كافة، للإكثار من القنوت، والتوسع فيه، وعدم التعرض لمن يقنت، لأن الأمر في فقه الدين، واسع.

(و) أهمية القنوت في تزكية النفوس، وإعلاء القيم الروحية، وتوثيق صلة العباد بربهم، والاهتمام بأمر المسلمين، وتنمية العلاقات الأخوية، والاجتماعية.

لأجل هذه الدواعي مجتمعة، كان هذا الفصل، ولنتقرب بذلك كله إلى ربنا جل جلاله، وهو قريب ممن دعاه :(وإذا سألك عبادي عني فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) (البقرة :186). ونشرع في بيان المقصود، والله المستعان:

أولاً : معاني القنوت في اللغة

قنت* القنوت:

يرد القنوت في لسان العرب، على المعاني التالية:

1- الإمساك عن الكلام، والسكوت.

2- الدعاء والتسبيح.

3- الصلاة.

4- الدعاء في الصلاة.

5- الخشوع والإقرار بالعبودية.

6- القيام.

7-إطالة القيام.

8- القيام بالطاعة، التي ليس معها معصية.

فيصرف في كل واحد من هذه المعاني، إلى ما يحتمله اللفظ في سياقه، من آية، أو حديث، أو عبارة.

(أ) قال ابن سيده، فيما نقله عنه ابن منظور، في كتابه :(لسان العرب) :القنوت الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى :(والقانتين والقانتات ) (الأحزاب :35)، ثم سمى القيام في الصلاة قنوتاً، ومنه قنوت الوتر.. والقانت :المطيع.

القانت :الذاكر لله تعالى، كما قال عزوجل :(أمن هو قانت ءاناء الليل ساجداً وقائما ً) (الزمر :9).

وقيل: القانت :العابد.

والقانت في قوله عزوجل :(وكانت من القانتين ) (التحريم :12)، أي من العابدين.

والمشهور في اللغة، أن القنوت الدعاء. وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله، فالداعي إذا كان قائماً، خص بأن يقال له :قانت، لأنه ذاكر لله تعالى، وهو قائم على رجليه.. فحقيقة القنوت :العبادة، والدعاء لله عزوجل، في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة، لأنه إن لم يكن قياماً بالرجلين، فهو قيام بالشئ بالنية.

قال ابن سيده :والقانت القائم بجميع أمر الله تعالى (2).

(ب) وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني، في تفسير معنى القنوت، أنه:

لزوم الطاعة مع الخضوع، وفسر بكل واحد منهما في قوله:

1- (وقُومُوا لله قانتين ) (البقرة :238)، وقوله تعالى :(كل له قانتون ) (البقرة :116)، (الروم :26)، قيل: خاضعون، وقيل: طائعون.

2-وقيل :ساكتون، ولم يعن به كل السكوت، وإنما عنى به ما قاله عليه الصلاة والسلام :(إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح )، وعلى هذا قيل :أي الصلاة أفضل ؟ فقال : (طول القنوت )، أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه. وقال تعالى : (إنّ إبراهيم كان أمةً قانتا ً) (النحل :120)، (وكانت من القانتين ) (التحريم :12)، (أمن هو قنت ءانآء اليل ساجداً وقآئماً ) (الزمر :9)، (اقنتى لربك ) (آل عمران :43)، (ومن يقنت منكن لله ورسوله ) (الأحزاب :31)، (والقانتين والقانتات ) (الأحزاب :35)، (فالصالحات قانتات) (النساء :34) (3).

(ج) وفي زاد المعاد (4) :أن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى :(وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) (الروم :26)، وقال تعالى :(أمن هو قانت ءانآء اليل ساجداً وقآئماً يحذر الأخرة ويرجوا رحمة ربه ) (الزمر :9).

وقال تعالى :(وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) (التحريم :12)، وقال صلى الله عليه وسلم :( أفضل الصلاة طول القنوت ) (5)، وقال زيد بن أرقم: (لما نزل قوله تعالى :(وقوموا لله قانتين ) (البقرة :238)، أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام (6)، وقد نظم الشيخ الحافظ زين الدين العراقي، معاني القنوت، على ما يلي(7):-

ولفظ القنوت أعدُد معانيه تجد مزيداً على عشر معاني مَرْضِيَّة

دعاءُُ، خشوع، والعبادة طاعة إقامتها إقرارُهُ بالعبودية

سكوتُُ، صلاة، والقيام، وطوله كذاك دوام الطاعة الرابح القنية

ثانياً :معاني القنوت في القرآن الكريم

لقد جاء ذكر القنوت، في القرآن الكريم، في ثمان سور، في اثني عشر موضعاً، وثلاثه مواضع منهن مكية، في النحل، والروم، والزمر، وبقيتهن مدنيات، في سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والتحريم، والأحزاب.

تدور معاني القنوت في هذه المواضع، على الطاعة، والاستجابة، والاستكانة، والخضوع، والخشوع، والإقرار بالعبودية، ثم تأتي بمعنى الطاعة عامة، والطاعة لله عزوجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والطاعة في سكون، والطاعة في خشوع، والخشوع في الصلاة، وطول الركوع في الصلاة.

وعليه، فالقانت هو الخاشع، المطيع لله ورسوله، العابد، الراكع، المستكين له، الخاضع لأمره، الخاشع في صلاته، الذي يطيل في صلاته، وركوعه.

والقنوت مرتبة عالية، لأنه يُذْكر بعد الإسلام، والإيمان، ولهذا فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إليها، وهو الإيمان، ثم القنوت ناشيء عنهما.

وهذا بيان تفصيلي، للمواضع التي جاء فيها لفظ القنوت، مع تفسير موجز لمعنى القنوت، في كل موضع، مع تصنيف الآيات موضوعياً:

الكون كله قانت لله:

(وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ) (البقرة :116)، (وله من في السموت والأرض كل له قانتون ) (الروم :26). ومعنى (قانتون) في الموضعين :أي مقرون بالعبودية، مطيعون، خاشعون لله خاضعون.

القنوت صفة الأنبياء:

كما جاء في ذلك في وصف إبراهيم عليه الصلاة والسلام :(إن إبراهيم كان أمة قانتاً ) (النحل: 120)، وقانتاً هنا، تعني: الخاشع، المطيع.

فضل القانتين وأهل القيام والتهجد:

(أمّن هوقانت ءانآء اليل ساجداً وقآئماً يحذر الأخرة ويرجوا رحمة ربه ) (الزمر :9). وكلمة قانت هنا، تعني: الخشوع في الصلاة، والتهجد. (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) (البقرة :238).

الأمر بالقنوت خطاباً لمريم عليها السلام:

(يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين ) (آل عمران :43). والقنوت هنا، بمعنى :طول الركوع في الصلاة، امتثالاً لأمر الله تعالى. وفي خطاب القرآن لأمهات المؤمنين رضوان الله عليهن: (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتهآ أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقاً كريماً ) (الأحزاب :31).

أي :تطع الله، ورسوله، وتستجيب.

ثم جاء في ذكر القنوت، على أنه صفة ملازمة، للمؤمنين، والمؤمنات: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ) (الأحزاب :35). أي :المطعين، والمطيعات، في سكون. (الصابرين والصادقين والقانتين ) (آل عمران :17)، أي: الطائعين ، الخاضعين. (فالصالحت قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله )(النساء :34)، أي :مطيعات لأزواجهن. (مسلمات مؤمناتٍ قانتت ٍ) (التحريم :5)، مطيعات.

(وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) (التحريم :12)، أي :من المطيعات.

ثالثاً: المعنى الاصطلاحي للقنوت

وقد ذهب ابن حجر العسقلاني إلى أن (القنوت يطلق على معان، والمراد به هنا الدعاء في الصلاة، في محل مخصوص من القيام) (8).

ومع أن المراد بالقنوت هنا، هو الدعاء في الصلاة، فإن هذا المعنى، يجمع المعاني الأخرى المرادة من القنوت، لأنه دعاء، في قيام، في صلاة، لا كلام فيها، إلا ذكر الله، في طاعة لله، وعبادة خالصة، خاشعة، وإقرار بالعبودية.

رابعاً :مشروعية القنوت، وخاصة قنوت النوازل، وضرورته في عصرنا هذا

والقنوت سنة نبوية، وخاصة عند النوازل الكثيرة، التي تحل بالأمة المسلمة، وهي تواجه الحرب، والحصار، والمقاطعة، والكيد، واستبداد قوى الطغيان، والاستكبار، من أعداء الله الظاهرين، والمستترين، ولا بد من بيان المقصود من النوازل، التي يشرع عندها القنوت.

النوازل في حياة المسلمين:

ومن يتأمل اليوم في حال المسلمين، ويهتم بأمرهم، ويتابع أخبارهم، ويسعى مع العاملين لإقامة الدين، يجد من النوازل ما يدعو المسلمين لدعاء القنوت، وهذا بيان ذلك:

(أ) حال المسلمين:

1- أغلبية، مغلوبة وأكثريات مقهورة.. وأقليات مهضومة.

2- العرب والمسلمون، مختلفون فيما بينهم، وبعضهم تبع للأجنبي، تماماً كما كان الغساسنة والمناذرة.. أو كما كان في اليرموك، يقاتل الروم المسلمين، بعدد مساوٍ لهم من العرب تبعاً..

3- بيت المقدس في أيدي اليهود، وأهل فلسطين مشردون، حرموا الأمن، حتى إنهم لُيقَتَّلون في مساجدهم.

4- المسلمون مستضعفون حيثما كانوا.. وقد اجتمعت كلمة الكفر على حربهم، واستلاب خيراتهم، وتداعت عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، مخافة أن تعود دولة الإسلام، وتنتشر دعوته في العالمين، وتسود حضارته، وتزدهر على ضفاف النيل، والرافدين، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض، والبحر الأسود، والقرن الأفريقي، وقلب أفريقيا، فضلاً عن أوروبا، وأمريكا.

والمسلمون في البوسنة والهرسك، أُستبيحت نساؤهم، وشرد أطفالهم، وقتلوا تقتيلاً، على مرأى ومسمع من دول العالم. بل تآمرت دول الغرب، المدعين المسيحية، حتى تتم تصفيتهم، جسدياً وعرقياً، واستولى أعداء من الصرب والكروات، على معظم أراضيهم، ومنعهم مجلس الأمن الدولي، بقرار ظالم، من التسلح، ثم مُنع المسلمون من مساعدتهم، وأتيحت الفرصة لأعداهم الصرب والكروات، للقضاء عليهم نهائياً، حتى لا تقوم للإسلام قائمة في قلب أوروبا :(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواهم والله متم نوره ولو كره الكافرون ) (الصف :8).

ثم كانت كارثة الشيشان، التي مكر فيها أعداء الله الروس بالمسلمين الشيشان، وسكت الغرب، وتآمرت جمعياته، المنسوبة للعفو، وحقوق الإنسان، وتواطأوا جميعاً، ومكروا مكراً كباراً، في محاولة منهم لتدمير تلك القوة الإسلامية، فأخلوا الطريق للروس، ليقوموا بتنفيذ خططهم في تدمير المباني والمعاني، وليس بالمسلمين اليوم، حيلة لنصرة إخوانهم، بل قد حيل بينهم وبين إخوانهم، بشتى العوائق، ومكر الليل والنهار. وما للمسلمين والحالة هذه، إلا أن يضرعوا إلى الله، قانتين في صلواتهم، ومناجاتهم لربهم، أسوة بنبينا صلى الله عليه وسلم.

والقنوت سبيلنا، لنصرة إخواننا المستضعفين، نصرهم الله، وأعلى لواءهم، وقهر أعداءهم.

5- المسلمون ممنوعون عن إقامة دينهم، والقيام بمقتضيات توحيد الله، والاتساق مع أنفسهم، في إقامة شعائر الله، وشرائعه:

(أ) في النظم التربوية، والتعليمية، والثقافية، والإعلامية، تبعاً وتقليداً للغرب، وتراثه الوثني، والمادي.

(ب) وشرع الله معطل، في المعاملات المالية.. فالربا المحرم، تقوم عليه مؤسسات، والغش، والغرر، والبيوع الفاسدة، تسود المعاملات المعاصرة.

(ج) والقوانين الجنائية، مستمدة من القوانين الوضعية، ذوات الأصول المادية، والمجوسية، والوثنية.

(د) وحدود الله معطلة.. ورغم مطالب المسلمين، فإن مؤسساتهم التشريعية مقهورة، بالعلمانية، والتدخلات الخارجية، حتى لا يتميز المسلمون في قوانينهم.

وليشوهوا صورة النظام الإسلامي، ويشوشوا عليه، يفترون على الله الكذب، ويقولون على الله مالا يعلمون، ويصفون الشريعة العادلة بما هي منه براء.

(ب) أهل الكفر مع المسلمين:

1- الكفار في تطاول، واستكبار، واستبداد، على خلق الله، واستضعاف، واستصغار، واستذلال للمسلمين..

2- جيوش الكفار، تعيث في الأرض الفساد..

3- وصنائعهم، وجيوبهم، مؤتمرة، تحارب بالسلاح جنود الرحمن..

4- ومن خلع رقبة الكفر عن عنقه، وطرح قوانينه، ونظمه، وعاد إلى الله، متوكلاً عليه، دارت عليه دوائر البغي، ومكروا عليه مكراً كباراً، وزوروا عليه، وافتروا الكذب، مستخدمين سيطرتهم على المؤسسات الدولية، والسياسية، والأمنية، والمالية، ومتخذين ستائر الرحمة، والإغاثة، والعدل، وحقوق الإنسان، لفرض الحصار الظالم، والمقاطعة الجائرة.

إن الظلم ظلمات يوم القيامة، وعلى المفترين الظلمة، خزي، وندامة.. ودعوة المظلوم، ليس بينها وبين الله حجاب.

وعلى دعاة الحق، أن يوجهوا عداءهم، وبغضهم، إلى هؤلاء الأعداء، ثم إن على الدعاة إلى الله، أن يكونوا مخلصين لله، في القنوت، والدعاء، أن يتولاهم بالتأييد، والتمكين لدينه، وينصرهم على عدوهم.

خامساً :أحكام القنوت

1- مشروعية القنوت:

القنوت، سنة مشروعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة الصبح، مستحب، بينما ذهب الشافعي إلى أنه سنة (9)، وقد أثبت الإمام البخاري، سنية القنوت، ومشروعيته في الصلاة، حين بَوَّب له في كتاب الوتر، من صحيحه، قال :(باب القنوت، قبل الركوع وبعده)، وقد علق على ذلك صاحب :(فتح الباري في شرح صحيح الإمام البخاري)، فقال :(أثبت بهذه الترجمة- أي عنوان الباب- مشروعية القنوت، إشارة إلى الرد على من روي عنه أنه بدعة، كابن عمر.. وفي الموطأ عنه، أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات، ووجه الرد عليه، ثبوته من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرتفع عن درجة المباح) (10).

2- وقت القنوت:

(أ) صلا الصبح، وهو مذهب مالك، والشافعي (11) للحديث الصحيح فيه، عن أنس رضي الله عنه :(أن النبي صلى الله عليه سلم، قنت شهراً يدعو عليهم، ثم ترك، فأما في الصبح، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)، وهو حديث صحيح، رواه جماعة من الحفاظ، وصححوه (12).

وقد احتج الشافعي على أن الصلاة الوسطى، الصبح، من حيث قرانها بالقنوت، في قوله تعالى :(حفظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) (البقرة :238).

(ب) وذهب أبو حنيفة، وأحمد، إلى أن وقت القنوت، هو الوتر، في جميع السنة (13)، وقد نسب ابن قدامة هذا القول، لابن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأنه رواية عن الحسن (14) ..وفي رواية عن أحمد، أن وقته الوتر، في النصف الأخير من رمضان، وقاله ابن قدامه. وعن أحمد في رواية أخرى، أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وروي ذلك عن علي، وأبي، وبه قال ابن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، والزهري، ويحيى بن ثابت، ومالك، والشافعي، واختاره أبوبكر الأثرم، لما روي عن الحسن :(أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ركعة، ولا يقنت إلى في النصف الثاني) (15).

وعن ابن عمر :(أنه لا يقنت، إلا في النصف الأخير من رمضان). وعنه :لا يقنت في صلاة بحال (16).

3- مذاهب العلماء في القنوت في الصلوات الخمس:

(أ) في الصلوات الخمس، إن نزل بالمسلمين نازلة (وهو قول للشافعي) (17).

(ب) في الصلوات الخمس مطلقاً، كما قال قوم (18).

(ج) عدم القنوت مطلقاً، في غير صلاة الصبح (19).

والصحيح الذي قام عليه الدليل، من هدي النبوة، مشروعية قنوت النوازل، في الصلوات الخمس، ويكون الدعاء فيها جهراً، بعد الرفع من الركوع (20).

ويدل على القنوت، عند النوازل، في الصلوات الفرائض كلها، حديث ابن عباس، قال :(قنت الرسول صلى الله عليه وسلم، شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال :سمع الله لمن حمده، من الركعة الأخيرة : يدعو عليهم، على حي من بني سُلَيْم، وعلى رِعْلٍ، وذكوان، وعُصيَّة، ويُؤَمن من خلفه) (21).

4- القنوت في شهر رمضان:

(أ) يستحب القنوت، في النصف الأخير من شهر رمضان، وقيل في النصف الأول منه، في الركعة الأخيرة من الوتر (22)، وهو مذهب الشافعية.

(ب) أو في جميع رمضان، على قولٍ للشافعية.. ونسبه الإمام النووي، إلى الإمام مالك (23).

5- محل القنوت في صلاة الصبح:

(أ) قبل الركوع، في الركعة الأخيرة، وهذا مذهب مالك، وقد ذكر الشيخ أبو الحسن، صاحب :كفاية الطالب الرباني، شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، أن ظاهر كلام ابن أبى زيد القيرواني- أن القنوت- بعد الركوع أفضل، ونسب هذا القول إلى حبيب، وأن المشهور أن القنوت، قبل الركوع أفضل، لكونه أصح، وأضاف الشيخ علي الصعيدي، صاحب حاشية العدوي، أنه مع كونه أصح قبل الركوع، فلما فيه من الرفق بالمسبوق، ولأنه الذي استقر عليه عمر رضي الله عنه، بحضور الصحابة (24).

وروى محمد بن نصر، من طريق أخرى، عن حميد، عن أنس :(أول من فعل القنوت، قبل الركوع، أي دائماً، عثمان، لكي يدرك الناس الركعة).. وفي صحيح البخاري بلفظ :(سأل رجل أنساً، عن القنوت، بعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة؟ قال :لا، بل عند الفراغ من القراءة (25).

(ب) بعد الرفع من الركوع، وهو مذهب الشافعي (26).

وتحقيق المقال، في هذا الموضع، أن الأمر، واسع في كل القنوت، قبل الركوع، أم بعده، ويدل على ذلك، حديث ابن ماجه، عن أنس أنه سئل عن القنوت، فقال :(قبل الركوع، وبعده) (27) .. وقال ابن حجر العسقلاني :(إسناده قوي)- ومجموع ما جاء عن أنس بن مالك، في ذلك، يدل على أن القنوت، للحاجة، بعد الركوع، لا خلاف فيه عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة، فالصحيح، أنه قبل الركوع. وقد اختلف عمل الصحابة، في ذلك، والظاهر، أنه من الاختلاف المباح (28).

6- محل القنوت في الوتر:

في موضع القنوت في الوتر، أوجه:

(أ) أنه قبل الركوع، أي بعد القراءة، وقبل التكبير.

(ب) الصحيح المشهور، أنه بعد الركوع، ونص عليه الإمام الشافعي.

(ج) يتخير بينهما (29).

وذهب بعض الفقهاء، إلى أنه لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قنت في الوتر، إلا في حديث ابن ماجه، عن أُبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه سلم، كان يوتر، ويقنت قبل الركوع (30).

7- محل القنوت في النوازل:

بعد الرفع من الركوع جهراً (31).

وفي بيان الحكمة، من جعل القنوت في النوازل، بعد الرفع من الركوع جهراً، يقول ابن حجر العسقلاني:

وظهر لي، أن الحكمة في جعل قنوت النازلة، في الاعتدال، دون السجود، مع أن السجود مظنة الإجابة، كما ثبت :(أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد)، وثبوت الأمر بالدعاء فيه :أن المطلوب من قنوت النازلة، أن يشارك المأموم الإمام، في الدعاء، ولو بالتأمين، ومن ثم، اتفقوا على أنه يجهر به، خلاف القنوت، في الصبح، فاختلف في محله، وفي الجهر به (32).

سادساً :ألفاظ القنوت

اختلف الأئمة فيما يقنت به:

(أ) فاستحب مالك القنوت بـ : (اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونستهديك، ونتوب إليك، ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي، ونسجد، وإليك نسعى، ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخاف عذابك، إن عذابك الجد بالكافرين ملحق).

(ب) وقال الشافعي، وإسحق، بل يقنت بـ : (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، تباركت ربنا، وتعاليت) (33)، وهذا يرويه الحسن بن علي، من طرق ثابتة، أن النبي عليه الصلاة والسلام، علمه هذا الدعاء، يقنت به في الصلاة (34).

(ج) قال النووي :فالاختيار، أن يقول فيه ما رويناه، في الحديث الصحيح :(اللهم إهدنا فيمن هديت...) قال أصحابنا :وإن قنت بما جاء، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان حسناً، وهو أنه قنت في الصبح، بعد الركوع، فقال :(اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك...) (35).

(د) وقال قوم :ليس في القنوت شيء، موقوت، لأنه دعاء، وأهم ما يراعى فيه، الإخلاص في الدعاء (36).

حكم الجمع بين أدعية القنوت:

ويجوز الجمع بين هذه الأدعية، الواردة في القنوت، وغيرها، مع اختيار جوامع الدعاء، والإخلاص، ومراعاة الاعتدال في الدعاء، ومناسبته، للمقام، وحال المصلين.

وقال النووي :ويجوز، بل يستحب، مع النشاط، الجمع بين أدعية القنوت (37).

ما يجزئ من القنوت:

والدعاء في القنوت، واسع، غير مقيد بنص معين، من أدعية القنوت الواردة، بل كل دعاء من أدعية القرآن، أو السنة، أو مطلق الدعاء، وافٍ بالمطلوب.

من أدعية القنوت:

وقد تعددت صيغ القنوت، في السنة النبوية، ومن ذلك:

1- الدعاء الأول:

(اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، وتباركت ربنا وتعاليت)، رواه الترمذي، وقال :حديث حسن.. ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، في القنوت شيئاً، أحسن من هذا.

وفي رواية ذكرها البيهقي، أن محمد بن الحنفية- وهو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه- قال :إن هذا الدعاء الذي كان أبي يدعو به، في صلاة الفجر، في قنوته.

قال النووي(38) :ويستحب أن يقول، عقب هذا الدعاء :(اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم).. فقد جاءت رواية النسائي، في هذا الحديث، بإسناد حسن: (وصلى الله على النبي) (39).

2- الدعاء الثاني:

(اللهم، إنا نستعينك، ونستغفرك، ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخلع، ونترك من يفجرك، اللهم، إياك نعبد، ولك نصلي، ونسجد، وإليك نسعى، ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم، عذّب الكفرة (40)، الذي يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك. اللهم، اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان، والحكمة، وثبتهم على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك، الذي عاهدتم عليه، وانصرهم على عدوك، وعدوهم، إله الحق، واجعلنا منهم (41).

3- الدعاء الثالث :دعاء قنوت النوازل.

وهذا أنموذج لما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم، في قنوت النوازل، يدعو فيها على أعدائه الذين يصدون عن سبيل الله، ويقاتلون أولياءه، أو يدعو للمستضعفين من المؤمنين، مع الدعاء على الكفار:

1- عن ابن عمر، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الآخرة من الفجر، يقول :(اللهم، العن فلاناً وفلاناً، بعدما يقول : سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) فأنزل الله تعالى :(ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) إلى قوله تعالى :(فإنهم ظلمون ) (آل عمران :128) (42). وفي الحديث، دليل مشروعية الجهر بالقنوت.

2- عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال، إذا قال :سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد (اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف)، قال يجهر بذلك ويقول في صلاة الفجر :(اللهم العن فلاناً وفلاناً)، حيين من أحياء العرب، حتى أنزل الله تعالى :(ليس لك من الأمر شيء ) (آل عمران :128) (43).

وفيه نص الراوي على أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد جهر. ودلالة ذلك واضحة، في أنه لا يجوز أن يكون القنوت سباباً، أو لعناً، وخاصة إذا كان مع المخالفين في الرأي، من أهل القبلة. ولاشك، أن ذلك هدي كتاب ربنا تعالى، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

4- الدعاء الرابع :نموذج من جوامع الدعاء، في قنوت النوازل، ليختار منها، ما يوافق الحال، والنشاط.

* اللهم، إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

* اللهم إنك عفو، تحب العفو، فاعف عنا.

* اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال.

* اللهم اجعل عملنا كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.

* اللهم ارزقنا الإخلاص في العمل، والتوفيق لما ترضى، والقبول عندك.

* اللهم إنك عفو كريم، تحب العفو، فاعف عنا.

* اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

* اللهم العن الكفرة، الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، ويقاتلون أولياءك.

* اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك، الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

* ونج اللهم المستضعفين من المسلمين، وانصر المجاهدين، في مشارق الأرض ومغاربها.

* اللهم احفظنا، وانصرنا، ودعوتنا وأمتنا.. ومكن دينك الذي ارتضيت، وأيد اللهم جنودنا، وثبت أقدامهم، وسدد رميتهم، واشرح صدورهم، وأذهب غيظ قلوبهم، وانصرهم نصرك المؤزر المبين، على عدوك وعدوهم، واكفنا شر أعدائنا، من الساعين بالفتنة، والباغين للبرآء العيب، والمحادين الله، ورسوله، والمؤمنين.

* اللهم اكفنا شرهم بما شئت، وكيفما شئت، إنك على ما تشاء قدير.

* اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم.

* اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وارفع عنا الغلاء، والوباء، وما لا يكشفه عنا غيرك.

* اللهم بارك لنا في زرعنا، وضرعنا، وأرضنا، واجعل سائر بلادنا سخاءً، رخاءً، وأماناً، وسلاماً، وارحم أمة محمد صلى الله عليه وسلم عامة، وارحم أمتنا رحمة من لدنك خاصة، وقها شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واهد اللهم ولاة أمورنا إلى ما فيه خير العباد والبلاد، واهدهم إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وأعنهم في دينهم، ودنياهم، وآخرتهم، وقهم شر من حولهم، وارزقهم بطانة الخير، التي تأمرهم بالمعروف، وتحضهم عليه، وجنبهم بطانة السوء، وانشر اللهم في بلادنا لواء العدل والإحسان، وألف بين قلوب عبادك يا كريم.

سابعاً :آداب وأحكام

1- صيغة دعاء القنوت:

(أ) يستحب أن يدعو الإمام بصيغة الجماعة.

(ب) ويكره أن يخص نفسه بالدعاء، لما في سنن أبي داود، والترمذي، عن ثوبان رضي الله عنه، قال :قال رسول الله صلى اله عليه وسلم :(لا يؤم عبد قوماً، فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم ) (44).

2- رفع اليدين في دعاء القنوت:

يستجيب رفع اليدين في دعاء القنوت (45)، لما صح عن أنس، رضي الله عنه، في قصة القرَّاء، الذين قُتلوا رضي الله تعالى عنهم، قال :(لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما صلى الغداة يرفع يديه، يدعو عليهم، يعني على الذين قتلوهم)، قال البيهقي :ولأن عدداً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، رفعوا أيديهم في القنوت. ثم روي عن أبي رافع، قال :(صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقنت بعد الركوع، ورفع يديه، وجهر بالدعاء).

وفي مسح الوجه باليدين، قولان، ونسب النووي إلى البيهقي، أن الصحيح عدم المسح، لأنه لم يحفظ فيه شيء عن أحد من السلف، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، ، فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت فيه خبر، ولا أثر، ولا قياس (46).

3- تأمين المأمومين:

ويستحب للمأموم أن يؤمن على الدعاء، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال :(قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يؤمن من خلفه)، ويستحب له أن يشاركه في الثناء، لأنه لا يصح التأمين على ذلك، فكانت المشاركة أولى (47).

4- القنوت بين الإجهار والإسرار:

(أ) قال الشافعية :إن كان المصلي منفرداً، أسر به، وهكذا، إن كان مأموماً، ولم يجهر الإمام، قنت المأموم سراً، كسائر الدعوات، فإنه يوافق فيها الإمام سراً.

(ب) وإن كان إماماً، جهر، على المذهب الصحيح المختار، الذي ذهب إليه الأكثرون.

(ج) وقيل :يسر، كسائر الدعوات في الصلاة.

(د) إن جهر صلاة الإمام بالقنوت، فإن كان المأموم يسمعه، أمن على دعائه، وشاركه في الثناء في آخره، وإن كان لا يسمعه قنت سراً.

(هـ) في غير صلاة الصبح، إذا قنت، فالمغرب، والعشاء كالصبح.

(و) والجهر بالقنوت في جميع الصلوات، مسنود بسنة صحيحة، ففي صحيح البخاري في باب تفسير قول الله تعالى : (ليس لك من الأمر شئ ) (آل عمران :128)، عن أبي هريرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم، جهر بالقنوت في قنوت النازلة).

5- القنوت بين الترك والاستمرار:

ولا يعني ما ورد من تركه صلى الله عليه وسلم للقنوت، أكثر من ترك الدعاء، واللعن على الكفار، في قنوت النوازل، بعد، ما نزل قوله تعالى :(ليس لك من الأمر شئ ).

ويدل على ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه سلم، مما أخرجه الإمام البخاري عن أبي هريرة، أن رسول صلى الله عليه سلم، قنت في صلاة العتمة شهراً يقول في قنوته:

(اللهم انج الوليد بن الوليد)

(اللهم انج سلمة بن هشام)

(اللهم انج عياش بن ربيعة)

(اللهم انج المستضعفين من المؤمنين)

(اللهم اشدد وطأتك على مضر)

(اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف).

قال أبو هريرة :وأصبح ذات يوم، فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له، فقال :(أو ما تراهم قد قدموا) (48).

يقول الإمام النووي، في تأييد هذا المذهب :أما الجواب عن حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما، في قوله :(ثم تركه)، فالمراد ترك الدعاء على أولئك الكفار، ولعنتهم فقط، لا ترك جميع القنوت، أو ترك القنوت في غير الصبح.. وهذا التأويل متعين، لأن حديث أنس، في قوله :(لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا)، صحيح صريح، يجب الجمع بينهما. هذا الذي ذكرناه متعين للجمع، وقد روى البيهقي، بإسناده، عن عبدالرحمن بن مهدي الإمام، أنه قال :إنما ترك اللعن، ويوضح هذا التأويل، رواية أبي هريرة السابقة، وهي قوله:( ثم ترك الدعاء لهم).

والجواب عن حديث سعد بن طارق، أن رواية الذين أثبتوا القنوت، روي عنهم زيادة علم، وهم أكثر، فوجب، تقديمهم... (49).

6- رأي المنكرين استمرار القنوت، والتزامه في صلاة الصبح:

والمنكرون للقنوت في صلاة الصبح، على سبيل الالتزام المستمر، يذكرون أنه كان قنوت النوازل، أو يؤولونه بمعنى من معاني القنوت، وهو هنا، طول القيام بعد الركوع، ولم يكن طول القيام، مجرد سكوت، بل كان فيه الدعاء والثناء. والمراد بالدعاء هنا، مطلق الدعاء،لا دعاء القنوت المحفوظ. بل كان فيه الثناء على الله تعالى، وتمجيده والدعاء.. وقد انتصر لهذا الرأي، ابن قيم الجوزية، وتبعه الشوكاني، فأيده في عدم الاستمرار في قنوت الصبح، وأنه مختص بالنوازل في الصلوات كلها، دون تخصيص (50).

7- الإنصاف والاعتدال في التزام القنوت في صلاة الصبح:

ومع أن ابن القيم قد وقف مع المنكرين استمرار القنوت، والتزامه في صلاة الصبح، لكنه وقف موقف الاعتدال، والإنصاف، من مخالفيه في الرأي، حين لخص الهدي النبوي في القنوت فقال: (51)

والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف، أنه صلى الله عليه وسلم، جهر، وأسر، وقنت، وترك، وكان إسراره أكثر من جهره. وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل، للدعاء لقوم، والدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاءوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في صحيحه عن أنس (52).

ثم خلص في بيان الهدي النبوي في القنوت، حيث قال: وكان هديه، القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها، لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السحر وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاة المشهودة، التي شهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار (53).

8- سعة الهدي النبوي في القنوت، فعلاً وتركاً:

الأمر في القنوت، واسع أيضاً، التزاماً له في صلاة الفجر، أو الوتر، أو عند النوازل، كما سبق بيان ذلك في الأدلة، مع عرضنا لأقوال الفقهاء، والمجتهدين، وقد أحسن صاحب (زاد المعاد في هدي خير العباد)، حيث مدح الفقهاء من أهل الحديث، بأنهم أسعد بالهدي النبوي، من حيث أنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه.

ويقولون :فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا فلا ينكرون على من دوام عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة، كما لا ينكرون على ما أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعه، ولا تاركه مخالفاً للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن (54).

ولعل هذا التسامح، هو الأقرب لسنة من وصفه ربه بالرأفة، والرحمة، في قوله تعالى :(لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) (التوبة :128)، من نجاه ربه، من أن يكون فظاً غليظ القلب، حاشاه، بل كان خلقه القرآن، يعفو، ويصفح، ويستغفر لأمته، ويشاورهم في الأمر، فإذا عزم على إمضائه، فإنه يتوكل على الله تعالى، قال تعالى :(ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) (آل عمران :159).

الخلاصة

* وهي إيجاز ما انتهت إليه هذه الدراسة، في القنوت، وأحكامه، وآدابه، وهو اختيارنا، ولا بد من الرجوع لما فصلته من أحكام قنوت النوازل، وخاصة ذكر دواعيه، في حياتنا المعاصرة اليوم، في وجه التحديات القائمة، والأخطار.. وإنه لمن النوازل حقاً، عدم اعتبار المسلمين لذلك، وعدم انتباههم، ومعرفتهم إلى أن ما حل بالمسلمين في مشارق الأرض، ومغاربها، يستدعي قراءة النوازل كما في فصل هذا الفصل.

* تدور معاني القنوت، على الطاعة، والاستجابة، والاستكانة، والخضوع، والخشوع، والإقرار بالعبودية، ثم تأتي بمعنى الطاعة عامة، والطاعة لله عزوجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والطاعة في سكون، والطاعة في خشوع، والخشوع في الصلاة، وطول الركوع في الصلاة.. وعليه، فالقانت هو الخاشع في صلاته، الذي يطيل في صلاته، وركوعه.

* والقنوت، سنة مشروعة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة الصبح مستحب، فيما ذهب الشافعي إلى أنه سنة. وقد أثبت الإمام البخاري سنية القنوت، ومشروعيه في الصلاة، حين بوب له في كتاب الوتر، من صحيحه، قال :(باب القنوت قبل الركوع، وبعده)، وقد علق على ذلك صاحب (فتح الباري) فقال :أثبت بهذه الترجمة- أي عنوان الباب- مشروعية القنوت، إشارة إلى الرد على من روي عنه، أنه بدعة كابن عمر.

* وقت القنوت:

في صلاة الصبح، وهو مذهب مالك، والشافعي، للحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه :(أن النبي صلى الله عليه وسلم، قنت شهراً، يدعو عليهم، ثم ترك، فأما في الصبح، فلم يزل يقنت، حتى فارق الدنيا).

وذهب أبو حنيفة، وأحمد، إلى أن وقت القنوت، هو الوتر في جميع السنة..وفي رواية عن أحمد، أن وقته الوتر، في النصف الأخير من رمضان.. والصحيح الذي قام عليه الدليل من هدى النبوة، مشروعية قنوت النوازل، في الصلوات الخمس، ويكون الدعاء فيه جهراً، بعد الرفع من الركوع.

* محل القنوت في صلاة الصبح:

قبل الركوع، في الركعة الأخيرة، وهذا مذهب مالك.. قال الشيخ على الصعيدي، صاحب حاشية العدوي :إنه مع كونه أصح قبل الركوع، لما فيه من الرفق بالمسبوق، لأنه الذي استقر عليه عمر رضي الله عنه، بحضور الصحابة، وماجاء عن أنس في ذلك، يدل على أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف فيه عنه، وأما لغير الحاجة، فالصحيح أنه قبل الركوع، وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح.

* محل القنوت في النوازل:

بعد الرفع من الركوع، جهراً، وفي بيان الحكمة من جعل القنوت في النوازل بعد الرفع من الركوع جهراً، يقول ابن حجر العسقلاني :(وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة، في الاعتدال، دون السجود، مع أن السجود مظنة الإجابة، كما ثبت (اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وثبوت الأمر بالدعاء فيه، أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام، ولو بالتأمين، ومن ثم اتفقوا على أن يجهر به، بخلاف القنوت في الصبح، فاختلف في محله، وفي الجهر به.

* يجوز الجمع بين الأدعية الواردة في القنوت، وغيرها، مع اختيار جوامع الدعاء، والإخلاص، ومراعاة الاعتدال في الدعاء، ومناسبته للقيام، وحال المصلين.

* يستحب رفع اليدين، في دعاء القنوت، ويستحب للمأموم أن يؤمن على الدعاء، لما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال :(قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يؤمن من خلفه).

* لا يعني ما ورد من تركه صلى الله عليه وسلم للقنوت، أكثر من أنه ترك الدعاء على الكفار، ولعنهم في قنوت النوازل، لنزول قوله تعالى :(ليس لك من الأمر شئ )، كما نجد ذلك في نص الحديث.

* الإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف، أنه صلى الله عليه وسلم، جهر، وأسر، وترك، وقنت، وكان إسراره أكثر من جهره.

* الأمر في القنوت، واسع، التزاماً له في صلاة الفجر، أو الوتر، أو عند النوازل، كما سبق ذلك مع الأدلة، وبيان آراء الفقهاء.

نسأل الله تعالى أن يتقبلنا وقراء هذا الفصل، والمسلمين كافة، وأن يوفقنا أجمعين لما يحب، ويرضى، وأن يجعلنا من عباد الله المخلصين، القانتين، الخاشعين، المطيعين، العابدين، الراكعين، الساجدين، المسبحين، المفتقرين إليه جل جلاله، والمفوضين أمرنا كله إليه تعالى، كما نسأله تعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يزيدنا علماً. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

وصلى الله تبارك وتعالى، وسلم تسليماً كثيراً، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة