مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

يُراد بتحليل النظم القيام بدراسة معرفية نقدية شاملة لنظام تعليمي معين، في محاولة لتحديد مرجعيته وفلسفته، ومدى كفاءته وقدرته على تحقيق أهدافه، ومدى ملاءمته للواقع الذي يطبَّق فيه، قصد التوصل من خلال ذلك إلى تقديم جملة من التعديلات والاقتراحات، التي من شأنها الرقي بالنظام.

ولئن كنَّا قد زعمنا من قبل بأن النظم التعليمية التي تسود معظم دول القارة -شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا- نظم وافدة وغريبة، سواء من حيث مرجعيتها أو أهدافها أو علاقتها بالبيئة والظروف، فإنه حقيق علينا أن ندعم هذا الزعم بالبراهين والأدلة العلمية المقنعة، بعيدًا عن الحماسة والتحامل قدر الإمكان.

مفهوم النظام التعليمي الوافد:

إن النظام التعليمي الوافد -في ضوء ما أسلفناه- عبارة عن النظام التعليمي الذي يصدر عن مرجعية وافدة، غريبة عن الواقع الذي يطبَّق فيه، ويستهدف تحقيق أهداف هلاميَّة غامضة، ولا يتلاءم في واقع أمره مع ضروريات المجتمع وحاجاته الأساس.. فهذا النظام ذو سمات عديدة، من أهمها:

أ ـ الانبثاق عن مرجعية غريبة عن بيئة المتعلم وظروفه، فالنظام التعليمي الوافد نظام متسم بالتستر المتعمد على مرجعيته، وبتجاهل مقصود لدور القيم في توجيه العملية التعليمية.

ب ـ استهدافه تحقيق أهداف خارجية مبيتة غير معلنة، ولكنها مغلَّفة بغلاف مضلّل للمتعلم في أكثر الأحوال، فهو نظام غير محدد الأهداف -للمتعلم- تحديدًا كافيًا، ويغلب على الأهداف المعلنة الضبابية والتعميمات، وذلك لأنه وجد لكي يحقق أهدافًا استغلالية.

ج ـ تجاهله التام تركيبة بيئة المتعلم الاجتماعية والنفسية والجغرافية والاقتصادية، فهو متسم بإسقاطه مشاكل غريبة على البيئة، وبالإلحاح على المتعلم لتقمص مشاكل لا يعايشها، وذلك لأنه نظام غير نابع عن احتياجات البيئة، وغير ملائم للإمكانات والقدرات.

وعلى العموم، فإن وضوح مرجعية نظام تعليمي، وجلاء أهدافه، ومواكبته ظروف المتعلم، وتلبيته ضرورياته وحاجاته الأساس، أمارات ساطعة على نجاح ذلك النظام، ومدعاة إلى استمراريته ودوامه، إضافة إلى كون ذلك كله عاملاً قويًّا في مقدرته على تحقيق التقدم والتطور، وعلى الإسهام في حل المشاكل والأزمات. وبالمقابل فإن غموض مرجعية نظام تعليمي، وضبابية أهدافه، وتجاهله ظروف المتعلم، وحاجاته الضرورية والأساس هي الأخرى مدعاة إلى ضرورة مراجعته جذرىًا، وإلى ضرورة معالجة أدوائه، وذلك لأنه يعتبر كوابح ومعيقات لكل تقدم وتطور.

إن جل النظم التعليمية السائدة في القارة، تتسم بغرابة مرجعيتها، وضبابية أهدافها، وتغافلها عن ضروريات البيئة وظروفها العويصة. وأما غرابة المرجعية، فتتمثل في انبثاقها عن الفكرة العلمانية في بعض الدول، وعن الفكرة المادية في دول أخرى، وكلتا الفكرتين -كما سنرى- غريبة على القارة من حيث النشأة، ومن حيث الواقع، وخاصة في تلك الدول التي تقطنها أغلبيات مسلمة.

وأما ضبابية أهداف تلك النظم، فتتمثل في كون المعلن منها متعارضًا في صميمه مع غير المعلن، إذ بينما تتوافر تلك النظم على القول: بأنها تهدف إلى إيجاد مواطن صالح يدافع عن بلده بدمه وماله، غير أن الواقع المشاهد أن تلك النظم باعتبارها مصانع فقد أنتجت للقارة زمرة من المتعلمين لا يهمهم -في أكثر الأحيان- مــــن شأن القارة سوى مصالحهــم الشخصيـة، ومنافعهم الذاتية، ولا يضرهم في شيء أن ترزح القارة تحت نير التخلف والتأخر مادامت مصالحهم الشخصية غير مهددة، الأمر الذي يجعل المرء يتساءل عن الأهداف الحقيقية التي تصبو تلكم النظم الوافــدة إلى تحقيقهـــا في واقــع القارة.

وأما تجاهل تلك النظم ظروف القارة وضروريات المجتمعات وحاجاتها، فيتجلى في تغاضي واضعي المناهج والمقررات الدراسية عن دراسات نقدية علمية للوضع الاستثنائي الغريب المتمثل في التركيبات والتجمعات السكانية، التي اختلقتها قوى الاستغلال والاستكبار عشية استيلائها على القارة واقتسامها فيما بينهم ظلمًا وجورًا.

وصفوة القول: إن صح لنا أن نسمي تلك النظم بأسمائها المعروفة، قلنا: إنها النظم التعليمية الغربية، وهي النظم التي تسود أوروبا الغربية (النظام التعليمي الفرنسي، والنظام التعليمي الإنجليزي، والنظام التعليمي البرتغالي، والنظام التعليمي الإيطالي).. والنظم التعليمية الشرقية، وتشمل النظم التعليمية التي كانت تسود أوروبا الشرقية (نظام تعليمي شيوعي، سوفياتي سابقًا).

ولئن تبين لنا مفهوم النظام التعليمي الوافد، فحري بنا تحليل محتوى هذه النظم، فتجلية آثارها ودورها في تضييع شباب القارة، وتعميق تخلف المجتمعات الإفريقية، بغية اقتراح بديل حضاري لهذه النظم.

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة