قبل الدخول في تعريف الحضارة هناك قضيتان:
1- أجد في بعض التعاريف نوعًا من الرغبة في الإكثار والتعدد، لدرجة غريبة، فالدولة مثلاً، وهي مؤسسة قد يزيد اليوم عمرها على سبعة آلاف عام، نجد لها أكثر من (145) تعريفًا، وفي الحضارة نجد أكثر من (165) تعريفًا، وهذه الكثرة الكاثرة أمر بات معروفًا يصعب قبوله.

2- لدينا في اللغة العربية عدة مصطلحات متقاربة مثل:

حضارة، وثقافة، ومدنية، يقابلها في الإنجليزية على سبيل المثال (Civilization,Culture ) والذين اشتغلوا بالترجمة لم يلتزموا نمطًا واحدًا، فمرة ترجموا ( Culture ) بالثقافة ومرة بالحضارة، وفعلوا ذات الشي في ( Civilization ) فمرة ترجمت بالثقافة ومرة بالحضارة، وهكذا.

وهذه العملية تربك المتحدث والكاتب لأن عليه أن يحدد ما يعنيه من تلك المصطلحات، تحديدًا دقيقًا، وإلا حصل خلط واختلاط مضر. والآن ما هي الحضارة لغة واصطلاحًا ؟

1- الحضارة لغة واصطلاحًا:

الحضارة في اللغة: تأتي الحضارة على عدة معانٍ(1):

أ- يقال: حَضَر يحْضَر حُضورًا وحضارة: ضد الغياب.

ب- يقال: حكّمت فلانًا بحضرة فلان: أي بوجوده، كما يقال: كنا بحضرة ماء: أي عنده.

جـ- يشيع اليوم لفلان حضور متميز: أي وجود متميز.

كما يقال: رجل حاضر وقوم حضور وحُضر: ضد الغياب.

د- الحَضَارة: الإقامة في الحَضَر أي المدن. وقد أنشد (القطامي ):

فمـن تكـن الحضـارة أعجـبته فـأي رجـال بـادية تـرانا

كما أنشد أبو الطيب:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي البداوة حسن غير مجلوب

الحضارة ( Civilization) اصطلاحًا:

يعود أصلها الغربي إلى المدينة، وهنا يطابق الأصل العربي (الحاضرة ) بمعنى المدينة، والمتحضر ساكن الحاضرة، وشاع في العربية: سكان الحواضر، وأهل الحواضر، في مقابل البادية وأهل البادية، لكن الاستعمال الغربي للحضارة لم يتبلور قبل القرن الثامن عشر(1). وسوف استعرض بعض هذه التعاريف:

1) تعريف (ديورنت ): إنها نظام اجتماعي يُعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقــية، ومتـابعة العـلـوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه، للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها

(1).
يلاحظ أن التعريف جاء جامعًا، ومعه شرحه، علمًا بأن ديورنت خير من اعتنى بالحضارة، وكتابه (قصة الحضارة ) خير شاهد.

2) يركز المفكرون الألمان على الأبعاد المادية من حياة الإنسان، بينما يركز المفكرون الفرنسيون على البعدين المادي والفكري من أبعاد التقدم(2).

3) يعرفها (جورج باستيد ) الفرنسي: بأنها التدخل الإنساني الإيجابي، لمواجهة ضرورات الطبيعة، تجاوبًا مع إرادة التمرد في الإنسان، وتحقيقًا لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته، ولإنقاص العناء البشري(3). والتعريف ينصب على الهدف من الحضارة بالدرجة الأولى.

4) يعرفها (تايلر ) بأنها ذلك الكيان المعقد الذي يضم المعرفة والمعتقدات، والفنون والآداب، والقوانين والعادات، وجميع القدرات، والتقاليد الأخرى، التي يكسبها الإنسان، بصفته عضوًا في المجتمع(4). التعريف يركز على مشتملات الحضارة، بشكل عام.

5) يعرفها د.قسطنطين زريق: بأنها حياة المجتمع المتمثلة في نظمه ومؤسساته ومكاسبه وإنجازاته، وفي القيم والمعاني التي تنطوي هذه الحياة عليها(1).

وهذا التعريف قريب جدًا من تعريف تايلر، وكأنه مأخوذ منه، أو هو اختصار له.

6) د. برهان غليون يحاول أن يقارن بين الحضارة والمدنية فيقول: (إذا كانت الحضارة هي النمو المطرد، في المنظومات المادية، والعقلية والروحية، التي تنقل المجتمع من البدائية إلى التحضر، وتجعله يتجاوز -كما ذكر ابن خلدون- إنتاج الحاجيات إلى الكماليات، أو تطوير نوعية إرضاء الحاجات، فإن المدنية هي المبادئ التي تقوم عليها هذه المنظومات، أو التي تشكل نواتها الأولى. وإذا كانت الحضارة مرتبطة أساسًا بتنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة، ودرجة سيطرته عليها، وأنماط إنتاجه المادي والروحي، فالمدنية ترتبط بتنظيم علاقات الإنسان الاجتماعية، وبدرجة تحول هذه العلاقات إلى علاقات مبنية على التواصل والتبادل السلمي، لا على العنف والإكراه، وعكسها )(البربرية) .

إن المدنية ثمرة الثقافة، لكنها ليست نتيجة تلقائية لها(2). الحضارة إذن النمو في الماديات والعقليات والروحيات، أما المدنية فهي المبادئ التي تقوم عليها الحضارة، والتي تنظم علاقات الإنسان الاجتماعية.

7) د. نصر عارف يرى أن المترجمين العرب لمصطلح ( Civilization ) قد انقسموا قسمين(1):

أ- القسم الأول: ترجمها (حضارة )، وقد بدأ ذلك في أوائل القرن التاسع عشر، فقد ظهرت في كتابات (رفاعة الطهطاوي ) -المشرف على البعثات المصرية إلى أوروبا- فهو حين يتحدث عن التمدن يقول: إن للتمدن أصلين: معنوي وهو التمدن الأخلاقي، وفي العوائد والآداب، ويعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة، التي تسعى باسم دينها وجنسها للتميز عن غيرها.

والقسم الثاني تمدن مادي، وهو التقدم في المنافع العمومية.. وقد استمر هذا الفهم للتمدن، حتى أوائل القرن العشرين، وابتداء من الربع الثاني للقرن العشرين، شاع هذا الاستعمال كثيرًا، أي ترجمة ( Civilization ) إلى حضارة.

يعلق د. نصر على ما تقدم، فيرى: أن الترجمة إلى الحضارة بدت صحيحة في ضوء أحد معاني (الحضارة )، لكن تطور المفهوم العربي، وتلبسه بالدلالات الغربية، قد أخرج مفهوم الحضارة عن نطاقه ومحتواه(2). كما يرى أن ثمة إجماعًا في القواميس والمعاجم، على اعتبار الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني والتقني، الموجودة في المجتمع، و التي تمثل مرحلة راقية في التطور الإنساني(1).

أسباب الاختلاف:

من أسباب الاختلاف والارتباك عندنا، أن الغرب الذي ننقل عنه المصطلحات عنده مصطلحان: ((Civilization ، Culture ))، يقابلهما في لغتنا أربعة مصطلحات هي: حضارة، ثقافة، مدنية، تقنية. من هنا جاء الارتباك والاختلاف والتداخل.

ومن البدهيات أن أي مصطلح يبدأ غامضًا وغير محدد بدقة، ولكن مع مضي الوقت، وكثرة الاستعمال، يذهب الغموض، ويتحدد المصطلح، ولما كان الغرب يختلف، بل يتوسع في الاختلاف، بحيث يضع للثقافة أكثر من (165) تعريفًا، ومثلها الدولة والحضارة، جاء الاختلاف عندنا وشاع، كما هو شائع في الغرب.

إن التناول الغربي لمصطلحي ((Civilization ، Culture ))، يجعل منهما مترادفين -كما لدى تايلور- وهناك من جعل ( Civilization ) قاصرًا على التقدم المادي مثل الألمان.. وهناك من يجعله شاملاً لكل أبعاد التقدم، مثل الفرنسيين.. فريق ثالث يحصر التقدم بما هو خاص بالفرد، ورابع يجعله شاملاً للفرد والجماعة.. وهناك فريق خامس، حاول أن يجعل من مصطلح ( Civilization )مفهومًا عالميًا، أي هناك حضارة واحدة، تساهم المجتمعات فيها كل بنصيب، أما الثقافة فهي خاصة بكل شعب.. وهناك فريق سادس يعكس القضية فيجعل الثقافة عامة، والحضارة خاصة(1).

هذا الاختلاف يصل إلينا، ونحن ما زلنا في دور المتلقي المترجم، ولسنا في دور المنتج المبدع. لذا وجدنا الاضطراب يسود كتاباتنا، فمن ترجم (Culture ) إلى ثقافة، جعل

( Civilization )حضارة، ومن ترجم ( Culture ) إلى حضارة، جعل (Civilization )مدنية. وهناك من يعتبر الثقافة هي الجانب الفكري، ولذا يكثر الحديث عن الثقافات الخاصة، وأن كل أمة لها ثقافتها، وقد لا تكون لها حضارة، أما الحضارة فتشمل الجانب المادي(2)، وقد ينعكس الأمر، لتكون المدنية تمثل الجانب المادي، والحضارة تمثل الجانب المعنوي.

ويعتقد د. محمد حسين هيكل، ومثله محمد عزيز الحبابي، أن العالم تسوده حضارة واحدة، ساهم فيها الكل، وهي ملك للكل.

يقول د. هيكل: إن الحضارة تراث عالمي، لا يجوز شطره جزئين منفصلين، فلا وجود لحضارة شرقية، ولا حضارة غربية، وإنما هناك حضارة عالمية واحدة، يجب الإيمان بها، والإخلاص لها (3).

ويقول الحبابي: ... والحضارة تراث مشترك يجمع بين جميع الشعوب، قديمها وحديثها، وإنها إرث إنساني، في نمو لا ينقطع، مثل بحر زاخر بالمياه والأمواج، وله روافد عديدة تصب فيه على الدوام، تلك الروافد هي الثقافات القومية (1).

والذي لا شك فيه أن الحضارة حين تعطي كل ما لديها، تم تجف منابعها تسقط، فترثها حضارة أخرى تالية، لتبدأ من حيث انتهت سابقتها، وليس من الصفر، ولذا فهناك دومًا (إرث حضاري )، لكن الحضارة التالية تضيف وتحذف، تستبعد أشياء، وتستحدث أشياء، ومن هنا يأتي تميز الحضارات.

فإذا نظرنا للإرث، فهي واحدة، وإذا نظرنا للمستجدات فهي متعددة، وإن كان الغرب يريد أن ينكر هذه الحقيقة، خصوصًا على الحضارة الإسلامية، فلا يعترف لها بفضل، لكن يلاحظ أن أمثال شبنجلر وتوينبي يرفض ذلك، كما تتعالى اليوم أصوات ترفض هذه النظرة العنصرية وإنكار أي أثر للحضارات السابقة.

الحضارة في المدلول الإسلامي:

لقد وجدت د. نصر محمد عارف، يبحث عن الجذر اللغوي لكلمة حضارة، واستعمالاتها اللغوية، فيعد سبعة معان، ثم يبين الأكثر دورانًا واستعمالاً، فيقول(2):

1- الحضور نقيض المغيب والغيبة.

2- بمعنى عنده: كنا بحضرة ماء، ورجل حاضر.

3- قرب الشيء: الحضرة، كنت بحضرة الدار.

4- جاء أو أتى: حضرت الصلاة، أو حضر القاضي.

5- الحضر خلاف البدو، والحضارة الإقامة في الحضر.

6- الحاضرة: الحي العظيم.

7- الحاضر: ضد المسافر.

وتأتي حضر بمعنى شهد، كقوله : {إذا حضر أحدكم الموت } (البقرة:180)، وقوله تعالى: (اذا حضر القسمة أولو القربى ) (النساء:8).

كما تأتي (شهد ) معنى حضر، كقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) (البقرة:185).

وقد اعتدت في مثل هذه الموضوعات، أن أعود للفيروزآبادي، فهو خير من يتابع المصطلح في كتاب الله، وألخص ما قال(1) في مصطلح الشهادة:

1- الشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو البصيرة، يقال: شهدت كذا أي حضرته، كما يقال شهدت على كذا. قال تعالى: (ما شهدنا مهلك أهله ) (النمل:49)، أي ما حضرنا.

2- الشهادة: قول صادر عن علم، حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة، قال تعالى: {ستكتب شهادتهم ويسألون } (الزخرف:19)، تنبيهًا إلى أن الشهادة لا بد أن تكون عن شهود.

3- الشهادة بمعنى العلم، قال تعالى: (لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون )

(آل عمـران:70)، وقولـه: (ما أشهدتهم خلق اسموات والأرض ) (الكهف:51)، أي ما أطلعتهم..

والشهادة تأتي على نوعين:

أ- أشهد بكذا: أعلم بكذا، ولا تقبل إلا بهذا اللفظ.

ب- أشهد: يجري مجرى القسم، فيقال: أشهد بالله أن فلانًا كذا.

4- شهادة الله بمعنى إيجاد، مثل قوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو ) (آل عمران:18)، فشهادته تعالى بوحـدانيــته، تـكـون بإيجــاد ما يدل على وحدانيته في العالم وفي نفوسنا.

5- الشهيد: يطلق على المشاهد والشاهد، يقـول تعالـى: ( وجاءت نفس معها سائق وشهيد ) (ق:21)، والشهيد من قتل في سبيل الله.

6- الشهداء: جمع شهيد، وتأتي بمعنى من يشهد وبمعنى الأعوان، قال تعالى:(وادعوا شهداءك ) (البقرة:23) أي أعوانكم، أو من يشهدون لكم، وتكون على الغير قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة:143).

7- الشهادة، أي شهادة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وقد وجدت د. نصر يولي الشهادة في القرآن الكريم عناية طيبة، فيرى أن لها أربع دلالات متكاملة، تؤدي معنى الحضارة، أو الشهادة في الفهم الإسلامي، وهي لا يمكن أن تتجزأ، وإلا فقدت مضمونها، وكل دلالة تمثل جزءًا من بناء مفهوم الحضارة، ولا بد من توافرها جميعًا، في نسق واحد، وهذه الدلالات هي(1):

1) الشهادة بمعنى التوحيد والإقرار بالعبودية لله، والاعتراف بتفرده سبحانه بالألوهية والربوبية، وهي محور العقيدة الإسلامية، وعليها يتحدد التزام الإنسان بمنهج الله، أو الخروج عنه.

2) الشهادة بمعنى قول الحق، وسلوك طريق العدل، أو الإظهار والتبيين، أو الإخبار المقرون بالعلم، أو الملاحظة والمراقبة، وتعد مدخلاً من مداخل العلم، ووسيلة من وسائل تحصيل المعرفة.

3) الشهادة بمعنى التضحية والفداء، وتقديم النفس في سبيل الله حفاظًا على العقيدة، ودفاعًا عن تحرير الإنسان من عبادة العباد، وإخراجه إلى عبادة الله وحده.

4) الشـهـادة كـوظــيـفــة لــهذه الأمــة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة:143).

وينصرف معناها إلى الشهادة في الدنيا والآخرة، ذلك أن واجب الشهادة لا تقوم به إلا الأمة الوسط، الخيرة المتميزة.

(وطبقًا لهذه المعاني الأربعة، فإن الحضارة هي الحضور والشهادة بجميع معانيها، التي ينتج عنها نموذج إنساني، يستبطن قيم التوحيد والربوبية، وينطلق منها كبعد غيبي، يتعلق بوحدانية خالق الكون، وواضع نواميسه وسننه، والمتحكم في تسييره، ومن ثم فإن دور الإنسان ورسالته هي في تحقيق الخلافة عن خالق هذا الكون في تعمير أرضه وتحسينها، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق تمام التمكين عليها، والانتفاع بميزاتها، وحسن التعامل مع المسخّرات في الكون، وبناء علاقة سلام معها، لأنها مخلوقات تسبح الله، أو رزق لا بد من حفظه وصيانته. كذلك إقامة علاقة مع بني الإنسان، في كل مكان على ظهر الأرض، أساسها الأخوة والألفة، وحب الخير والدعوة إلى سعادة الدنيا والآخرة )(1).

الموقف من الحضارات الأخرى:

يبقى سؤال يفرض نفسه: كيف يمكن النظر للخبرات الحضارية خارج إطار الإسلام، هل نتجاهلها، كما يفعل الغرب مع الحضارة الإسلامية؟ هل نعترف بها ونفيد منها ؟

ابتداءً نجد القرآن الكريم يفرد لحضارات الأمم السابقة ثلثه للحديث عنها، في جوانبها الإيجابية والسلبية.

وورد أن أبا بكر رضي الله عنه نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: أراك شبت يا رسول الله، فرد عليه صاحب الرسالة: (شيبتني هود وأخواتها ) (1). والذي يقرأ سورة هود يجدها تتحدث عن (ست ) حضارات، مضى عليها ألوف السنين، وكل واحدة أصابها (مرض قاتل )، فمن تلاعب بالموازين، إلى عبث بالأمن وإخافة للناس، إلى شذوذ جنسي، وتعاط للزنى علنًا ... إلخ. وكانت الثمرة أن كل أمة من هذه الأمم، أصابتها عقوبة موجعة، وضربة ربانية قاتلة.

ومعلوم أن بين هذه الأمم وبين عصر الرسالة ألوف السنين، ولكن الكتاب الكريم -وهو كتاب هداية بالدرجة الأولى- سرد أخبار هذه الحضارات وغيرها بتفصيل ليوجه رسالة للأمة الإسلامية، مفادها: من استقام على أمر الله فله السعادة في الدنيا والآخرة، ومن تنكب عن شرائع الله وهجرها، فمن السنن أن يناله العقاب في الدنيا -مع كونها ليست دار حساب وعقاب- وله مثل ذلك في الآخرة، لا فرق بين البشر، ومن هنا جاء تخوف صاحب الرسالة، أن تسقط أمته، وهي المنوط بها الشهادة على العالم، أن تسقط فيما سقط فيه غيرها، فيحل فيها ما حل فيهم.

أما تصور (البعض ) أنهم شعب الله (المختار ) فتلك من الأماني -والتمني رأس مال المفلس- فالله لا يحابي أحدًا، وعدالته تأبى ذلك.

حرب الروم والفرس:

قضية أخرى يسجلها القرآن النازل في مكة، ويفرد لها سورة باسم (الروم ).. وفي ستين آية، تتحدث السورة عن صراع الفرس والروم، فيقول تعالى: (ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الروم:1-6).

فالمسلمون المحاصرون بمكة، والواقعون تحت الإرهاق والتعذيب، ينزل عليهم قرآن يتلى' إلى يوم القيامة، يتعلق باحتكاك مسلح بين أمتين على أطراف الجزيرة، واحدة صاحبة كتاب (الروم )، وأخرى مُشْرِكة (الفرس )، تكون الغلبة والانتصار من نصيب الفرس، فيحزن لذلك المسلمون وتفرح قريش وتباهي بهذا النصر، ثم لتتخذ منه عبرة فتقول: كما انتصر الفرس وهم مثلنا، على الروم وهم مثلكم، فكذلك سننتصر عليكم، فيأتي وعد من الله بأن النصر سيكون من نصيب الروم، وذلك في (بضع سنين ). ويلاحظ أن القرآن غير سالك مثل التوراة في ذكر الأسماء والسنين، وحتى عدد الجنود والمقاتلين، ومع ذلك خرج على سنته، وحدد لفوز الروم بضع سنوات، وعقب على ذلك تعقيبًا، وهو الأهم، إذ قال: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) (الروم:4-5). وهذا درس للأمة إلى قيام الساعة، كي لا تقف موقفًا سلبيًا لا مبالاة فيه مما يجري في الكون، والشهادة تقتضي ذلك.. وسوف أؤجل بعض الحديث إلى بحث الأهداف الكبرى من خلق الإنسان.

ومما له صلة بالموضوع أن نجد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين المضـــطهدين بمكــة أن يهــاجـروا للحبشة، لأن فيــها ملكًا لا يظلم الناس عنده، وتتكرر الهجرة، كما تحاول قريش استرداد المسلمين من هناك، فيرفض النجاشي ذلك ويمنحهم حماية كانوا بأمس الحاجة لها.

الحديث عن مصير الفرس والروم:

ليس من أهداف الإسلام الحديث عن الأمم -كما فعلت التوراة- لكنا وجدنا صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أمتين مجاورتين: الفرس والروم، فيصف مصيرهما، كما يصف بدقة علاقة المسلمين بهما، يقول عليه الصلاة والسلام: (فارس نطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعد هذا، والروم ذات القرون، كلما هلك قرن، خلفه قرن، أهل صبر، وأهله أهل لآخر الدهر، هم أصحابكم، ما دام في العيش خير )(1).

وفي مسند الإمام أحمد حديث لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يقول: (أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة )(1).

وما حصل بالفعل أن جيوشنا هزمت الفرس في القادسية ونهاوند، فقضت على الإمبراطورية الفارسية نهائيًا. أما الروم فقد قذفنا بهم خلف البحر، ويقول أحد مؤرخي الغرب، بأننا اصطدمنا مع الروم (الغرب ) بـ (3700 ) معركة كبيرة، وما زالت المعارك حتى اليوم مستمرة.

ولعـل من تمـام البحث أن نذكر حديثـًا سمعــه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الروم، فعلق عليه تعليقًا يدل على مدى فهم العرب لجيرانهم الروم، ولمقدار إنصافهم.

فقد روى موسى بن علي عن أبيه قال(2): قال المستورد القرشي، عند عمرو بن العاص، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تقوم الساعة والروم أكثــر الناس )، فقـال له عمــرو: أبصر مــا تـقــول، قـال: أقــول ما سمعت من رسول الله، قال عمرو: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: أمنعهم من ظلم الملوك.

لا نعلم هل قال هذا -داهية العرب- من عنده، أم هو قبس من نور النبوة، وفي كل الأحوال، فهو ينـــبئ عن معرفة دقيقة أولاً، وعن إنصاف كبير للقوم.

وعد فريد:

أريد أن استطرد لذكر وعد فريد، يخص النصارى، جاء في كتاب الله، والقرآن الكريم ليس دأبه ذلك، يقول تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ) (آل عمران:55). في الآية الكريمة قضيتان: الأولى بقاء النصارى إلى يوم القيامة، والثانية أن يكونوا فوق الكفار كذلك.

البعض يجادل بأن النصارى حرفوا وبدلوا، فهم ليسوا أتباعًا للسيد المسيح، بينما الوعد للذين اتبعوه. ومعلوم أن لا جديد في عقائد النصارى، إلا قلة قليلة جدًا، والباقون كلهم يؤمنون بالتثليث والصليب...إلخ، ولا جديد عندهم، اللهم إلا ما تحاول اسرائيل من رفع نصوص في الأناجيل، ومن بعض الصلوات، ومن الدعاء على اليهود، وأما ما سوى ذلك فلا جديد فيه.

الموقف من حضارة الغرب:

لا يخفى أن كل متكلم عن الحضارة، إذا أطـلق (الحضارة )، فهو يقصد الحضارة الغربية.

وابتداءً، فإن الغرب يحتقر كافة الحضارات -باستثناء اليونانية والرومانيــة- ولا يقيم لها وزنــًا، ويدرب أفـراده على التعــالي والتكبر، بل هو يتطرف فيصم كل معتز بحضارته بأنه يعادي الغرب وحضارته، ولذا سأستشهد بنصوص لبعض الرموز الإسلامية وغيرهم:

أولاً: شهادة سيد قطب(1):

يقول سيد قطب يرحمه الله:

(لقد غابت أمتنا المسلمة عن الوجود والشهود، دهرًا طويلاً، وقد تولت قيادة البشرية أمم أخرى، وتصورات أخرى، وأوضاع أخرى، وقد أبدعت العبقرية الأوروبية في هذه الفترة رصيدًا ضخمًا من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي، وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته، غير مستعدة للتفريط فيه، ولا فيمن يمثله، وخاصة أن العالم الإسلامي يكاد يكون عاطلاً عن كل هذه الزينة ).

إن هذه الأمة لا تملك أن تقدم للبشرية تفوقًا خارقًا في الإبداع المادي، تحنى له الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية.. من هذه الزاوية، فالعبقرية الأوروبية قد سبقتها في هذا المضمار، سبقًا واسعًا، وليس من المنتظر خلال قرون على الأقل، التفوق المادي عليها، فلا بد من مؤهل آخر، مؤهل تفتقده هذه الحضارة.

وهذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا، ولكن ليس بوصفه المؤهل الذي نتقدم به قيادة العالم، في المرحلة الراهنة، وإنما بوصفه ضرورة ذاتية لوجودنا، وكذلك بوصفه واجبًا يفرضه علينا التصور الإسلامي الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض، ويجعلها تحت شروط معينة عبادة لله تعالى، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني..

لا بد إذن من مؤهل آخر لقيادة البشرية غير الإبداع المادي، ولن يكون سوى (العقيدة ) والمنهج، الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج عبقريتها المادية، تحت إشراف العقيدة والمنهج، من تجمع إنساني، أي في مجتمع مسلم). وأحسب أنها شهادة واضحة متوازنة منصفة.

2- شهادة د. رشدي فكار:

د. فكار يرحمه الله، ابتدأ تعليمه في الأزهر وانتهى في الجامعات الغربية، فهو ابن الحضارة الغربية، وثمرة من ثمراتها، وراصد جيد لها ولما تموج به..عرف إيجابياتها، كما يعرف سلبياتها.

وهو يقول(1): لن نستطيع أن نقدم للعالم طائرات أسرع، ولا طرقًا أنعم، ولا سيارات أجود، ولا صناعات أفضل، لكن بإمكان الإسلام أن يقول: سأعطيكم إنسانًا أكثر توازنًا واعتدالاً، أكثر برًا وإحسانًا، إنسانًا يرتبط بمبادئه، يهاب ويخشى خالقه، إنسان يحترم الإنسان، ويعمل لإسعاده، لا الارتقاء بناطحات السحاب، واستنزاف الخيرات، في إطار من التحايل والمكر، والدهاء والكيد.

بمعنى آخر: صياغة وبناء الإنسان ليبني كل ما دمر... إن صياغة الإنسان ما تزال الأصعب، الإنسان صنع (الكمبيوتر ) ، وقد راح الأخير يصمم ويصنع العجائب، صنع الإنسان المركبات وأرسلها إلى أعماق الفلك، صنع الطائرات التي فاقت سرعتها سرعة الصوت، صنع الصواريخ عابرة القارات، لكنه يفشل في تربية طفل داخل البيت.

إن التربية المتوازنة لإنسان متوازن ما زالت هي الأصعب، المطلوب إنسـان تتـوزان أشـواقــه الروحية ونزعتــه العقليــة، وعــواطـفه وغرائــزه، مــع توجهاته الدنيــوية، وأشــواقــه الروحيـة، وتتصالح هذه التوجهات ولا تتحارب، هذا الإنسان هو المطلوب اليوم وغداً، والحاجة له تفوق حاجتنا لصواريخ ذكية أو غبية، قبل أن يفلت الزمام، فتتحول الأرض كرة لهب، أو فرن ذري يشوي الكل.

3- مالك بن نبي:

تحوي الحضارة أفكارًا وتشريعات، كما تحمل قيمًا ومنتجات مادية، والمقتبس بالدرجة الأولى، هي المنتجات المادية، فالعالم اليوم كله يستعمل المنتجات الغربية فهل تحضَّر؟

يقول مالك بن نبي يرحمه الله(1): لكل حضارة منتجاتها التي تتولد عنها، ولكن لا يمكن صنع حضارة بمجرد تبني منتجات حضارة ما، فشراء ما تنتجه الحضارة الغربية، من قبل كافة دول العالم، لم يجعلها تكسب حضارة أو قيمًا، إذ الحضارة ليست تكديس منتجات، بل هي فكر ومثل وقيم، لا بد من كسبها أو إنتاجها.

إذن فكل من يشتري منتجات حضارة، فهو مستهلك حضارة، وليس منتج حضارة.

ويحلو للبعض أن يقارن بيننا وبين اليابان، في الموقف من الحضارة، فيقول: كانت اليابان تلميذًا نجيبًا للغرب وحضارته، والتلميذ قد يتفوق على أستاذه ويتجاوزه، أما نحن فكنا مجرد زبائن، وما زلنا كذلك، فالزبون يأخذ البضاعة وينصرف، ويكرر ذلك كلما احتاج.

4- المستشرق الفرنسي (جاك بيرك):

يتحدث بيرك عن أخذ الحضارة الغربية كلية -كما ينادي البعض- فيتساءل(2): هل النموذج الغربي ضروري وحتمي، بالنسبة لكافة الشعوب ؟

ويجيب: ليس بضروري ولا حتمي، بل يؤدي في أحيان كثيرة إلى أنواع من الفشل والقلق والتمرد.

5- د. رفيق حبيب:

د. رفيق نصراني مصري، يردد كثيرًا بأنه: نصراني ديانة، مسلم ثقافة وحضارة.. له عدة كتب منها (تفكيك الديمقراطية )، يظهر منهجه الفكري وما يؤمن به، والكتاب يستحق القراءة بل والدراسة، وسألخص بعض ما جاء فيه، بحسب ما يسمح البحث.

لقد عنونه (حكم الأقلية )، موضحًا أن الحضارة العربية الإسلامية أصابها (الوهن )، مع نهاية القرن الثامن عشر، حيث حصل انقطاع تاريخي(1)، ونعني به انقطاعات عن قيمنا ومبادئنا ومقدساتنا، وهو انقطاع عن التطور، وأيضًا عن السيادة والسلطة...

أما قبل ذلك فكان للأمة كبوات تنهض بعدها، ولكن مع نهاية القرن الـ 18 كان السقوط الأكبر، وهنا ظهر الغرب بكل قوته وإنجازاته وسطوته.. وأمام هذا التحدي (الحضاري ) لم تكن الأمة قادرة على الصمود، فاجتمع على الأمة التحدي الخارجي والضعف الداخلي.

فراح الغرب يفرض قيمه، وفي نفس الوقت يهمش قيم الأمة، ووجدت مجموعة فرصتها لتصل إلى الحكم، محمولة على أسنة رماح الغرب، فراحت تميل لقيم مخالفة لقيم الأمة.

(إن التدهور الحضاري -الذي عشناه- أخرج القيم المتنحية.. والقوة الغربية المهيمنة، حولت أصحاب هذه القيم إلى مساحة للوكالة عن الحضارة الغربية، وهكذا توحد الهامش الداخلي، مع الوافد المستورد، والمفروض من الخارج، ليصنعا (جماعة هامشية، ومجتمع أقلية)، تسوده قيم غريبة ووافدة وهامشية... لهذا فوكلاء الغرب الثقافيون، أصبحوا نخبة لا تبدع للأمة ولأجلها، بل أصبحوا قوة ناقلة لقيم الغرب، مؤكدة للقيم المتنحية من حضارتنا، مما أفقد الأمة الكثير من الفرص كي تنهض مرة أخرى )(1).

إذن هناك جدول أعمال (لتفكيك الأمة ) في نظر د. رفيق، يتمثل في فرض قيم وطرد قيم، فرض قيم مخالفة للأمة، وزرع قيم أخرى، لتصبح مع مرور الزمن قيمًا ثابتة، وليصبح وجود الأقلية وحكمها حالة مطلوبة ومستمرة، وليمدها الغرب بكل ما يملك من سند وإسناد.. ثم يطرح بعض النتائج فيقول(2):

1- إن صح تصورنا السابق، فالجاري الآن -في قلب أمة العرب والمسلمين- هو حكم أقلية، بنموذج قيم وافدة، وهو مفضٍ في النهاية إلى إرساء قواعد مغايرة تمامًا لنا.

2- ما يحدث هو فرض لقيم ليست من الأمة، وبالتالي لا تحقق إشباعًا لها، كما لا تحقق لها اتفاقًا ولا إجماعًا.

3- ما يفرض هو قيم يؤكد الشاهد التاريخي أنها غير محققة للتقدم والازدهار في أوطاننا، وإن كانت محققة لهما في أوطان أخرى.

4- إن حكم (قيم الأقلية ) في حد ذاته، يعني سيطرة قيم (مرفوضة ) على قيم (مرغوبة )، وهو ما يعني اغتصابًا للسلطة من الأمة، ونزع قيمها من حياتها.

5- إن قلب منظومة (القيم ) بهذا الشكل، يؤدي إلى تفكيك الأمة، وإدخالها في صراع حول القيم بين (مرفوض ومرغوب ) .

وهو يكرر التخوف من ذلك، بل يراه عملاً منظمًا (لتفكيك الأمة )، كما يصبح (الانقطاع التاريخي ) عملاً مقصودًا ومخططًا، وليس مجرد نتيجة لحالة تدهور تمر بها الأمة.

بعد ذلك يضع عنوانًا: (حكم الأقلية الحضارية ).

فيرى: أن الأمة تقع تحت حكم (الأقلية الحضارية )، ويفسر ذلك بأنه الوقوع تحت حكم (قيم حضارية مغايرة )، وفي تسبيب ذلك يذكر الاستعمار -بكل أشكاله- والسبب الثاني هو: ضعف الأمة، وتدهور حالها. والسببان يتفاعلان، مثل الضعف والمرض، فالضعف في الجسم يسهل المرض، والمرض يضعف الجسم.. إن الاستعمار يتأكد بالقابلية له، والهيمنة الحضارية تعضدها القابلية للاستعمار.

والإشكالية الراهنة جاءت من سيادة النموذج الغربي، بدرجة جعلته الحاكم وصاحب السلطة، والمؤيد بالقانون، وعلى الرغم من أنه غريب ولا يعبر عن الأمة، لكنه صاحب السيادة، والخــروج منه صار أمرًا معقدًا، لذا فإن تفكيكه والخروج من أسره، سيكون عملاً نهضويًا وثوريًا في آن واحد (1).

والتحدي الحقيقي أمام الأمة يكمن في قدرتها على (إنهاض نمط حياتها الخاصة )، إلا أن العوائق كثيرة ومتشابكة، فتدفع بهذا التحدي للوصول إلى درجة خطيرة، كما يدفع بقوى الأمة إلى إعلان غضبها وتمردها، فحكم الأقلية الحضارية يعني -فيما يعنيه- أن أصحاب القيم الغريبة والمعارف غير السائدة في الأمة، هم أصحاب القرار، وهم الذين يحتــلون موقــع النخـبة هذا الوضــع نوع من عنـصرية جديدة، يمكن تسميتها بـ (العنصرية الاستعمارية ) فهذه القيم الغريبة وأصحابها يحتلون مكانة أهم بكثير من قيم الأمـة الأصلية، وهذه عنصرية لا شك فيها.

وهنا يقوم ويتحقق نوع جديد من (الاستيطان )، استيطان أفكار غريبة وافدة، مستقرة في عقول (وكلاء محليين )، وكل ذلك مما يجعل الصراع(2) (فتنة بين أبناء الأمة ).

وهي فتنة بحجم إحساس الأمة (وطليعتها الحقيقية ) بأن القيم الغريبة لها تلك المكانة، بينما القيم الأصلية مهمشة، وهذا ما يولد شعورًا بالغبن، ويدفع بالتالي إلى الغضب أو اليأس.

هذا ويتحقق حكم الأقلية الحضارية، من خلال آليات كثيرة، تم زرعها في جسم الأمة، وما زال يزرع غيرها، كي تبقى (الأقلية الحضارية ) قوية فاعلة مسيطرة، بفعل وسائل منظمة، تنتج وتكسب أعضاءً جددًا لهذه الأقلية، كي تتجدد أولاً، ولكي يضمن استمرارها.

إن هذه (الآليات ) تمثل المشكلة الرئيسة، والتي تجعل الصراع بين (الموروث و الوافد ) يتمدد من المجال الحضاري إلى السياسي، حتى يصل إلى حياتنا اليومية.

وأكبر ميدان تثيره آليات (الأقلية الحضارية ) هو التعليم، فهو غربي الروح، يروج للغرب، على كافة المستويات، (وهو يقدم رؤى معرفية ضمنية متحيزة للحضارة الغربية، كما تنتج تحيزات لحكم الأقلية الحضارية، بدلاً من أن تنتج طلائع لنهضة الأمة )(1).

ثم يستدرك فيقــول: ليس بالضــرورة أن يكون كل متعلم متــغربًا، أو وكيلاً للغرب، ولكن -على الأقل- معرضون للتشوه الثقافي، والتداخل المعرفي. ويرى د. رفيق أن مشكلاتنا تتفاقم تحت مظلة (العلم)، إذ تتحول كل طاقاتنا العلمية باتجاه (إعادة إنتاج النمط الغربي) فيتأسس علمنا على الاقتباس، على حساب الإبداع، خاصة الإبداع الأصيل، النابع من ثقافة الأمة، وهكذا تتحول (آلة إنتاج المعرفة) إلى منتجة، ولكن بصورة مزيفة عن الأمة، صورة من شروطها تأهيل الأمة (لعملية التغريب)، يواكبها تشويه الصورة الأصلية للأمة.

هذه بعض طروحات د. رفيق في (تفكيك الديمقراطية )، وهي طروحات لا نعلم أنه سُبق إليها، وهو يحمل من الشجاعة ما نحن بحاجة إليه.

6- د. برهان غليون:

د. غليون سوري الأصل، فرنسي الجنسية، يعمل أستاذًا لعلم الاجتماع في السوربون، له أكثر من عشرة مؤلفات.

يدرس قضية النقل الحضاري، حيث يصورها (البعض ) أو يبسطها غاية التبـسيــط فيرى أن بإمكاننــا أن نقلد الغـرب لنكـون مثـله، فيــرد د. غليون(1): (إن هذا المأزق يتمثل بالاعتقاد بأننا لو أخذنا نفس مبادئ الأوروبيين لتقدمنا. إننا بهذا الاعتقاد ألغينا التاريخ، وألغينا العلاقات التاريخية، بيننا وبين الغرب، وألغينا أيضًا كل صيرورة المسلسل التاريخي والاجتماعي، الذي أدى في أوروبا إلى ظهور الثورة الصناعية والثورة السياسية ).

هذا المعنى يكرره في كتبه، فالأمر معقد وإلا لأخذت أمم الأرض بذلك وتقدمت بيسر وسهولة.

القضية الثانية التي يكررها د. غليون خصوصًا في كتابيه (حوارات من عصر الحرب الأهلية )، و(اغتيال العقل ).. فهو يكرر كثيرًا جدًا أن الحاجة ملحة إلى إحياء التراث، والأخذ من الحضارة الغربية، ويشترط عدم الاكتفاء بعنصر واحد.

يقول د. غليون(1): (من الوهم أن تعتقد جماعة أنها تستطيع أن تندمج في الحضارة من دون أن تحيي تراثها، إن بالتغاضي أو بالتخلي عنه، فالنتيجة لن تكون إلا انتقامًا أكبر للماضي من الحاضر، وتهديدًا أعظم، لأي جهد تجديدي، كما أنه من الوهم أن تعتقد جماعة أيضًا أن تراثها بمفرده -مهما كانت عظمته- يمكن أن يحفظ لها استقلالها وحريتها، ونجاعتها التاريخية ).

إن اكتساب التراث الحضاري الجديد، لا يشكل شرطًا أساسيًا لدخول التاريخ المعاصر فحسب، ولكنه شرط أساسي أيضًا، لإعادة الفاعلية والقيمة الجادة للتراث القديم.

إن مصير الأمم مرهون بمقدرتها على أن تجعل من تراثها -أي من ثمرة أجيالها الماضية وتراكماتها- رأس مال قابلاً للتوظيف في عمليات التجديد والتحضر الكبرى.

يمكن الزعـم بأن الأمــة يمكن أن تطيــر بجناحين: التراث والتحضر. إن د. غليون يعاود الفكرة مرارًا ويقلبها على عــدة أوجــه، فيقـول: هناك مشكلة مفادها(2): (الاعتقاد بأن مجتمعنا لم يستطع أن يستوعبالحضارة الحديثة ) لأن ثقافته وتراثه تقليديان، وهذا ينفي عن عملية الحضارة والتحضر كل طابعها الاجتماعي والتاريخي الصراعي. فهل لو طبقنا في بلادنا القوانين (اللبرالية) مثلاً، أصبح لدينا بالضرورة صناعة حديثة؟

نحن نقول بالعكس، لو طبقنا نفس الحلول، التي طبقتها المجتمعات الغربـيــة، دون النظــر إلى تغير الظــروف التاريخية، وأهمها بالضبط تحول الغرب إلى (مركز للحضارة ) يتحكم بآلياتها ووسائلها، ويصارع ليبقى المحتكر الأول لها، لوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.. أي زيادة التأخر والتبعية...

لا يعني هذا رفض (التحديث ) وإنما يعني ربطه بمعيار واضح، اجتماعي وقيمي أو أخلاقي. باختصار، لا لتدمير الهوية، لا لفصل العرب عن العالم، ولا لأي سياسة أو خطة تطمس أحد قطبي التناقض، لصالح القطب الآخر.

القضية أحسبها واضحة، فهناك في مجتمعنا من هو زاهد في التراث، بل يرى فيه عقبة كبرى، ويسخر من الهوية، فالعالم صار قرية واحدة، ولا معنى للتشبث بالهوية الخاصة، ولذا فالحل في نظره سهل ميسور، نتجاهل التراث، ونهمل الهوية، ونندمج في حضارة اليوم.

وقد وجدت د. غليون يطرح أسئلة فيقول(1): (ماذا نريد من الحضارة، وماذا نريده كمجتمع، وما هي أهدافنا ؟ )

هل نحن نسعى إلى أن يكون لمجتمعنا (واجهة حديثة شكلية ) ، تجعـله يــبدو مشابهًا لغيـره من المجتـمعات الحديثــة، أم نريــد أن يكــون له وظائف إبداعية وإنتاجية مشابهة -وليست مماثلة- لما لدى هذه الأخيرة ؟

أي هل المقصود تحديث القائم والتراث أو هل أن تحديث التراث، يقدم حلولاً مفيدة، أم أن الحلول قائمة خارجه، وعلينا نحن أن نبدعها؟.. أسئلة جيدة، تستحق التفكير.

د. غليون لا يمل طرح القضية، ومن زوايا متعددة، فهو يقول مثلاً: إن التحديث العقلي لا يحل لنا مشكلة، لأنه يحذف الوعي، ويشرح ذلك فيقول(2): (إنه يقوم على الاعتقاد بأنه إذا نجحنا في تبني مؤسسات مشابهة للمؤسسات العلمية والثقافية الغربية، وفي أن نصبغ أفكارنا وقيمنا وطريقة بحثنا بالصبغة العلمية، وصلنا إلى الحضارة، ودخلنا في المعاصرة، أي أصبح لدينا قيم وفكر وعلم مماثل لعلم الغرب وقيمه، وأصبحنا بالتالي متحضرين أو أصحاب حضارة، وخرجنا من دائرة الهامشية وانعدام الفعل. )

ليست هذه إلا مسألة (مصطنعة ) في نظرنا، وشكلية ولا قيمة لها، إذ النهضة الثقافية والفكرية، ليست مرتبطة بمماثلة أو مشاكلة الغرب، ولا تعــني التوصــل إلى تحقيــق نفس الوظائف الاجتــماعية أو الثقافية، بل نحن نعتقد أن هذه (المماثلة ) هي السبب في إخفاق العقل العربي الحديث، وفشل النهضة الثقافية.

يتحدث بعد ذلك عما يسميه الثقافة الحية والثقافة الميتة، الثقافة الحية تكون -عادة- قادرة على إيجاد وإبداع حلول جديدة لكل وضع جديد.

أما الثقافة التي تعجز عن ذلك فهي ميتة أو (تكرارية )، تشتغل بمشاكل غيرها، وتعجز عن القيام بواجباتها، فتضطر لتركها إلى غيرها.. وينهي موضوعه قائلاً(1): (وكلما تماثلت البنيات الثقافية العربية مع البنيات الثقافية الغربية وحاكتها، أصبحت -بالضرورة- أقل قدرة على إدراك خصوصيات مجتمعها، وفقدت بالتالي قدراتها الإبداعية، ومبرر وجودها ). فهل يُقنع هذا متغربينا؟

المرجعية ونوعية النقل:

د. غليون مغرم بتحديد نوعية الشيء المطلوب نقله، عن حضارة الغرب، كما قاده ذلك للحديث بحرارة عن (المرجعية ).

فعن نوعية الشيء المطلوب استيراده يكرر(1): (من السهل استيراد الآلات والأجهزة والمنتـجات المــادية وغير المادية، لكن ليس من السهل ولا من الممكن استيراد (الفاعلية الثقافية)، لأن الثقافة هي التعبير الأساسي عن وجود الجماعة كجماعة موحدة، والشرط الأساسي لتحقيق استمرارها وتميزها وتاريخها، أي لإعطائها ذاتية مستقلة ).

فالثقــافــة هـي مانـحة الهــوية، وهي أيضــًا صانعة الـــولاء، والأمة -أي أمة- قد لا تكون متحضرة، لكنها لا تعيش بدون ثقافة، واستقلالية الأمة رهن باستقلال الثقافة، فمن لا استقلال له ثقافيًا، فكيف تتحقق له الاستقلالية؟!

أما المرجعية، فالناس في المجتمع الواحد يختلفون، فإذا حصل ذلك فــلا بد من مرجعيــة يرجعــون إليها لضبط الاختلاف، وفي ذلك يقول د. غليون(2): (لا تستطيع أمة أن تتمتع بإرادة ذاتية وقوة معنوية ورؤية نظرية وقاعدة معيارية، إلا بقدر ما تنجح في تأسيس (مرجعية ثابتة) عميقة الجذور، مرتبطة بتاريخها أو بتجربتها التاريخية، ولا تستطيع جماعة أن تبني نشاطها، أو تؤسس وجودها على (مرجعية خارجية) مستمــدة من تاريخ آخـــر، ومســتقــاة من ثقافة أخرى، أي لا تستطيع أن تجعل من (رمز استبــعادها وتهمــيشها) مـرجـعــًا لنـهــضتها الجــديــدة وتغلبها ).

أعتقد أن المرجعية أمر أساسي، وليس من الترف.. ومن لا يجد مرجعية، سوف يضربه الاختلاف، حتى يجعل من الأمة هيئة أمم. يقول الله: {اعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا }(آل عمران:103)، ويقول: {ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا } (الروم:32)، ويقول: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينا } (آل عمران:105).

ويمكن القــول: بأن المرجعيـة هي السلك الذي يجمع حبات الأمة، فلا يجعلها تنفرط، فإذا سقطت المرجعية، فما الذي يجمع الأمة ؟

قضية أخرى (كبيرة ) تضبطها (المرجعية )، كلما شاهدت الاختـلاف في الفضـائيات العربية، يقفز إلى ذهني: أين المرجـعـية، ولمن ينبغي أن نعود، وما معيار الخطأ والصواب ؟

لقد وجدت د.غليون يطرح القضية طرحًا دقيقًا، فيقول(1): (ما هو مصدر معلوماتنا الصحيحة؟؟ أي ما معيار التمييز بين الحق والباطل؟ ومن الذي يكفل صحة معارفنا وأحكامنا العقلية وصلاحيتها ؟ ونستطيع طرح الموضوع بطريقة أبسط، فنقول: كيف يكون الواقع ما هو، أي مطابقًا لذاته، أي متسقًا، ومن ثم معقولاً ومقبولاً؟ ليس هناك مجتمع يمكن أن ينشأ أو يعيش دون أن يحدد لنفسه أسس (المعرفة اليقينية)، وشروط نمو هذه المعرفة، والتي هي أساس نشوء العلم وتطوره، وسبب ومبرر وجوده.. وعن هذه الأسئلة يصدر السؤال الأعم، الذي يتعلق بنا مباشرة، وهو: لماذا لم يتطور العلم الحديث في المجتمعات العربية المعاصرة، وكيف يمكن تجاوز العقبات، التي تقف أمام هذا التطور؟ )

قد يقـول إنـسان: المرجـع هــو العــقل، ولكنه يخـتلف، بل ما أكـثر مــا يختلف، فهل نرجع لعقلي أم عقلك، أم ماذا؟

قد يقول آخر: لنرجع إلى العلم، فهو مرجعنا، وهو الآخر مختلف أيضًا، وقد تولى د. غليون الرد والمناقشة فقال(1): إن الحداثة تفترض أن الواقع (المطابق لذاته) هو الواقع الحديث، أو المساير للحداثة، أما مظاهر الحياة التقليدية وأنماطها فكلها ليست واقعًا، ولا تحمل انسجامًا .

إن الواقع التقليدي ليس له أي قوام حقيقي، وليس مبررًا، ووجوده عبارة عــن مظهــر من مظــاهر اللاعقـلانية والانحـطـاط والشـذوذ، وإذن فـ (الحداثة ) هي (معيار العقلانية والصحة )، فلا يمكن للمعرفة أن تكون صحيحة ويقينية إلا عندما يكون نموذجها هو (الواقع المطابق لذاته )، أي الواقع المعاصر، ولما كان العلم أحد منتجات هذه (المعاصرة ) فهو إذن معيار صحة أفكارنا عن الواقع، وبقدر ما تكون الأفكار مطابقة للعلم، تكون يقينية.

هذا الكلام يبدو -لأول وهلة- معقولاً مقبولاً، كما يبدو وكأنه يستعمل (المنطق الأرسطي) بما يحمل من صحة ومغالطة.

وأترك الجواب للدكتور غليون فهو يرى أن(1): (العقلانية العربية هدفها ومطلبها، نقل العلم، والنظرة العلمية، إلى ثقافة تعتبرها من الأساس فاقدة له، وغير قادرة على إنتاجه. إذن مطابقة أفكارنا للعلم، هي قاعدة الموضوعية والعلم، كما هي مجسدة في نظم معرفية جاهزة، تضمن صحة هذه الأفكار ويقينيتها ).

ونلاحــظ هنا، كيف تصادر هذه المحــاكمة - بالمعــنى المنطقي- على المسألة الأساسية، التي ما كان من الممكن للعلم أن ينشأ بدونها، وهي التساؤل عن مصدر يقينية المعرفة العلمية نفسها، وهو التساؤل الذي قاد إلى تطور العلم، كثمرة لفلسفة ما قبل (علمية مؤسسة العلم ذاته كمفهوم ).

إن هذه (المحاكمة ) تقول عمليًا: إن أصل المعرفة اليقينية (العلم ) نفسه، وبذلك فهي لا تحرم نفسها فقط من التفكير في هذا العلم، والتحقق من المسعى العلمي، في كل مرة يسعى فيها الباحث إلى إدراك الواقع وتحليله، وإنما تضفي أيضًا على المعرفة العلمية صفة الحقيقة (المطلقة )، والمنزلة التي تشكل في ذاتها المبتدأ والمنتهى...

إنها تجعل من العلم معرفة (لاهوتية مقدسة ) مفصولة عن الواقع الذي استمدت منه، وعن المجتمع الذي ظهرت فيه، وعن الذات التي أنشأته، وعن المطلب الذي وضع له.

مرجعية العلم:

إن الغرب مكتشف العلم، لم يعد يعتبره حقيقة يقينية، ولو اعتبره فنحن نبحــث عــن مــرجــع نعــود إليه حين نختـلف، فإذا كـان العلم مـمـا يختلف فيه، فكيف يكون مرجعًا ؟

لقد هربنا من يقينية الأديان، فسقطنا في يقينية العلم، كما فعلت الماركسية، حين شطبت الأديان، ثم ما لبثت أن صارت دينًا، أكثر تشنجًا وتعصبًا، حتى حرمت قراءة الكتب المخالفة، وصادرت حرية المعارض كليًا، وهكذا تحولت إلى دين له طقوسه ورموزه، وحتى أنبياؤه، وصار قبر المعلم (ليـنين ) مزارًا، وعـلى زائره أن يقف باحــترام، فلا يسمح له مثلاً وضع النظارات على رأسه، ولا التحدث ...إلخ.

لقد هربت الحداثة وأهلها من الأديان لتجعل من العلم دينًا جديدًا، له سدنته وطقوسه!

إنها تكفّر كل من لا يقبل (يقينية العلم ) وصحة وسلامة الحداثة، وتُقْصيه بعيدًا، وتتهمه بالرجعية والظلامية والعودة للقرون الوسطى، إنها جماعة (تكفير ) جديدة، تكفر (وطـنيًا )، وتبعد وتقصي كل من لا يشاركها الرأي والمعتقد، أنهم مكفرون جدد!

وأخيرًا أجد من النـافع المفيـد أن نتساءل: هـــل نحن ننـــشئ علمًا، أم نقتبس ونستهلك فقط؟ وهل نحن ننشئ حضارة أم نستهلك منتجات حضارة فقط ؟

وأخيرًا هل نحن بحاجة إلى مرجعية، نرجع إليها عندما نختلف أم لا؟ والسؤال الرابع والأخير: هل يمكن حل مشاكلنا بخلق عداء بين العقلية العلمية والعقلية الدينية ؟

يقول د. غليون(1): (إن مشكلة العلم لا تحل بخلق (عداء مطلق) بين وجود العقلية العلمية، والعقلية الدينية أو التقليدية، لأن معنى هذا أنه علينا أن ننتظر القضاء الكامل على الثقافة التقليدية، حتى نصل إلى اكتساب العقلية العلمية وهذا مناف للواقع، واقع العلم والثقافة في الغرب ذاته، فليس هناك ما يمنع تعايش الثقافة العلمية والدينية والأدبية، في كافة المجتمعات، القديمة والحديثة، على حد سواء، ويكفي في ذلك إلقاء نظرة على الحركات الدينية المتجددة في أمريكا ).

الذي يمـكــن تصــوره أن هناك حقيــقة روحــية، وحقــيقة علمــية، ولا تناقض بين الاثنين، إلا إذا أسيء فهم إحداهما أو كلاهما.

رأي شيخ الإسلام في التعارض:

لقد وجدت شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، يدرس قضية التعارض بين القضايا العقلية والنقلية، ثم يضع ميزانًا لذلك(1) إذ يرى أن الحقائق منها ما هو شرعي (نقلي )، ومنها ما هو عقلي، وكل منهما فيه القطعي والظني، وهناك ثلاث قواعد تضبط ذلك:

1- إن القطعيين لا يتعارضان.

2- إذا تعارض قطعي وظني يقدم القطعي، أيّاً كان مصدره.

3- إذا تعارض ظنيان فعلى العــقل أن يسعــى للمفاضـــلة بينهــما، وأن يأخذ بالأرجح.. منهج متوازن لا شطط فيه، أعتقد أنه مقبول لدى كل منصف.

ختــامــًا لقد وجدت الرئيس البوسني (علي عــزت بكوفــتش ) يعــمل مقارنة لطيفة بين الحضارة والثقافة، من حيث الأهداف والوظائف فيرى(2):

أن الثقافة تحتل تأثير الدين على الإنسان.. أما الحضارة فتمثل تأثير الذكاء على الطبيعة.. الثقافة تعني الفن، وأما الحضارة فتعني صناعة الأشياء.. الثقافة صنع مستمر للذات، والحضارة تغيير مستمر للعالم.. الثقافة استمرار للتقدم الإنساني، والحضارة استمرار للتقدم التقني.

الثقافة تقدم مستمر للذات، والحضارة اضطرار للاعتماد على المادة، وفرض لها على الإنسان.. الثقافة تستهدف التقليل من حاجات الإنسان، والتوسع في آفاق الحرية.. حامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع.

الثقافة تحتل القوة الذاتية، والحضارة تمثل قوة على الطبيعة.

الدين والقيم والفكر والآداب، من مكونات الثقافة. والعلم والتكنولوجيا والمدن والدول كلها تنتمي للحضارة..

وأخيرًا: فالحضارة ليست خيرًا بنفسها ولا شرًا، لذا فالمتحضر يمكن أن يكون مستعمِرًا ومستعبِدًا لأخيه، سارقًا لأقوات الشعوب الفقيرة، محطمًا لها، مشعلاً للحروب، مستغلاً تقدمه في تحطيم الآخرين، ومنعهم من التقدم، كي يظلوا سوقًا له ولبضائعه.

فالحضارة ومثلها التقدم، وصف وليس بحكم، فالمتحضر يمكن أن يكون ملكًا رحيمًا، كما يمكن أن يكون شيطانًا رجيمًا، وكذلك التقدم، يمكن أن يكون باتجاه الخير والسلام، ومعاونة الشعوب الفقيرة، والأخذ بيدها، كما يمكن أن يكون وسيلة استعلاء ونهب وسلب، وإشعالٍ للحروب، وفرض لتجارة مثل تجارة الأفيون.

إن أوروبـا النــاهضــة المتقــدمة استعمرت كـافـة القــارات، وخاضت من أجل ذلك في أنهار من الدم، وفعلت في المستعمرات ما يفعله الذئب في فريسته، وكان سلاحها تقدمها وملكَها أسباب القوة وتخلفَ الآخرين.

فليس التحـضـر أو التـقـدم بنــفسه خيـرًا أو شــرًا، ولكن بما يحمل، وبما يحسن أو يسيء من تصرف.

والمتقدم والمتحضر -اليوم- هو من يلوث البيئة، بعشرات الأضعاف مما يفعله المتخلف.. فالمتقدم ليس ملكًا، والمتخلف ليس شيطانًا.

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة