مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

قال تعالى: ((يأَ يُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَـاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَـاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) (الحجرات:13).

من أهم الأسس النظرية التي يقوم عليها علم الاتصال المعاصر، هي النظرية الرياضية للمعلومات (Mathematical theory of Information) التي تعتمد على التعارف بين الأفراد والمجتمعات والحكومات.. ومثلما أن الاتصال يعتمد على اللغة، وهو الذي يسمى بالاتصال اللفظي، فهناك اتصال غير لفظي يؤدي هو الآخر دوراً مهماً، سواء كان مصاحباً ومكملاً للنمط الأول أو مستقلاً.

ولقد تجلى ذلك في كثير من الآيات القرآنية، كما في قول الحق تبارك وتعالى مخاطباً نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا نِسَاء النَّبِي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً )) (الأحزاب:32).

فالخضوع هنا بمعنى إمالة الكلام وإلانته... وهو تعبير مباشر عن نمط الاتصال غير اللفظي، الذي يستخدم خصائص ما وراء اللغة.. والنهي عن تليين الكلام مرتبط بفعالية وتأثير هذه الرسالة غير اللفظية، حتى ولو تناقضت مع ظاهر الكلام، بما تثير من توقعات وآمال عند الفُسَّاق ذوي القلوب المريضة([1]).

فالاتصال معلومات أو أوامر تبث إلى البيئة بهدف التأثير فيها، والسيطرة عليها.. وتقوم العملية الاتصالية على مكونات أساس هي: المرسل أو المصدر، ثم الرسالة، ثـم الوسيلة، فالمتلقي، ورجـع الصدى أو التأثير، مع مراعاة أن تقسيم هذه العملية إلى مجموعة من العناصر يستهدف الشرح والتبسيط، ولا ينفي مدى التركيب والتعقيد، وعدم إمكانية الفصل بين هذه العناصر في الواقع الحقيقي، مع التأكيد أن عملية الاتصال تتسم بالاستمرارية، وتعتمد على مجموعة من العناصر المتصلة والمتداخلة والمتشابكة مع ظروف نفسية واجتماعية تؤثر في النهاية على انتقال الأفكار والمعلومات بين الأفراد والجماعات.

والذي يهمنا من أركان العملية الاتصالية في هذا الكتاب عنصر الرسالة وماهي السمات الإقناعية لها.. فالرسالة هي مضمون السلوك الاتصالي، فالإنسان يرسل ويستقبل كميات ضخمة ومتنوعة من الرسائل، بعضها يتسم بالخصوصية مثل الحركة والإيماءة والإشارة والابتسامة والنظر؛ وبعضها الآخر يتسم بالعمومية مثل الندوات والمحاضرات ورسائل الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون والسينما؛ وبعض الرسائل يتم نقلها بقصد، ورسائل أخرى يتم التعرض لها بالمصادفة، وكلما كان هناك تفاعل وفهم مشترك بين المرسل والمتلقي قاد ذلك إلى فعالية الرسالة؛ وكلما استطاع المتلقي أن يستوفي المرسل لمزيد من الفهم، اكتسبت الرسالة فعالية أكبر([2]).

وهناك عدة أمور يجب أن نأخـذها في الاعـتبار بالنسـبة للرسالة، منها:-

1- لغة الرسالة: وهي مجموعة الحروف والكلمات التي لا تقبل التقسيم وتهدف إلى تكوين بناء متكامل، ومجموعة من العناصر (مفردات اللغة) ومجموعة من الأساليب التي تجمع تلك العناصر في تكوين له معنى.

2- مضمون الرسالة: وهو مادة الرسالة التي يختارها المصدر لتعبر عن أهدافه، فهو العبارات التي تقال، والمعلومات التي تقدم، والاستنتاجات التي نخرج بها، والأحكام التي نقترحها.

3- معالجة الرسالة: تشيـر معالجة الرسـالة إلى القـرارات التي يتخذها المصدر أو المرسـل بالنسـبة للطريقـة التي سـيقدم بها المضمون، فالمصـدر قد يخـتار معلومة معينة ويتجاهل معلومة أخرى، وقـد يكرر الدليل الذي يحـاول أن يثبت به رأيه، وقد يلخص ما يقـوله فـي البدايـة أو فـي النهايـة، ويسـتطيع المصـدر أن يذكر كل الحقائق في رسالته، وقد يترك للمتلقي مهمة تكملة الجوانب التي لم يذكرها في الرسالة.. ويتخذ كل فرد القرارات التي تحقق أهدافه بأفضل شكل متاح.

وتتلخص عناصر نجاح الرسالة الإعلامية، كما يرى الدكتور محي الدين عبد الحليم، في الآتي([3]):-

أ- يجب أن يراعى في الرسالة أن تهم أكبر عدد ممكن من الجماهير المستقبلة، وأن تشعر هذه الجماهير بحاجتها لموضوع الرسالة، وأن تعالج مشاكلهم، وأن تتناول مختلف قضاياهم.

ب- يجب أن تعد الرسالة بما يتناسـب والظروف الخاصـة التي تحكم كل وسيلة إعلامية، لأن الرسالة الإذاعية تتطلب شروطاً قد لا تتطلبها الرسالة الموجهة عن طريق التلفزيون، ذلك أن مستقبل الرسـالة الإذاعية لا يرى الحدث بعينه كما لا يرى المذيع الذي ينقل له ذلك الحدث، وعلى العكس من ذلك فإن مستقبل الرسالة الإعـلامية المنقولة بواسطة التلفزيون يشـاهد لقطات من الحدث كما يشاهد المذيع، وكذلك فإن الرسالة المطبوعة تسـمح إلى حد ما بالإفاضة في شرح تفاصيل الموضوع الذي تنقله، وكذلك فإن الرسالة الشفوية تختلف عن الرسائل التي سبق ذكرها، وهذا يتطلب من المرسل أن يكون متفهماً لطبيعة كل وسيلة، دارساً لأصول استخدامها في الزمان والمكان المناسبين.

ج- يجب مراعاة المستويات المختلفة للجمهور المستقبل للرسالة الإعلامية، فتوجه الرسالة باللغة التي يفهمها هذا الجمهور ويتجاوب مع معانيها، فالرسالة الموجهة لمستويات تعليمية عليا تختلف عن الرسالة الموجهة لمستويات شعبية قليلة الحظ من التعليم والثقافة، وكذلك الرسالة الموجهة للجمهور المحلي الداخلي تختلف عن الرسالة الموجهة للجمهور الخارجي العالمي.

د- يجب ألا تأتي الرسالة متناقضة مع عادات المجتمع وتقاليده، ولكن يجب أن تأخذ الرسالة في اعتبارها اهتمامات الجمهور الذي توجه إليه، ذلك أن الفرد لا يعرض نفسه إلا للموضوعات التي يرغب في التعرض إليها فعلاً، وهو ما يسـمى بالتعرض الانتقائي، كما أنه لا يدرك هذه الموضوعات إلا بالشكل الذي يود إدراكها به، وهو ما يسمى بالإدراك الانتقائي، وأن معظمنا يتذكر المواد الإعلامية التي تؤيد وجهة نظره ونحاول أن نتجاهل المعـلومات المخالفة لآرائنا، وهو ما يسمى بالحفظ أو التذكر الانتقائي.

هـ- يجب أن تتميز الرسالة الإعلامية بالبساطة والوضوح، وأن تسـتبعد منها العبارات والألفاظ المعقدة والغامضة، لأن الإعلام يعتمد على الكلام الواضـح البسـيط، أياً كان نوع الرسالة الإعلامية الموجهة؛ وليست الرسالة الإعلامية الناجحة هي التي تصاغ عباراتها بمهارة أو طلاقة لغوية فائقة ثم تترك عالم الواقع وتحلق في أجواء الخيال.

الاستمالات المستخدمة في الرسالة الإقناعية

يرتبط محتوى الرسالة عادة بالقدرة على الإقناع، فقد كان أفلاطون يعرف البلاغة بأنها "كسب عقول الناس بالكلمات". وكان أرسطو يرى أن البلاغة هي: "القدرة على كشف جميع السبل الممكنة للإقناع في كل حالة بعينها".

ويتحدث العلماء عن ثلاثة أنواع أساسية من الاستمالات التي توجد بالرسالة الإقناعية هي: الاستمالات العاطفية، الاستمالات العقلانية، واستمالات التخويف.. وفيما يلي استعراض لكل منها، مع إيراد بعض النماذج من القرآن الكريم([4]).

1- الاستمالات العاطفية:

تستهدف الاستمالات العاطفية التأثير على وجدان المتلقي وانفـعالاته، وإثارة حاجاته النفسـية والاجتماعية، ومخاطبة حواسه بما يحقق أهداف القائم بالاتصال.. وتعتمد الاستمالات العاطفية على ما يلي:-

أ- استخدام الشعارات والرموز، وتعتمد في ذلك على خاصية التبسيط لعملية التفكير واختزال مراحـله المختلفة عن طريق إطلاق حكم نهائي في شكل مبسط، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قول الحق عز وجل: ((يَسْـأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ )) (البقرة:189)، فالشعارات هي عبارات يطلقها القائم بالاتصال لتلخص هدفه في صيغة واحدة ومؤثرة بشكل يسهل حفظها وترديدها، أما الرموز فتشير إلى تنظيم التجارب الإنسانية في مجموعة من الرموز التي تلغي صناعياً التباين بين الأفراد في عالم الواقع، ويصبح التفاهم ممكناً على أساس هذه الرموز العامة التي حلت محل التجارب الفردية وأصبح لها مدلول عام متفق عليه بين أفراد الجماعة.

ب- استخدام الأساليب اللغوية، مثل التشبيه والاستعارة والكناية أو الاستفهام، الذي يخرج عن كونه استفهاماً حقيقياً إلى معنى آخر مجازي كالتوبيخ والتبكيت، وكل الأساليب البلاغية التي من شأنها تقريب وتجسيد وجهة نظر القائم بالاتصال، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ((قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً)) (مريم:4)، وقولـه تعالى: ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَـابِدونَ)) ( البقرة: 138)، وقوله تعالى: ((أَفَسِحْرٌ هَـذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ)) (الطور:15)، وقولـه تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)) (الطور:30)، وقوله تعالى: ((أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ )) (الطور:32).

ج- دلالات الألفاظ، وهي من أساليب تحريف الكلم عن مواضعه اعتماداً على الألفاظ المستخدمة، ويمكن تطبيق ذلك باستخدام كلمة أو صفة أو فعل، تكون محملة بمشاعر معينة قد تكون سلبية تضفي نوعاً من الرفض على الاسم أو الفاعل المصاحب لها مثل استخدام صفات (التخريبية) أو أفعال مثل: ادعى، زعم، اعترف؛ وقد تكون إيجابية مثل: المعتدل، النشط.. ويلاحظ أن بعض هذه الألفاظ في أصلها اللغوي محايدة كلفظ (ادعى) إلا أن معيار الحكم هو ما جرى العرف عليه في استخدام اللفظ، وهو ما يطلق عليه علماء اللغة: (الحقيقة العرفية للفظ).. كذلك يمكن استبدال الكلمة بكلمة أخرى لها دلالة معنوية، ويقصـد بالدلالـة المعنوية انتـقال الذهن من مفهـوم اللفـظ إلى ما يلازمه، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ((وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأْنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ)) (الأنعام:136)، وقوله تعالى: ((وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ)) (القصص:64)، ((وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)) (القصص:74)، ((زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ)) (التغابن:7).

د- صيغ أفعل التفضيل، وذلك لاستخدامها لترجيح فكرة معينة أو مفهوم ما، وفي القرآن الكريـم قـول الحق عـز وجل: ((يا صَاحِبَي السّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) (يوسف:39)، وقولـه تعالى: ((أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ)) (الدخان:37)، وقوله تعالى: ((وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ)) (الزخرف:32)، وقوله تعالى: ((أأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)) (البقرة:140).

هـ- انتقاء ما يدل على أن الرأي أو الحكم حقيقة، وذلك على الرغم من عدم الاتفاق والإجماع عليه، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَـارَى وَالصَّـابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَعَمِلَ صَـالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونََ)) (البقرة: 62)، فالنصارى واليهود المذكورون في هذه الآية هم من آمن بموسى وعيسى قبل بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد البعثة فهم كفرة لا ينطبق عليهم هذا الرأي أو الحكم الرباني، ومن ذلك الآية (47) سورة المائدة، حيث يقول الحق عز وجل: ((وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَـاسِقُونَ))، وهذا في حـكم الزمان قبل أن ينسخ الإنجيل بالقرآن، أما وقد استبانت الأمور وتمايزت الصفوف بعد نزول القرآن فيجب أن يرجع الجميع إلى حكم كتاب الله الذي أنزله على سيدنا محمـد صلى الله عليه وسلم.

و- الاسـتشهاد بالمصادر، وهي تستغل حب التشبه بمن هو أكثر أو أعلى سلطة أو من يحظى بمصداقية عالية من جانب المتلقي. وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ((فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)) (الأنبياء: 58)، ((قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ )) (الأنبياء:63).

ز- معاني التوكيد، وهي العبارات والألفاظ التي تستخدم لتشديد المعنى.. مثل قوله تعالى: ((لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) (آل عمران:188)، وقوله تعالى: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَـاسِقِينَ)) (التوبة:80).

ح- استخدام غريزة القطيع، ويقصد بها، استغلال الضغط الذي يجعلنا نتوافق مع الجماعة المرجعية التي ننتمي إليها، ويطلق عليها العدوى النفسية، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرائيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) (يونس:90).

وقولـه تعالى: ((فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)) (العنكبوت:65)، وقولـه تعالى: ((وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ فَلَمَّا نَجَّـاهُمْ إِلَى الْبَرّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) (لقمان:32).

2- الاستمالات العقلانية:

وهي تعتمد على مخاطبة عقل المتلقي، وتقديم الحجج والشواهد المنطقية وتفنيد الآراء المضادة بعد مناقشتها وإظهار جوانبها المختلفة.. وتستخدم في ذلك:-

أ- الاستشهاد بالمعلومات والأحداث الواقعية.

ب- تقديم الأرقام والإحصاءات.

ج- بناء النتائج على المقدمات.

د- تفنيد وجهة النظر الأخرى.

وهناك أمثلة عديدة من الآيات القرآنية التي استخدمت هذا النوع من الاستمالات، من ذلك قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رِبّهِ أَنْ آتَـاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبّيَ الَّذِي يُحْيي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّـالِمِينَ)) ( البقرة: 258)؛ وقـولـه تعالى: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْي هَـذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِيرٌ)) (البقرة:259).

3- استمالات الخوف:

تشير هذه الاستمالة إلى النتائج غير المرغوبة التي تترتب على عدم اعتناق المتلقي لتوصيات القائم بالاتصال.. وتؤدي إلى جعل المتلقي يستجيب للرسالة في حالتين:

الأولى: شدة الإثارة العاطفية، التي تشكل حافزاً لدى المتلقي للاستجابة لمحتوى الرسالة.

الثانية: توقعات الفرد بإمكان تجنب الأخطار وبالتالي تقليل التوتر العاطفي عند الاستجابة لمحتوى الرسالة.

وتوجد ثلاثة عوامل تؤثر على شدة الإثارة العاطفية في هذا النوع من الاستمالات، هي:-

أ- محتوى الرسالة: إذ يجب أن يكون لمحتوى الرسالة معنى عند المتلقي حتى يستجيب للهدف منها ويحدث التوتر العاطفي، فالناس يميلون إلى تجاهل التهديدات، حتى تظهر علامات واضحة على خطورتها.

ب- مصدر الرسالة: إذا نظر المتلقي إلى القائم بالاتصال باعتباره غير ملم بالمعلومات الكافية فسوف يرفض توقعاته، وبهذا تفشل الرسالة في إثارة ردود فعل عاطفية؛ وإذا شعر المتلقي أن القائم بالاتصال يبالغ في التخويف فإنه قد يتجاهل ما يقوله.

ج- خبرات الاتصال السابقة للمتلقي: حيث أشارت بعض الدراسات إلى أنه حينما يتعرض بعض الناس لرسائل تثير (الخوف) والتوتر، يقل جانب الخوف لديهم، إذا سبق أن تعرضوا لرسائل مشابهة، فالتعرض السابق للمعلومات يؤدي إلى نوع من التحصين العاطفي، ذلك أن عنصر المفاجأة يزيد من درجة الإثارة العاطفية التي تحدثها الأنباء السيئة.

ويقوم استخدام استمالات التخويف أو التهديد على الفروض الآتية:-

أ- استخدام هذه الاسـتمالات يؤدي إلى إحسـاس الفرد بالتوتر، نتيجة لزيادة الإحساس بالخوف أو الشعور بالعزلة، التي تركز عليها رموز الرسالة.

ب- الإحساس بالتوتر - في هذه الحالة - يشكل حافزاً للفرد على تجنب الخطر أو النتائج غير المرغوبة.

ج- سوف يستجيب الفرد، بتأثير الحافز، إلى أي توصيات تجنبه هذا الخطر أو النتائج غير المرغوبة.

د- من خلال التجريب والتدعيم، تتحول الاستجابات من ثمّ إلى عادات سلوكية تتفق مع أهداف القائم بالاتصال.

ويمكن استخلاص بعض الفروض الخاصة ببناء الرسالة، التي تشير إلى التهديد أو التخويف من مثل:-

أ- اقتراب التهديد من المتلقي شخصياً يزيد من حالة التوتر، وهذا مما يضفي على التهديد معنىً ذاتياً.

ب- يرتبط التهديد بالاقتراب الزماني، فاحتمال الحدوث لايعطي أثراً واضحاً مثل الحدوث الفعلي، وكذلك لايعطي المتلقي اهتماماً بالأحداث البعيدة الحدوث، فالفرد يميل إلى تجاهل التهديد أو التخويف حتى تظهر مؤشرات واضحة وقريبة بالخطر الذي يعبر عنه التهديد.

ج- هناك علاقة ارتباطية عكسية بين قدر التهديد والاستجابة إلى توصيات الرسالة، لأن المبالغة في التهديد قد تثيـر التحدي لدى المتلقي، أو تجعله يتجنب الرسائل التي تشير الى هذا التهديد.

د- وضوح الرسالة يؤدي الى إمكانية تنفيذ توصياتها، وهذا يختلف عن وضوح وظهور الخطر أو غموضه، لأن غموض الخطر وعدم معرفة المتلقي بأبعاده يزيد من توتره أكثر من التهديد المعروف.

هـ- كلما كانت التوصيات في حدود قدرات المتلقي وإمكانياته كلما كان من السهل تنفيذها والالتزام بها.

وفي القرآن الكريم نجد أمثلة كثيرة على ذلك، منها:

- الآيات التي وردت بشأن الربا ومن ذلك قوله تعالى: ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) (البقرة:275).

- ومنها آيات سورة المائدة، قال تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) (المائدة:38) وقولـه تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)) (المائدة: 95)، وقوله تعالى: ((اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) (المائدة: 98).

وغير ذلك من الآيات الكثيـرة، التي اسـتخدمت هذا النوع من الاستمالات لبيان معاني محددة وأحكاماً ذات صلة بالقضايا الدينية والدنيوية.

أساليب الإقناع المستخدمة في الرسالة الاتصالية

تتنوع وتتعدد الأساليب المستخدمة في الرسالة لإقناع المتلقي بمضمونها؛ فأساليب عرض المحتوى تؤثر على التعليم والإقناع، وهناك العديد من الاعتبارات التي تؤدي الى اختـيار أسـلوب معين لتقديـم النص الإعلامي، واسـتخدام نوع معين من الاستمالات، بما يتوافق وطبيعة الموضوع وخصائص جمهور المتلقين.. ومن تلك الأساليب الإقناعية:

1- وضوح الأهداف مقابل استنتاجها ضمنياً:

الإقناع يكون أكثر فعالية عند ذكر أهداف الرسالة أو نتائجها بوضوح، لذلك يجب أن لا نترك للجمهور عبء استخلاص النتائج بنفسه.. وقد أسفرت نتائج الدراسات والبحوث التي أجريت على الجمهور، فيما يتعلق بتغيير الاتجاهات، عن أن الذين غيـروا اتجاهاتهم بما يتوافـق وأهـداف الرسـالة بلغت الضـعف حينما قدم المتحدث نتائجه بشكل محدد، وذلك بالمقارنة إلى نسبة الذين غيروا اتجاهاتهم بعد أن تعرضوا لرسالةٍ ترك المتحدثُ نتائجها يستخلصها الجمهور.

وفي الواقع فإن القرآن جاءت آياته كلها واضحة الأهداف.

ومما يجدر ذكره أن هذه الأساليب والاعتبارات قد تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تتجاوز مستوى الوضوح مقابل الضمنية، فهي أيضاً تتوقف على ظروف أخرى كثيرة مثل:

أ- مستوى تعليم وذكاء المتلقي.

ب- درجة أهمية الموضوع أو ارتباطه بالمتلقي.

ج- نوع القائم بالاتصال.

فالملاحظ أنه كلما زاد ذكاء المتلقي وتعليمه كان من الأفضل ترك الهدف ضمنياً.. وإذا كان الموضوع مهماً للمتلقي فسوف تتوفر لديه معلومات كثيرة عنه، الأمر الذي يجعله يدقق ويتفحص رسائل القائم بالاتصال وأهدافه، وبالتالي يصبح تركه يستخلص النتائج بمعرفته أكثر فعالية، كذلك إذا كان القائم بالاتصال محل شكوك المتلقي فإن تأثيره سوف يقل إذا قدم الرسالة بشكل محدد، ويمكن ملاحظة ذلك في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح في الآيات من (66) - (80) من سورة الكهف.

2- تقديم الأدلة والشواهد:-

يقول الله تعالى: ((أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأْرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) (الغاشية: 17-20).

يسعى معظم القائمين بالاتصال إلى دعم رسائلهم الإقناعية بتقديم أدلة أو عبارات تتضمن إما معلومات واقعية أو آراء منسوبة إلى مصادر أخرى غير القائم بالاتصال.. ويمكن تقديم بعض التعميمات حول تأثير تقديم الأدلة والشواهد، منها:

أ- يرتبط استخدام الأدلة والشواهد في الرسالة بإدراك المتلقي لمصداقية المصدر، فكلما زادت مصداقية المصدر قلَّت الحاجة لمعلومات تؤيد ما يقوله.

ب- تحتاج بعض الموضوعات أدلة أكثر من غيرها، خاصة تلك الموضوعات التي لا ترتبط بالخبرات السابقة للمتلقي.

ج- يقلل التقديم الضعيف للرسالة من وقع وتأثير أي دليل.

د- تقديم الأدلة يكون وقعه أكبر على الجماهير الذكية، أي أولئك الذين يتوقعون إثباتاً للأفكار المعروضة عليهم.

هـ- يتوقف تأثير الدليل على ما إذا كان المتلقون يعتبرونه صحيحاً أو غير صحيح.

3- عرض جانب واحد من الموضوع مقابل عرض الجانبين، المؤيد والمعارض:

وجد بعض الباحثين أن تقديـم الحجـج المؤيـدة والمعارضة في الموضوع الواحـد أكثر فعالية وأقدر على التعبير لدى الفرد المتعلم، وحيـن يكون الجمهور متردداً فإن تقديـم الجانبيـن يكون أقوى أثراً.

يقول الله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَـانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَـاوَاتِ وَالأْرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)) (البقرة:30-33).

ولذلك نجد أن الآية رقم (34) في سورة البقرة تؤكد أن الملائكة قد وصلوا إلى قناعة بالطرح الرباني، فحينما أمرهم بالسجود لآدم عليه السلام أقبلوا دون تردد، قال تعالي: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) (البقرة:34).

وفي المقابل يكون التركيز على جانب واحد من الموضوع أكثر فعالية على تغيـير آراء الأفراد الأقل تعليماً، أو الأفراد المؤيدين لوجهة النظر المعروضة في الرسالة، حيث يصبح تأثير الرسالة في هذه الحالة تدعيماً.

4- ترتيب الحجج الإقناعية داخل الرسالة:-
يشار إلى الرسالة التي تحتجز أقوى وأهم الحجج إلى النهاية بأنها تستخدم في ذلك ترتيب الذروة، أو تأثير النهاية، أما الرسالة التي تقدم الحجج الأقوى في البداية فهي تتبع تأثير عكس الذروة أو تأثير البداية.. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه ليس هناك قاعدة أو قانون عام لترتيب الحجج في عملية الإقناع، فقد ذهبت بعض الدراسات إلى أن الحجج التي تُقدم في البداية تأثيرها أقوى من الحجج التي تقدم في النهاية، بينما أظهرت دراسات أخرى نتائج عكس ذلك.. ويرى بعض الباحثين أن تأجيل الحجج الأقوى حتى النهاية أفضل من تقديمها في البداية، ولنا أن نلاحظ ترتيب الحجج في القرآن الكريم، كما في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمرود، حيث جاءت الحجة القوية في نهاية الأمر: ((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) (البقرة: 258).

5- استخدام الاتجاهات والاحتياجات الموجودة لدى الجماهير:
يرى علماء الاجتماع أن الجمهور يكون أكثر استعداداً لتدعيم احتياجاته الموجودة عن طريق تطويره لاحتياجاتٍ جديدة عليه تـماماً؛ بمعنى أن الرسالة تكون أكثر فعالية حينما تجعل الرأي أو السلوك الذي تعرضه يبدو للجمهور على أنه وسـيلة لتحقيق احتياجاته الموجودة فعلاً، وفي القرآن الكريم يقول تعالى: ((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ)) (المائدة:112-113).

6- التكرار:

يرى عدد من علماء الاتصال أن تكرار الرسالة من العوامل التي تساعد على الإقناع؛ ذلك أن التكرار يؤدي إلى تذكير المتلقي باستمرار بالهدف من الرسالة، ويثير في الوقت نفسه احتياجاته ورغباته. وفي القرآن الكريم نجد الكثير من الآيات والقصص قد تم تكرارها، وخير مثال لذلك قصة سيدنا موسى عليه السلام.

فهذه هي استمالات وأساليب الإقناع التي اتفق حولها كثير من الباحثين في هذا المجال، ويوصي عدد منهم بضرورة اختيار الرموز اللغوية الواضحة والمفهومة والمألوفة، والبعد عن الألفاظ أو الرموز المهجورة، مع مراعاة خصائص الجمهور فيما يتعلق باستخدام قواعد النحو والصرف، والأساليب البلاغية، وهذا كله مما يؤثر على يسر القراءة وسهولة التعرض للوسيلة الإعلامية، ولكن مما يثير الجدل شيوع الاعتقاد بأن اللغة الانفعالية تعتبر أحد الأساليب المهمة في الإقناع، وبالتالي يعتبر مستوى اللغة الانفعالية أحد الخيارات المطروحة في الرسائل الإقناعية.



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) محمد كامل عبد الصمد، الإعجاز العلمي في الإسلام، الطبعة الثانية ( القاهرة: الدار المصرية اللبنانية ، 1993) ص16.

([2]) حسن عماد مكاوي، ليلى حسين السيد، مرجع سـابق، ص48-49.

([3]) محي الدين عبد الحليم، الإعلام الإسلامي وتطبيقاته العملية، الطبعة الثانية ( القاهرة: مكتبة الخانجـي، 1984م) ص34-35.

([4]) لحصر الاستمالات والأساليب المستخدمة في الرسالة الإقناعية تم الرجوع إلى المراجع الآتية:

- حسن عماد مكاوي وليلى حسين، نظريات الإعلام المعاصر، مرجع سابق، ص32.

- محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير، مرجع سابق، ص321-334.

- عصام سليمان، المدخل في الاتصال الجماهيري، مرجع سابق، ص217.

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة