الحمد لله الذي أنشأنا من الأرض واستعمرنا فيها، القائل:(فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف )(قريش:3-4)، حيث اعتبر الاطمئنان الإنساني إحدى نعم الله لا يتوفر إلا بتحقيق الأمن الغذائي، والأمن السياسي.. وهذه النعمة تقتضي التأمل المستمر والتفكر الدائب للتعرف على المنعم الحقيقي، واستحقاقه العبادة وإفراده بها، شكرًا له ورجاء استمرارها ودوامها.. وتحصيل هذه النعمة مرهون بنية الإنسان، وعزيمته وكسبه، فالله سبحانه وتعالى امتنَّ على قريش، كأنموذج بشري، بما توفر لها من الأمن في حركتها وتجارتها، وما تحقق لها من الكسب المادي، الذي يدفع عنها حاجتها، ويدعوها للتطلع والتعرف على المنعم وتحقيق العبودية له.

والصلاة والسلام على الرسول المعلم، الشاهد على الناس، الذي انتهت إليه أصول الرسالات السماوية جميعًا، واجتمعت له عبرة التجارب البشرية على مدى تاريخها الطويل، القائل: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي، أن نَفْسًا لنْ تموتَ حتى تَستكْملَ أجلها، وتَستوعبَ رِزقَها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطَّلبِ، ولا يَحملنَّ أحــدَكم استبطــاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَهُ بمعصيــةِ الله، فـإن الله تعــالى لا ينالُ ما عندَهُ إلا بطاعتهِ ) (رواه أبو نعيم في الحلية)، وبذلك جعلت قضية الأجل ومشكلة الرزق، اللتان تشكلان المحور الأساس لقلق الإنسان وهواجسه، وتقبعان وراء الكثير من سلوكه وصراعاته، مرتبطتين بواهب الحياة، وخالق الكون محل الرزق، ومتحصلتين بحركة الإنسان وسعيه، وبعد:

فهذا كتاب الأمة الثامن والستون: (أضواء على مشكلة الغذاء بالمنطقة العربية الإسلامية)، للأستاذ عبد القادر الطرابلسي، في سلسلة كتاب الأمة، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في تحقيق وعي المسلم برسالته واسترداد دوره في إلحاق الرحمة بالناس، وتقديم الأنموذج العملي، الذي ما يزال غائبًا بالأقدار المطلوبة، والتدليل على خلود القيم الإسلامية وتجردها عن حدود الزمان والمكان، وذلك بإثبات قدرتها على الإنتاج في كل حين، والعمل على امتلاك الوسائل المتقدمة والمتطورة لإظهار الدين وإبراز إمكاناته في معالجة أزمة الحضارة الإنسانية وحل مشكلة الإنسان، وإيقاف دواعي تسلط الإنسان على الإنسان، مصدر الشر في العالم، والقضاء على أسباب القلق النفسي والصراع الطبقي، وتحقيق الأمن من الخوف مهما كان مصدره، وتوفير الأمن الغذائي، وتخليص الإنسانية من ويلاتها التي تتركز حول هاتين المشكلتين وربطهما بخالق تلك النعم، وتأهيلها لعبادته كما شرع، واعتبار أنماط السعي والسلوك البشري مؤثرًا في تحقيق الأمن من الخوف والإطعام من الجوع.

لقد آن الأوان بعد هذه الفترة الطويلة من السعي لتحقيق الذات والمواجهات والتجارب المضنية، أن تتلمس الصحوة الإسلامية طريقها، وتراجع مسالكها، وتصوب أفعالها، وتفيد من تجاربها، وتتلمس الحكمة حيث تجدها، وتتحول من الفكر إلى الفعل، ومن الاكتفاء بممارسة التدين -ثقافةً- عند بعض أفرادها إلى ممارسته عبودية وعبادة أيضًا، والانتقال من السير خلف المجتمع والاكتفاء بالحكم على أفعال الناس والإدانة لممارساتهم، إلى الإمام الاجتماعي وتقديم الفعل المثير للاقتداء، ومحاولة التوسع في دوائر الخير الموجودة في المجتمعات الحالية بقدر الاستطاعة، والتعامل مع مشكلات الناس عن قرب، من خلال اجتهاد متبصر بالعواقب، والتوظيف الأفضل للاستطاعات المتوفرة، والقناعة بأنه لا بد أن نكون نحن أدوات التغيير والإصلاح في الدوائر التي نملكها، وعدم التطاول إلى ما لا نملك على حساب تفريطنا بما نملك لتسويغ قصورنا وعجزنا، وإعادة النظر في مسلمات كثيرة تحكم حياتنا، ونماذج تديننا لم ننزلها منازلها الصحيحة، أو لم نستوعبها حتى كادت تتحول إلى معوقات.

فمسلمة: خذوا الإسلام جملة أو دعوه، مسلمة لا بد من استيعابها، فأخْذُ الإسلام جملة على مستوى الإيمان والتصور أمر صحيح لا شك فيه، والكافر ببعضه كالكافر بكله، لكن ذلك على مستوى الاستطاعات وأقدار التدين التي ترتفع وتنخفض كلام محل نظر! وفهم كيفية ممارسة التدين في ضوء الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة، قضية على غاية من الأهمية.. لذلك فالحاجة مستمرة إلى البحث والمداولة.

ولا نحسب أن الذي بذل استطاعته في التطبيق للقيم الإسلامية، وقضى قبل أن يستكمل جميع الأحكام: (فاتقوا الله ما استطعتم )(التغابن:16)، لم يطبق الإسلام، إذا كان ينوي ويتطلع للوصول إلى حالة الكمال والاكتمال.

ولعل من المفارقات الخطيرة في هذا السياق، أن أعداء الإسلام بدأوا يستخفون ويستغلون بعض التصورات عند بعض العاملين للإسلام ليقـــولوا بأن: المجتمعـــات الحالية غير مهيــأة لتطبيق القيم الإسلاميـــة أو الشريـــعـة الإسلامـــيــة، وأنه لابد من تحضـيرها. وطبعًا تحضــيرها -في نظرهم- يتم من خلال تطبيق قيم أخرى غير القيم الإسلاميـة! ولا ندري حقًا كيف يمكن أن تحضر المجتمعات بتطبيق قيم غير إسلامية، لتصبح مهيأة لتطبيق القيم الإسلامية ؟!

ولا نرى حاجة لإعادة القول: بأن الإسلام يتعامل مع الإنسان من حيث هو، وبمقدار استطاعته، فإذا استنفد الإنسان أو الجماعة أو المجتمع استطاعته تمامًا فقد طبق الإسلام الذي وقع التكليف به في ضوء استطاعته، وما خرج عن استطاعته لا يقع به التكليف أصلاً.

لذلك نرى أن التقدم والدخول في دوائر المجتمع المدني، والتوسع بجوانب الخير فيه، وتقديم الرؤية الإسلامية لمشكلاته، وممارسة تطبيقها بالأقدار الممكنة وبالأسلوب الشرعي، وتفكيك القيود التي أصبحت كالمسلَّمات والأقدار المنزلة في شل حركة الدعوة إلى الله، أصبح من الأولويات، فالمسلم الحق هو الذي يفكر دائمًا بالفرار من قدر إلى قدر أحب إلى الله، ويكون قادرًا على معرفة المتاح وكيفية التعامل معه.

وفي اعتقادنا أننا لا نستطيع أن نتقدم باتجاه المجتمع والانخراط في مؤسساته، وتقديم رؤية إسلامية لحل مشكلاته، والتوسع في دوائر الخير فيه وتنميتها، وتقديم النماذج المثيرة للاقتداء، من خلال التمني والرغبات: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به )(النساء:123)، بعيدًا عن امتلاك الوسائل المتقدمة، وذلك ما لا يتحقق إلا بإحياء الفروض الكفائية، وإشاعة التخصص في الجوانب العلمية والمعرفية المتعددة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في التخصص النوعي، الذي يلتزم خلق المعرفة وينضبط بهدف العلم في إطار مرجعية القيم الإسلامية، حيث يصبح التخصص في خدمة العقيدة، ذلك أن التحصن بالقيم قد لا يحل كل المشكلة إذا لم نكن قادرين على توليد البرامج والرؤى التي تتقدم باتجاه مشكلات الأمة، من خلال التوفر على الاختصاصات الدقيقة.

والأمر الذي قد يدعو للحيرة حقًا، أن الثغور المفتوحة في المجتمع في شتى المجالات، أكثر من أن تحصى، وجميعها يستدعي المرابطة من المتخصصين المتميزين، الذين يمتلكون الرؤية الثقافية الإسلامية والمرجعية الشرعية، والبصارة بقضايا المجتمع، والتخصص بالعلوم المختلفة، ومع ذلك نرى الكثير من العاملين في الحقل الإسلامي تضيق عليهم الأرض بما رحبت، وتضيق بهم أنفسهم، وينسحبون من هذا الفضاء الذي يحقق الارتقاء ويلحق الرحمة ويعظم الأجر، ويحبسون أنفسهم في دوائر ضيقة، تحمل العنت، وقد تضيع الأجر والعمر معًا.

ولعل من الأمور الملفتة أيضًا، أو من الإصابات المزمنة، أن الكثير من المتخصصين الذين أفنوا أموالهم وأعمارهم في تخصصات على غاية من الأهمية في بناء المجتمع والارتقاء به وتحقيق الكفاية له، ونتيجة لرؤية حسيرة في إدراك الأولويات، يغادرون اختصاصاتهم باسم الدين والتدين، إلى الدخول والتقـحم في معالجة قضايا واعتلاء منابر لم يعدوا لها، وحسبنا أن نقول: إنهم عجزوا عن تحقيق الرؤية الإسلامية في ميادين الاختصاص، فانسحبوا من المجتمع إلى إشغال مواضع ليست لهم، ولا من اختصاصهم، وتركوا تلك الثغور مفتوحة، ومع ذلك لا يتورعون عن إدانة المجتمعات القائمة ووصمها بالسعي لفصل الدين عن الحياة، وينسون أنهم جعلوا أنفسهم وممارساتهم أدوات ووسائل لهذا الفصل، سواء برؤيتهم أو بواقع حالهم.

وهذه الحالة المَرَضِيــّــة التي ما تزال تتقدم في المجتمعات الإسلاميـــة، بسبب من التوارث الاجتماعي، لم تنج منها بعض مؤسســــات العمل الإســــلامي، بل نكاد نقول: إنها تكرســها، تستدعي الصـــورة المقابلة البائسة والمحزنة حقًا، وهي محاولة التقحم التي ما يـــزال يمارســـها بعض الدعاة، حيــث يُدخل نفســــه في بحث ومعـــالجة قضــــايا ليـــست من اختصاصه ولا من اهتمامه ولكن من ادعـــائه.. وهكذا تتقاطع خيوط الحياة وتضـــطرب في النسيج الاجتماعي الإسلامي، وتنعدم الرؤية، ويسود سوء التقدير، ويعم التقليد والركود، وينمو التخلف وتهدر الطاقات.

وما لم نُعِدِ النظر في طرائق بناء الإنسان وكيفيات تشكيله الثقافي، ونبصر المواقع والثغور المفتوحة، ونشيع التخصصات في مجالات الحياة المتعددة، ونستشعر أن النفرة للفقه فيها دين من الدين، ونحقق الرؤية الإسلامية لضبط مسيرة العلم، وتحديد أهدافه، وبناء نظام معرفي إسلامي، ونتحقق بقدر من الحرية على الأقل في مناخ العمل والمؤسسات الإسلامية، التي تنعى على غيرها فقدان الحرية والشورى ولا تمارسها بالأقدار المطلوبة، ونحقق الاصطفاء المسلكي، فتختار الأعمال أصحابها، ونختار للناس أعمالهم التي تلائمهم، ونعيد نسيج المجتمع وتكامل وظائفه، فستبقى خطبنا وشعاراتنا صيحة في واد، وتستمر الحالة التي يكثر فيها الخطباء ويغيب عنها الخبراء.

لذلك نقول: إن جميع المشكلات والأزمات التي تعاني منها البشرية، هي في الحقيقة مشكلات من صنع الإنسان نفسه، والإنسان فيها هو الجاني وهو الضحية في الوقت نفسه، وأية معالجة للمشكلات والأزمات بعيدة عن التفكير بإعادة صياغة الإنسان وتحصينه بالعقيدة الصحيحة، التي تمنحه الثقافة والرؤية للكون والحياة، التي تنبع من داخله وتتلاءم مع قناعاته وتحقق إنسانيته، وتمنحه كيفيات التعامل، وتشعره بالرقابة والمسؤولية عن مسالكه فيما يفعل وما يدع، فسوف تبوء بالفشل، وتعالج الآثار وتغفل الأسباب.

ولعل مشكـــلة الغذاء بالذات، الذي هو قـــوام الحياة، تعتبر من أخطر المشكلات التي رافقت الإنسان في تاريخه الطويـــل منذ فجر البشرية، وما كانت تمتلك من وسائل الكســـب البسيطة، وحتى الوقت الحاضر، على الرغم من كل التطـــورات والتقنيات الهائلة التي توفرت في هذا المجال.

وقد يكون الكثير من الأزمات الإنسانية الأخرى هي في الحقيقة ثمرة لأزمة الغذاء، بل لعل من أسباب الحروب الرئيسة والصراعات الدولية والإقليمية، ما يسمى بالدوافع الاقتصادية للحروب والفتوحات.. وقد تكون الفلسفات المتعددة للتعامل مع الطبيعة والبيئة المحيطة، وسوء أو حسن التعامل معها، مشبعة بالدوافع الاقتصادية وكيفية التعامل مع مشكلة الغذاء.. فالصراع الطبقي، والاحتكارات العالمية، والاستعمار وتسلط الإنسان على الإنسان، الذي هو مصدر الشر في العالم، من أسبابه الأثرة والدافع الاقتصادي، وسيطرة نزعة التملك والخوف من المستقبل، لدرجة لم تر معها بعض المذاهب والفلسفات المادية بعدًا آخر للحياة ودافعًا آخر للحروب والفتوحات إلا هذا العامل.

لذلك فقد لا يكون غريبًا أو مستغربًا أن العقيدة والتربية الإسلامية ركزت على الإنسان وإعادة صياغته، وبناء رؤيته للحياة، وتنظيم مسالكه في التعامل معها، أكثر من التركيز على أشيائه.. وتمحور التركيز على ما يمكن اعتباره من أخطر مشكلات الإنسان التي تساهم بقلقه وتنغيص حياته وشقوته، وفي مقدمة هذه المشكلات مشكلة الرزق أو الغذاء ومشكلة الحياة، حيث جعل الله الإيمان بأنها قدر مكتوب ومستقبل مضمون، من أركان الإيمان وبناء الإسلام.

فقال تعالى:(وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) (هود:6)، وقال: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (الذاريات:22)، وأقسم الله سبحانه وتعالى أن هذا الرزق المخزون يقين وحق سوف يتحقق بشكل مُحَسّ، كمثل النطق الذي أمكن الله الإنسان منه بقدر وخلق أعضاءه، حق يحس به كل إنسان: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون ) (الذاريات:23). فالفهم الإسلامي السليم، أن النطق لا يتحصل إلا بتشغيل جهازه، وأن الرزق لا يكسب إلا بفعل صاحبه.

وجاءت السنة المبينة لتؤكد هذه الرؤية والفلسفة لقضية الرزق. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي، أن نَفْسًا لنْ تموتَ حتى تَستكْملَ أجلها، وتَستوعبَ رِزقَها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطَّلبِ، ولا يَحمــلنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَهُ بمعصيــةِ الله، فإن الله تعــالى لا ينــالُ ما عنـــدَهُ إلا بطاعـتهِ ) (رواه أبو نعيم في الحلية).

فالرزق مضمون من الله، والسعي لتحصيله مرتبط بالإنسان:

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى

هلكــن إذن من جـهلهن البهائم

وضمان الرزق من الله لا يعني التواكل والقعود عن طلب الرزق، وإنما هو وعد وضمان من الله للإنســان أنه إذا تحـــرك يتحقق المطلوب.. وهذا التحرك في طلب الرزق، جُعل عبادة وتكليفًا شرعيًا في الرؤية الإسلامية.

والإسلام الذي ربط قضية الرزق بعقيدة القدر، أطَّره بالوضع الخلقي وحسن الممارسة في تسخير الطبيعة وكيفية التعامل مع عطائها، وأقام العلاقة التعادلية والتبادلية بين القيم الخلقية والوفرة الاقتصادية، ذلك أن القيم الخلقية الإسلامية تدفع إلى العمل، وتعتبره من أفضل الكسب، كما أنها تحمي الممارسة من العبث والهدر والعدوان.. والنصوص في ذلك ووقائع الممارسات من عصر النبوة وجيل خير القرون أكثر من أن تحصى، والقصص القرآني الخالد المجرد عن حدود الزمان والمكان يقدم العبرة المستمرة عن ذلك الارتباط بين القيم الخلقية بكل أبعادها والوفرة الاقتصادية، كما يؤكد على أن الانحلال الخلقي يسبق الانهيار الاقتصادي، وكيف أن العلاقة بينهما تلازمية، وأن اضطراب هذه العلاقة سبيل انقراض الأمم وسقوط الحضارات وتحكم الأزمات.

وقد لا نكون بحاجة إلى إيراد الأدلة والنماذج والأمثلة عن هذا التلازم والارتباط، أو عن موقف الإسلام من الإسراف والتبذير والعدوان على البيئة والطبيعة، ومعالجة نزوع الإنسان إلى حب الاستهلاك وغريزة التملك عنده، لأن الأمر في غاية الوضوح.

فالمشكلة إذن هي مشكلة الإنسان، الذي هو الجاني وهو الضحية -كما أسلفنا- وليست مشكلة الموارد.. إنها مشكلة القيم التي تحكم فلسفة الإنسان وتشكل بعده الثقافي، وتقبع وراء مسالكه وتعامله مع الطبيعة والآخر.. مشكلة الأثرة، وسوء التوزيع، وغياب التكامل.

و قد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى بعض الأرقام التي تعتبر من المؤشرات على أسباب الإشكالية وأزمة الغذاء، التي يعيشها الإنسان في أكثر مناطق العالم.

لقد (كانت حصيلة القرون الثلاثة الماضية من هيمنة الغرب بحريته الاقتصادية، كارثة على مستوى الكون بأسره: ففي عام 1992م نلاحظ أن 80% من الخيرات الطبيعية في العالم يتم استهلاكها من طرف 20% من سكان العالم.. ونتيجة هذا التوزيع الجائر، يموت سنوىاً من الجوع 25 مليونًا من البشر)... والسبب هو أنموذج التنمية المفروض من الغرب...

فقد أعلن صندوق الأمم المتحدة للتنمية أن البون الشاسع بين البلدان الأكثر غنى والبلدان الأكثر فقرًا، تضاعف خلال 30 سنة..

(ففي فرنسا مثلاً عام 1992م، يتصرف 6% من الشعب في 50% من الثروات... وفي الولايات المتحدة يمسك 5% بحوالي 90% من الثروات الوطنية) انظر: (كيف يشارك الإسلام في الحضارة الإنسانية؟) لرجاء جارودي، ضمن أعمال ندوة: الثقافة العربية.. الواقع وآفاق المستقبل، التي نظمتها جامعة قطر في الفترة 12-15 إبريل 1993م، ص 532-533).

فالدلالة واضحة على أن المشكلة كل المشكلة في الفلسفة التي تحكم المسالك وينتج عنها سوء التوزيع والظلم الاجتماعي، وليست المشكلة نضوب الموارد.

وخلاصة القول: إن المشكلة ليست في عجز الطبيعة، وإنما هي في مسؤولية الإنسان.

وقد عرض الباحث المتمكن محمد خليفة للموضوع باستفاضة وتعمق في بحث بعنوان: (الأزمة الغذائية في العالم والوطن العربي )، نشره عام 1991م على حلقات في صحيفة الراية القطرية، نورد هنا بعضًا مما جاء فيه، لفائدته وأهميته:

- لقد أجرى علماء مخلصون للجنس البشري أبحاثاً كبيرة وهامة عن قدرة الطبيعة على تلبية حاجات الناس الغذائية في ضوء المعدلات الحالية في التزايد السكاني، وخلصوا إلى نتائج باهرة تقضي على الرؤيا التشاؤمية السوداوية التي صاغها (الراهب) مالتوس قبل مائة عام.. وفيما يلي بعض خلاصتها:

- تبلغ مساحة الأراضي اليابسة في العالم 13.2بليون هكتار، نصفها غير قابل للزراعة، وأكثر من ربعها (25.7%) مراع، وأقل من ربعها الباقي (24.3%) أراض قابلة للزراعة.

غير أن مساحة الأراضي المزروعة فعلاً أقل من نصف مساحة الأراضي القابلة للزراعة (43.5%) فقط، وما زال القسم الأكبر ينتظر المبادرة الإنسانية لاستزراعه واستغلاله...

- يحتاج سكان العالم حالياً نحو 90 مليون طن من البروتين سنويًا، حسب تقديرات العلماء.. وفي حين يبلغ العجز العالمي نحو 21 مليون طن سنويًا، فإن العلماء يؤكدون أن في العالم ما يفوق حاجاته السنوية بكثير، وهو متوفر في الطبيعة على هيئة مراع أو مصادر إنتاج أخرى، ويشيرون إلى وجود كميات ضخمة من البروتين... ولكن الدول التي تملكه تستخدمه في تغذية الماشية والحيوانات الأليفة وترفض طرحه في الأسواق...

- يرى بعض العلماء أن كوكب الأرض يستطيع إطعام 47 بليون نسمة بالمستويات الممتازة الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، و157 بليون نسمة بمستويات التغذية في اليابان...

ويرى علماء آخرون أن الأراضي الزراعية الحالية لو أحسن استغالها لأطعمت عشرة أضعاف عدد السكان العالمي الحالي (5 بليون نسمة) وبمستوى استهلاكي مرتفع.

- هناك افتراضات علمية تقول: إن من الممكن زيادة المساحة المنتجة على سطح الكرة الأرضية بمقدار عشرة أمثال المساحة القابلة للزراعة حالياً (6.5 بليون هكتار)، ومن الممكن أيضًا زيادة معدلات الغلة إلى ضعفي مستواها الحالي في الدول الأوروبية، وفي هذه الحالة يمكن توفير الغذاء لـ 36 بليون نسمة آخرين.

- تشير دراسات منظمة الفاو إلى أنه بين 1957- 1977م أمكن استصلاح 190 مليون هكتار، بحيث صارت تزرع وتنتج، ولكنها تؤكد أن موارد الأراضي والمياه أبعد ما تكون عن الاستخدام الكفء.

- ذهب علماء آخرون إلى مدى أبعد من كل ما سبق، حين قدروا أن الكوكب الذي نعيش عليه يستوعب ويطعم ويكفي 132.000بليون نسمة، وهو رقم يبدو للقارئ الآن أشبه بالخيال الجانح أو الجامح، إلا أن غالبية العلماء في الاتحاد السوفيتي السابق ذهبوا ومنذ وقت مبكر إلى مثل هذه الفرضيات العلمية حين قالوا منذ 1969م: إن الإنسان لم يكتشف ويستثمر من طاقة الكون والطبيعة اللذين يعيش في كنفهما سوى 1% حتى الآن رغم ثورات العلوم وقفزاتها الكبرى في القرن الأخير...

لقد واجه الإنسان الفقر والعوز والمجاعة ونقص الغذاء حين كان عدد سكان الأرض لا يزيد عن بضع ملايين ، بل إن التاريخ يظهر لنا أن تلك الرزايا كانت أكثر وأعم وأشمل عندما كان البشر قلة، وأنها أخذت تقل وتتقلص كلما زاد عددهم وارتقى مستواهم العلمي والعقلي، وأن الطبيعة تستجيب دائمًا لكثرتهم...

إن نظرية مالتوس وأتبــاعه تبدو في نهاياتها وتداعياتها شبه عنصرية! وهي ولدت في مناخ الاستعـــمار الأوروبي واجتياحه للعالم الآخر، ذلك الاستعمار الذي ارتكــب أبشع وأشنع الجرائم على صعــيد تدمير موارد الغذاء ومصادر البيئة وأنماط الإنتاج، التي كانت صالحة لإطعام الشعوب وسارت عليها الحياة لعشرات القرون من قبل.. ورغم ذلك كان (العقل) الأوروبي يفلسف ويشرع هذا الاستعمار الذي نهب ودمر الثروات البيئية وأنماط الإنتاج، ويطلق عليه اسم (الحضارة)...

فحين كان الإنسان قديمًا يستخدم النبات مصدرًا للطــــاقة، سريعًا ما اكتشف البخار، ثم توصل إلى الفحم الحجري في جوف الأرض ومناجمها.. وقبل أن ينفد عطاء الطبيعة من هذه المادة اهتدى العقل إلى وجود البترول، ثم الغاز.. وقبل أن تشح هذه المادة استطاع إنتاج الطاقة صناعيًا، ثم وجد أن الشمس نفسها مصدر بديل أرقى وغير قابل للنضوب أبدًا...

وفي المصدر الذي أشرنا إليه في بداية هذا البحث، وهو رؤية العلماء السوفيت لإمكانات الطبيعة والإنسان، قال هؤلاء: إن الإنسان في نهايات القرن العشرين وهو يرى الثورات الهائلة في العلوم والتكنولوجيا والطفرات أوالقفزات العظيمة التي حققها ليحسب أنه لم يعد هناك ما يفعله، وأن المجالات ضاقت أو قلت، وأن الفرص استنفدت لاكتشافات واختراعات كبرى، غير أن الحقيقة مختلفة عن ذلك الاعتقاد، لأن 1% فقط في الكون هو الذي تم التوصل إلى فض أسراره والسيطرة عليه.. وأشار العلماء تحديدًا إلى أن الإنسان لم يعرف من الكون سوى السطح الخارجي منه، فجوف الأرض لم يعرف، كما لم يعرف سوى عالم البحار الذي يحتل 80% من مساحة الأرض، وكذلك هو أمر الفضاء الذي لم يتوغل الإنسان فيه إلا ملليمترات محدودة... (انظر: الراية القطرية، 27/6/1991م).

وبالإمكان القول: إن مجموعة الحلول والطروحات التي حاولت معالجة أزمة الغذاء في العالم العربي والإسلامي، لم تتحقق بالنتيجة المأمولة، وقد يكون السبب في ذلك أنها اقتصرت في معظمها على رصد الأزمة وتشخيصها، وتتبع آثارها السلبية، والبحث في بعض أسبابها، الأمور التي تعتبر مقدمات لا بد منها لترشد إلى الحل، لكن الإشكالية أنها توقفت في معظمها عند حدود التشخيص والوصف دون تقديم الحلول الممكنة والمتاحة والقابلة للتطبيق، من خلال دراسة الظروف المحيطة والمعادلة الاجتماعية للأمة، واستيعاب المركب الثقافي المطلوب ليشكل الرحم الذي تتحرك فيه تلك الحلول.

فالإشكالية -فيما نرى- في أنماط المعالجة، سواء كان المطروح معالجة أزمة الغذاء أو الأزمات المركبة والمتداخلة الأخرى، لأن النظر إليها غالبًا ما يتم من خلال بُعــدٍ واحد بعيداً عن المركب الحقيقي لها، ذلك أن التنمية في أبجديتها الأولى عملية ثقافية، تبدأ من تشكيل الإنسان وتنتهي في وسائله.. وهي عملية حضارية شاملة لجميع الجوانب الحياتية، إذ لا يمكن أن يكون التقدم والتنمية في جانب والتخلف والتأزم في جانب آخر، فالأمران لا يمكن أن يتجاورا.

وإذا جاز لنا القول: بأن التنمية عملية ثقافية أولاً وقبل كل شيء، محلها الإنسان قبل أشيائه، فلا بد من إدراك معادلة الأمة الاجتماعية -كما أسلفنا- وعقيدتها وثقافتها ومخزونها التراثي، والتأكد من خلال شواهد الواقع والتاريخ والتجارب البشرية المتعددة أن الفعل الاجتماعي لا يمكن أن يتكرر، فنقل تجارب التنمية كما هي مع تجاهل المخزون الثقافي والتراثي للأمة مصيره الفشل، بل وتكريس الفشل والتخلف وتنميته.

ولسنا بحاجة إلى التأكيد على أن الأزمة الغذائية والاقتصادية بشكل أعم، هي أحد منعكسات أنظمة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، التي ساهمت بطرد العقول والسواعد والخبرات والأموال، ويكفي أن نقول: بأن رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج وصلت إلى حدود (850) مليار دولار، هذا في إطار الأموال، أما في مجال هجرة العقول والسواعد والخبرات فحدث ولا حرج.. فمن أين تتحق التنمية وكيف تعالج الأزمة ؟! وعلى الأخص أن الكثير ممن يقومون على أمر السياسات لا يعانون من الأزمة أصلاً، وأن فلسفة صناعة الهزائم والأزمات تسوّغ وتحقق لهم الالتجاء والارتماء.

وقد يكون مستغربًا أو لا يكون، أن الكثير من الأنظمة في العالم التي جاءت باسم معالجة الأزمة الاقتصادية، ورفعت شعارات تحسين أوضاع العامل والفلاح، وصعدت باسمهم ونصرة حقوقهم، انتهت إلى واقع أكثر حزنًا.

فقد خربت الأراضي الزراعية وعطلتها، واستدعت الفلاحين والعمال لحواشي المدن للمساندة والمناصرة والتأييد، واستعمالهم كرصيد جاهز وعيون للسلطان، فأدى ذلك إلى إرهاق المدن وإرباكها، وبؤس خدماتها، وإفقار القرى والمزارع من الإنتاج واليد العاملة، ووجود طاقات هائلة معطلة تنتظر خبز السلطان، كما أدى الأمر إلى إيقاد نيران الصراع الطبقي، وتقديم أهل الولاء وإبعاد أهل الخبرة، فكان الحال ضغثًا على إبالة.. وكان لابد من المساعدات والخبرات الخارجيــة لصالح التنمية ومعالجة الأزمات، فتحولت إلى تنمية التخلف والعطـــالة وعدم الاعتماد على الذات، ثم انتهــت إلى الارتمــاء عند أقــدام (الآخر) وفتح الأسواق لمنتجاته وبضائعه، والعيـــش عـــالة عليــه، واستمرار الحــاجة إليـه. إضافة إلى أن محاولات تحويل المجتمع من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، أدت إلى ذهاب الأموال لشراء المصانع واستقدام العمال والخبراء وفي أحيان كثيرة استيراد المواد المعدة للصناعة، وانتهى إلى التكديس لمنتجات (الآخر) وخسارة المجتمع الزراعي والصناعي معًا، حيث فشل التصنيع وفشلت الزراعة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما امتد إلى تغيير العادات والأنماط الاجتماعية، وتسللت ثقافة (الآخر) وفلسفته ومعاييره في الاستهلاك مع منتجاته.. ولعلنا نقول: إنها حالة الوهن الحضاري، وحقبة القصعة، التي أخبر عنها وحذر منها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله: (يُوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها! فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهــابة منكـم، وليقــذفنَّ الله في قلوبكــم الوهن! فقــال قـــائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت ) (رواه أبوداود في الملاحم).

فالوهن الحضاري هو أن تعيش الأمة عالة على الأمم، وسوقًا لاستهلاك منتجاتها، وعجزًا عن الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.. إنها مرحلة بروز إنسان الاستهلاك الذي يعب من الدنيا، وغياب إنسان الإنتاج، إنسان الواجب المحتسب، المؤمن بقيمة العمل وأنه عبادة يثاب عليها في الآخرة.

لذلك نقول: بأن الأزمات المتداخلة والمتلاحقة، تستدعي حضور إنسان الإسلام الحق، في إيمانه ومنهجه ونظرته المتوازنة، ونسبه المضبوطة، في مركب يجمع انسجام الأرض والسماء في نظام الكون، والدنيا والآخرة في نظام الدين، والعقيدة والروح والجسد في نظام الإنسان، والعبادة والعمل في نظام الحياة، والشورى والعدالة في نظام الحكم والإدارة، والعمل والإنتاج احتسابًا في نظام الاقتصاد، والأمن واليقين بتوفر الرزق وانقضاء الأجل.

وبعد:

فالكتاب الذي نقدمه اليوم، محاولةٌ لتشكيل رؤية متعمقة والتعرف على أسباب انحطاط المنطقة العربية الإسلامية، وعلاقة ذلك بتقدم المجتمع الغربي، واجتهاد لرصد مظاهر أزمة الغذاء والتعرف على أسبابها، وتراكم العجز، وغياب الإرادة، وافتقاد القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، واللجوء المتزايد إلى الأسواق الخارجية لطلب المزيد من المعونات، الأمر الذي أدى إلى ازدياد قيود وأطواق الارتهان المالي والغذائي ومن ثم السياسي، ونقد أنماط الاختيارات التنموية التي كرست التخلف والعجز، والتأكيد على أن المسؤول الأول عن الأزمة هو الإنسان، وليس عجز الطبيعة، فعطاؤها لا ينفد.

والباحث لم يقتصر على رصد مظاهر الأزمة وتداعياتها وعواقبها، وإنما اجتهد في رسم ملامح البديل للخروج من الأزمة، وقدرة الإسلام بعقيدته ومركبه الثقافي على إعادة التوازن والوفاق بين الإنسان والبيئة من حوله، في خطوة لا بد منها لمراجعة مفهوم التنمية والتخلص من الرؤية ذات البعد الواحد، وربط مفهوم التنمية الناجحة والمؤثرة بالثقافة بكل أبعادها ومفهوماتها.

والله من وراء القصد.

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة