مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

.. عندما تناولنا بالبحث خصائص السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، خرجنا من ذلك بنتيجة ذات أهمية خاصة ، وهي أن لكل أمر في هذا الوجود سنة مخصوصة ، لا يتم إلا من خلالها ، ولا يمكن أبداً أن يتم بغيرها من السنن .

وقلنا : إننا كلما أردنا تحقيق هدف من الأهداف ، علينا أولاً أن نعرف بالتفصيل طبيعة السنة ، التي تتعلق بهذا الهدف ..

وقلنا كذلك : إن اجتهادنا في تحقيق أهدافنا يجب أن يتوجه أولاً ، وقبل أي شيء آخر ، نحو معرفة تلك السنة .. حتى إذا عرفناها معرفة يقينية ، أصبح لزاماً علينا أن نأخذ بها ، وأن نلتزم بمعطياتها ، ولا يجوز لنا أبداً – بعد ذلك – أن نختلف حول الموضوع المتعلق بهذه السنة .. لأن اختلافاً من هذا القبيل هو سبيل أكيد للفشل الذريع !

وتقودنا هذه النتيجة إلى مناقشة قضية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية .. ونبدأ بإيراد مثالين اثنين نعرضهما كمدخل لهذا الموضوع ، وهما تركيب الماء وإنجاب الأطفال :

فنحن نستطيع الحصول على الماء بعدة طرق ، ومنها إجراء تفاعل كيميائي بين عنصري الهيدروجين والأكسجين ، كما نستطيع الحصول على الماء من حرق بعض المواد العضوية ، حيث ينتج عن هذا الاحتراق الماء وغاز الكربون ، ومواد عضوية أخرى ، وهناك طرق أخرى للحصول على الماء ، وهذه مسألة مادية بحتة لنا الحرية الكاملة فيها ، فلا فرق ولا ضير في أن نحصل على الماء بأية طريقة من تلك الطرق ، مادام الأمر متروكاً أصلاً لاجتهادنا ، فهذا الأمر وأمثاله يدخل تحت عنوان ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) كما جاء في الحديث النبوي الشريف الذي سنعود إليه بعد قليل.

وأما المثال الآخر ، فهو إنجاب الأطفال ، فالجنين البشري يمكن أن يتخلق بإذن الله عندما تلتقي نطفة الرجل ببيضة المرأة ، وهذا الالتقاء يمكن أن يتحقق بطرق عديدة ، منها الزواج الشرعي ، المحكوم بالكتاب والسنة ، ومنها الجمع بين نطفة الزوج وبيضة الزوجة في أنابيب الاختبار ، ومنها كذلك الزنا..

غير أن مسألة الإنجاب ليست كمسألة الحصول على الماء ، فإن الإنجاب محكوم بمجموعة من الأحكام الشرعية المعروفة ، ولم يترك لاجتهادنا واختيارنا ، وأما تركيب الماء فليس محكوماً بشيء من تلك الأحكام .. مما يعني أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط للتعامل مع مسائل الحياة المختلفة ، بحيث يمكن تقسيم هذه المسائل إلى قسمين :

1 – مسائل لا يجوز الاجتهاد فيها ، بل يجب التزام الأحكام الشرعية التي وردت بخصوصها وتضم هذه المسائل كل ما ورد فيه نصوص شرعية ، ومن الأمثلة على هذه المسائل : الصلوات الخمس ، والزكاة ، والصوم ، وتحريم الجرائم كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ، وما ورد فيها من عقوبات مقدرة مما هو معروف بالقرآن الكريم أو السنة النبوية .

2 – مسائل يمكن الاجتهاد فيها .. إما لعدم ورود نص فيها ، وإما لأنه ورد فيها نص ظني الدلالة ، أو ظني الثبوت ، أو ظني الثبوت والدلالة معاً .. فهذه المسائل يجوز الاجتهاد فيها للوصول إلى حكم شرعي ، أو لمعرفة السنة التي تحكمها ..

والاجتهاد ( لغة ) : بذل الجهد ، واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور ، سواء أكان حسياً كالمشي ، أو كان معنوياً كاستخراج حكم أو نظرية عقلية أو شرعية أو لغوية .. الخ.

والاجتهاد ( شرعاً ) : هو بذل الفقية أقصى الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، علماً بأن الأدلة التي يجتهد فيها هي : القرآن والسنة ، ويتفرع عن هذين المصدرين الأساسيين مصادر أخرى كالإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف والعادة وسد الذرائع .. إلخ .

وقد دلت النقول الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يجتهد في شؤون الحياة المختلفة ويرى فيها رأياً ، حتى إذا تبين له أن المصلحة تتطلب غير ما رأى ، رجع صلى الله عليه وسلم عن رأيه ، وفعل ما هو خير .. ومن ذلك اجتهاده في أمور الحرب ، وفي بعض الشؤون الأخرى ، كما كان من أمره في حادثة تأبير النخل المشهورة: (عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون ، فقال : لو لم تلقحوا لصلح ، قال فخرج شيصاً. فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. قال رسول الله عليه وسلم: أنتم أعلم بأمور دنياكم). ويجدر بنا أن نشير إلى أن هذا الحديث قد أسئ استخدامه كثيراً وبخاصة من قبل الذين لا يدركون مقاصد الشريعة إدراكاً صحيحاً، والذين في أنفسهم مرض، ويريدون أن يتخففوا من عهدة التكليف، أو الذين يرغبون في تعطيل بعض النصوص اعتماداً على هذا الحديث .. علماً بأن ذكر هذه الحادثة قد ورد في أكثر من حديث بصيغ مختلفة تبين بوضوح ما قصد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) فعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : قدم الني صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل ، يقول : يلقحون النخل . فقال صلى الله عليه وسلم: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال صلى الله عليه وسلم : لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيراً . فتركوه . فنفضت (أو فنقصت) قال: فذكروا ذلك له ، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر) وواضح من هذا النص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق بين ما هو وحي من الله عز وجل ، لا يصح للمسلمين أن يتجاهلوه ، أو يميلوا إلى غيره عنه ، وبين ما هو من اجتهاده ورأيه في الشؤون الدنيوية ، وهذا متروك للمسلمين ليأخذوا به ، أو يعدلوا عنه إلى غيره إذا تبين لهم أنه أصلح.

وما يهمنا من هذا العرض ، الحديث عن الأمور التي فيها مساغ للاجتهاد ، ومادامت حكمة المولى عز وجل قد قضت أن يكون لكل حادثة سنة مخصوصة ، فإننا مكلفون ابتداءً بالاجتهاد لإصابة هذه السنة ، ومأمورون كذلك أن نجند كل طاقاتنا العقلية والمادية في سبيل كشف السنة المتعلقة بالأمر الذي نجتهد فيه .. حتى إذا تبينت لنا هذه السنة يقيناً ، وجب علينا الالتزام بها ، وعدم الحيدان عنها ، ولا مخالفتها ، لأن ذلك يجلب الضرر كما أسلفنا ، وينتهي بنا إلى الفشل الأكيد .. ونزيد على هذا أن الاجتهاد مجدداً في أمر عرفت سنته يعد تفريطاً بالوقت ، وإهداراً للطاقات من غير جدوى!

والسؤال الذي يبرز أمامنا الآن هو : كيف نتعامل مع المشكلات التي فيها مسوغ للاجتهاد؟

ونقول : إن هذه القضية قد شغلت الفكر الإسلامي طويلاً ، وتصدى لها أئمة علماء ، ومفكرون أفذاذ ، وضعوا القواعد والشروط والضوابط للاجتهاد ، بناء على أصول شرعية معتبرة ، لكن القضية – مع هذا – ظلت قائمة ، وظل كثير من المسائل الفقهية وغير الفقهية محل اختلاف ، بل وصل هذا الاختلاف في بعض الحالات إلى حد مساواة النقيض بنقيضه !

ونحن لا ندعي في هذا البحث المقتضب أننا قادرون على إنهاء قضية الاختلاف ، وإنما الذي نريد التنبيه إليه أن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية انطلق أساساً من النصوص ، وظل البحث يدور في فلك هذه النصوص دون الإفادة من ربطها بمفهوم السنن ، التي فطر الله عليها أمور خلقه ، ونعتقد أنه لو أخذت السنن في الاعتبار عند تناول القضايا المختلفة ، لكان ذلك بمثابة ضابط إضافي ، يضبط وجهة الاختلاف ، ويضيق – في الوقت نفسه إلى حدٍ بعيد – مجال التنازع والاختلاف .

وهناك الكثير من القضايا الفقهية التي وقع فيها الخلاف قديماً بين المذاهب المختلفة ، وما يزال الخلاف فيها وارداً حتى يومنا الحاضر ، وما يزال بعض القضاة يحكمون بموجبها ، على الرغم من أن السنن التي تخضع لها هذه القضايا باتت معروفة لأهل الاختصاص .. وأذكر على سبيل المثال : أنهم اختلفوا في تحديد أطول مدة لحمـل المرأة ، فقال بعضهم : ( إن أقصى مدة الحمل أربع سنين ، وبه قال الشافعي ، وهو المشهور عن مالك ، وروي عن أحمد أن أقصى حمل مدته سنتان ، وروى ذلك عن عائشة ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة ، وقال الليث : أقصاه ثلاث سنين ، وقال عياد بن العوام : خمس سنين ، وعن الزهري قال : قد تحمل المرأة ست سنين ، وسبع سنين ، وقال أبو عبيد : ليس لأقصاه وقت يوقف عليه ). وكان هذا الاجتهاد نتيجة للمعارف الموجودة في عصرهم واستقراء أحوال زوجاتهم وأخواتهم .

( وقد ذكر عصام غانم في كتابه Islamic Medical Jurisprudence صفحة 44 : ( أن أحد القضاة حكم لامرأة طلقت بأن ولدها الذي أنجبته بعد أربع سنوات من طلاقها حكم به لزوجها ، وكذلك حكم لأختها التي ولدت بعد مرور خمس سنوات على وفاة زوجها)! وهذا يعني أننا مانزال حتى اليوم نتجاهل حقائق العلم ، ولا نلتفت لما كشفه لنا من سنن واضحة بينة ، فيما يختص ببعض القضايا الحيوية ، التي تترتب عليها أحكام شرعية بالغة الأهمية ، فقد ثبت بالدليل الطبي القاطع أن مدة الحمل الطبيعية هي نحو 280 يوماً محسوبة من بدء آخر حيضة حاضتها المرأة ، ومن ثم فإن الجنين لا يعيش داخل الرحم أكثر من هذه المدة ، وبخاصة أن المشيمة التي يتغذى الجنين ويتنفس عن طريقها لا تعيش لأكثر من أيام قليلة بعد مدة الحمل المعتادة ، لأنها تبدأ بعد تمام مدة الحمل بالتنكس ، وتضعف وظائفها ، ولا تعود قادرة على الوفاء بحاجات الجنين ، فإذا لم تحدث الولادة في الموعد المقرر ، ماتت المشيمة ، وانقطع الغذاء والأكسجين عن الجنين ، وهذا يؤدي إلى موته المحقق. وأذكر أيضاً مثالاً آخر عن قضية أخرى ما يزال الجدال حولها محتدماً على الرغم من فهم السنن الربانية التي تخضع لها ، وهي إثبات مطالع الأشهر القمرية ، وبخاصة منها مطالع رمضان وشوال وذي الحجة ، لتعلق هذه الأشهر بالصوم والفطر والحج .. فما يزال السواد الأعظم من فقهائنا يصرون على ضرورة الرؤية العيانية للهلال ، ويرفضون الأخذ بالحسابات الفلكية تمسكاً بظاهر الآية الكريمة (فمن شهد منكم الشهر فليصمه )(البقرة: 185) ، وما جاء في الحديث الصحيح (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ً) مما أدى في مناسبات عديدة إلى حدوث اختلاف عجيب في مواقيت العبادات المرتبطة بالأشهر المذكورة ، حتى وصل الأمر مرة أن بعض المسلمين صاموا رمضان ثمانية وعشرين يوماً ! وفي مرة أخرى كان فارق التوقيت بين بلدان إسلامية وأخرى ثلاثة أيام في الصوم والفطر ، وهذا ما لا يمكن تبريره أبداً ، إذا المعروف ميلاد القمر في كل شهر، واحد لا يتعدد!!

ومما لا جدال فيه أن هذه الاختلافات لم يعد لها ما يبررها بعد أن أصبحنا اليوم على معرفة تامة بالسنن التي تحكم دوران الأرض والشمس والقمر ، وبتنا قادرين –بفضل الله– على تحديد ميلاد القمر بدقة متناهية محسوبة بأجزاء الثانية!

وعلى هذه الشاكلة يمكن أن نحسم الخلاف في مثل هذه القضايا المختلف فيها ، بأن نلتفت إلى السنن التي تحكمها ، وأما القضايا الأخرى التي لم نتوصل بعد إلى معرفة سننها ، فيمكن بشئ من الجهد المخلص أن نكشف سننها ، ونفهم أبعادها ، وبذلك نزيل الكثير من أسباب الخلاف حولها .. ونعتقد أن مثل هذا التناول لقضايانا الاجتهادية سيكون أكثر جدوى من البحث النظري المجرد الذي يتعامل مع المشكلات بمعزل عن واقع الحياة ومعطيات العلم لأن هذا الواقع خاضع لسنن محكمة ، لا يجوز تجاهلها بحال من الأحوال .. وتجاهلها يجعل بعض اجتهاداتنا في وادٍ ، وواقع الحياة والمجتمع في وادٍ آخر ! ويجعلنا من ثم منفصلين عن حركة التاريخ والحياة وصنع القرار !!

هل تخضع مشكلاتنا للسنن ؟

.. وما من شك أن حياة الإنسان زاخرة بالمسائل المعقدة ، التي يتعذر في بعض الحالات إيجاد حلول مثالية لها ، ولكن مع هذا لا يصح التسليم بهذه الحقيقة وكأنها واقع مطلق لا يمكن تجاوزه ، لأن مثل هذا التسليم يدفع مشكلاتنا للدخول في متاهة واسعة مكتوب على بابها ( مستحيل ) ، وعندئذ سنجد أنفسنا مكتوفي الأيدي ، عاجزين ، لا رغبة عندنا في البحث عن حل .. أي حل ! وكان بإمكاننا أن نفعل شيئاً أفضل من هذا لو أننا آمنا بوجود حل للمشكلة ، التي بين أيدينا ، وآمنا بوجود سنن لهذه المشكلة يمكن كشفها وتسخيرها في سبيل إيجاد الحل .

ولقد ناقش الأستاذ ( جودت سعيد ) هذه القضية بكثير من التفصيل في كتابه القيم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) ومما قاله في ذلك: ( إن العقل البشري يتخذ أحد موقفين إزاء المشكلات ، فهو إما أن يفترض أنها تخضع لقوانين ، ومن ثم يمكن أن تخضع للسيطرة عليها وتسخيرها ، وإما أن يفترض فيها أنها لا تخضع لقوانين، أو يمكن كشف قوانينها .. وبين هذين الموقفين مواقف متعددة يتفاوت فيها القرب من أحدها والبعد عن الآخر .. وإن لكل من الفرضيتين نتائج عملية تظهر في مواقف البشر وسلوكهم بصورة متفاوتة ، على حسب الخضوع لأحد الموقفين).

مشروع عمل :

.. ويمكن من خلال ما قدمناه أن نخرج بتصور مبدئي يعد ( مشروع عمل ) تحدد فيه السمات الأساسية لأسلوب التعامل مع المشكلات والأزمات ، التي نرى فيها مسوغاً للاجتهاد ، وذلك على النحو التالي :

1 – أن نؤمن إيماناً راسخاً بأن المشكلة التي بين أيدينا ( أياً ما كانت هذه المشكلة ) قابلة للحل ، فمثل هذا النظر إلى المشكلة ، يجعلنا نتعامل معها بصورة إيجابية تستمد عزمها من أملنا بالوصول إلى حل ما ، في نهاية المطاف .

2 – أن ندرك بأن لكل أمر أو حادث سنة مخصوصة تحكمه ، لا يتم إلا من خلالها ، ولا يمكن أبداً أن يتم على تمامه بغيرها من السنن .

3 – أن نعرف المشكلة التي هي موضوع بحثنا ، ونجمع المعلومات المتعلقة بها ، حتى نحيط بالمشكلة من جوانبها جميعاً .

4 – نصنف المعلومات التي تجمعت لدينا ، ثم نعهد لأهل الاختصاص بدراستها ، عملاً بالقاعدة الأصولية التي أرستها آيات كثيرات من القرآن الكريم ، ومنها قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطـونه منهم ، ولولا فضـل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ً)(النساء: 83) .. فإن كانت المشكلة اقتصادية عهدنا بها إلى أهل الاقتصاد ، وإن كانت سياسية أوكلنا أمرها إلى أمراء السياسة والحكم ، وإن كانت طبية استشرنا الأطباء في علاجها ، وإن كانت حرباً أو سلماً استنفرنا رجـال الحرب وقوادها ليروا فيها رأيهم .. وهكذا .

وكل ذلك مشروط بالتوجيه الرباني الداعي للسير في الأرض ، والنظر في السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، على أمل أن نصل لمعرفة السنة التي تحكم المشكلة .

5 – فإذا ما علمنا السنة التي تحكم المشكلة ، نكون قد توصلنا إلى الحل المثالي لها ، وعندئذ يصبح لزاماً علينا أن نراعي هذه السنة ، مادمنا راغبين في الحل .

6 – وأما إذا لم نستطع أن نعرف السنة المتعلقة بالمشكلة ، فإن علينا مواصلة البحث والدراسة ، وتبادل الآراء ، من غير تعنت يشق الصف ، ويعمق النزاع الذي يؤدي حتماً إلى الفشل ، كما قال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )(الأنفال: 46) .. وإن لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نظرة عميقة في هذه المسألة ، إذ قال : ( ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي ، لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم )(آل عمران: 19)، فلا يكون فتنة وفرقة مع وجود اجتهاد سائغ ، بل مع نوع بغي ، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتنة ، وكان ذلك من أصول السنة ).

والخلاصة .. إن البحث في مشكلاتنا المعاصرة على ضوء سنة الله في الخلق ، يجب أن يكون أصلاً ومنطلقاً للخروج من أزمتنا الحضارية ، وهذا المنهج في الحل ينسجم مع المنهج الرباني ، الذي فطر الله عليه أمور خلقه ، وهو الطريق الأقوم لتوحيد الفكر ، الذي يحقق للأمة وحدتها وتماسكها .. ومادام الأمر كذلك ، فإن واجبنا اليوم تركيز اجتهادنا في بيان سنن الله ، وتجنيد طاقاتنا المختلفة في هذا الاتجاه ، بدل الاستمرار في إهدارها بالبحث النظري المجرد الذي كثيراً ما يجعل الاجتهاد يدور في ساحة غير ساحته!

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة