مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

لقد كان للمد الاستعماري في العالم الإسلامي دور كبير في تحديد طبيعة النظرة الأوروبية إلى الشرق وخصوصاً بعد منتصف القرن التاسع عشر. وقد أفاد الاستعمار من التراث الاستشراقي، ومن ناحية أخرى كان للسيطرة الغربية على الشرق دورها في تعزيز موقف الاستشراق، وتواكبت مرحلة التقدم الضخم في مؤسسات الاستشراق وفي مضمونه مع مرحلة التوسع الأوروبي في الشرق( .
وقد شهد القرن التاسع عشر استيلاء المستعمرين الغربيين على مناطق شاسعة من العالم الإسلامي .
ففي عام 1857 م تم استيلاء الإنجليز سياسياً على الهند، وأصبحت الهند بذلك تابعة للتاج البريطاني رسمياً، بعد أن كانت حتى ذلك الحين واقعة تحت نفوذ شركة الهند الشرقية منذ القرن السابع عشر وفي عام 1857م أيضاً تم استيلاء فرنسا على الجزائر كلها بعد كان الفرنسيون قد بدؤوا غزوها عام 1830م . كما احتلت هولندا قبل ذلك ـ في بداية القرن السابع عشر ـ جزر الهند الشرقية (إندونيسيا) عن طريق شركة الهند الهولندية . وبعد عام 1881م تم احتلال مصر وتونس. وظل الاستعمار يقوم بتقطيع أوصال البلاد الإسلامية شيئاً فشيئاً ويضعها تحت سيادته حتى استطاع في النهاية أن يطوق العالم الإسلامي من الشرق والغرب. وبعد الحرب العالمية الأولى كان العالم الإسلامي كله تقريباُ خاضعاً لنفوذ الاستعمار الغربي(48) .
وقد استطاع الاستعمار أن يجند طائفة من المستشرقين لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه وتمكين سلطانه في بلاد المسلمين. وهكذا نشأت هناك رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار، عدد من المستشرقين ارتضوا لأنفسهم أن يكون علمهم وسيلة لإذلال المسلمين وإضعاف شأن الإسلام وقيمه ـ وهذا عمل يشعر إزاءه المستشرقون المنصفون بالخجل والمرارة. وفي ذلك يقول المستشرق الألماني المعاصر ( استفان فيلد Stephan Wild ) :
( والأقبح من ذلك أنه توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين. وهذا واقع مؤلم لا بد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة ) (49) .
ومن بين الأمثلة العديدة لارتباط الاسشراق بالاستعمار نذكر المستشرق ( كارل هينر يش بيكر Karl Heinrich Becker ) [ ت 1933م] مؤسس ( مجلة الإسلام ) الألمانية الذي قام بدراسات تخدم الأهداف الاستعمارية الألمانية في أفريقيا . فقد حصل الرايخ الألماني في عام 1885 ـ 1886 م على مستعمرات في أفريقيا تضم مناطق بعض سكانها من المسلمين، وظلت تلك المناطق تحت السيادة الألمانية حتى عام 1918م . وقد أدى ذلك إلى تأسيس معهد اللغات الشرقية في برلين عام 1887م وهو معهد كانت مهمته تتلخص في الحصول على معلومات عن البلدان الشرقية الحالية وبلدان الشرق الأقصى وعن شعوب هذه البلدان وثقافتها(50) .
وفي هذا يقول المستشرق الألماني ( أوليريش هارمان Ulrich Harmann:
( كانت الدرسات الألمانية حول العالم الإسلامي قبل عام 1919م أقل براءة وصفاء نّية. فقد كان كرل هينريش بيكر ـ وهو من كبار مستشرقينا ـ منغمساً في النشاطات السياسية، حتى إنه أصبح في 1930 م شديد الحماس لمخطط استخدام الإسلام في أفريقيا والهند كدرع سياسية في وجه البريطانيين ) (51) .
أما ( بار تولد Barthold ) [ ت 1930 م ] مؤسس مجلة ( عالم الإسلام ) الروسية Mir Islama فقد تم تكليفه عن طريق الحكومة الروسية بالقيام ببحوث تخدم مصالح السيادة الروسية في آسيا الوسطى .
أما عالم الإسلاميات الهولندي الشهير( سنوك هورجر ونيه) [ ت 1936م] فإنه في سبيل استعداده للعمل في خدمة الاستعمار توجه إلى مكة في عام 1885م بعد أن انتحل اسماً إسلامياً هــو ( عبد الغفار)، وأقام هناك ما يقـرب من نصف عام . وقد ساعده على ذلك أن كان يجيد العربية كأحد أبنائها. وقد لعب هذا المستشرق دوراً هاماً في تشكيل السياسة الثقافية والاستعمارية في المناطق الهولندية في الهند الشرقية، وشغل مناصب قيادية في السلطة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا(52) .
وفي فرنسا كان هناك عدد من المستشرقين يعملون مستشارين لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا. وعلى سبيل المثال كان المستشرق الكبير ( دي ساسي ) اعتباراً من 1805م يشغل منصب المستشرق المقيم في وزارة الخارجية الفرنسية. وعندما غزا الفرنسيون الجزائر عام 1830م كان ( دي ساسي ) هو الذي ترجم البيان الموجه للجزائرين، وكان يستشار بانتظام في جميع المسائل المتعلقة بالشرق من قبل وزير الخارجية، وفي حالات معينة من قبل وزير الحربية أيضاً. وإلى عهد قريب كان ( ماسينيون ) مستشاراً للإدارة الاستعمارية الفرنسية في الشؤون الإسلامية(53) .
ويكشف المستشرق الفرنسي ( هانوتو ) [ ت 1944م] ـ في مقال له بعنوان: ( قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية ) ـ يكشف بوضوح عن مقترحاته لتوجيه سياسة فرنسا في مستعمراتها الأفريقية الإسلامية، وما تهدف إليه هذه المقترحات من إضعاف المسلمين في عقيدتهـم حتى يسهل قيادهم(54) .
أما المصلحة البريطانية في العالم الإسلامي، فقد كان الدافع إليها بطبيعة الحال هو ممارسة السيادة البريطانية في الهند وغيرها من البلاد الإسلامية التي استولت عليها.وقد كان(اللورد كير زن Cuzok ) في أوائل القرن الحالي من أشد المتحمسين في إنجلترا لفترة إنشاء مدرســـة للدراسات الشرقية باعتبار أنها تعد( جزءاً ضرورياً من تأثيث الإمبراطورية )، وتساعد على الاحتفاظ بالموقع الذي نالته بريطانيا في الشرق. وقد تحولت المدرسة المذكورة فيما بعد إلى مدرسة جامعة لندن للدراسات الشرقية والإفريقية .
وقد كانت الحكومة البريطانيةـ من أجل تحقيق أهدافها الاستعمارية ـ ترسم سياستها في مستعمراتها في الشرق بعد التنسيق والتشاور مع فريق من المستشرقين الذين يقدمون لها الدراسات المطلوبة . يقول الدكتور إبراهيم اللبان رحمه الله :
(.. والوقع أن رجال السياسة في الغرب على صلة وثيقة بأساتذة هــذه الكليات ( كليات اللغات الشرقية في أوروبا ) وإلى آرائهم يرجعون قبل أن يتخذوا القرارات الهامة في الشؤون السياسية الخاصة بالأمم العربية والإسلامية. وقد سمعت أحد كبار المستشرقين يتحدث أمامي فيذكر أن مستر ( إيدن ) كان قبل أن يضع قراراً سياسياً في شؤون الشرق الأوسط يجمع المستشرقين المستعربين، ويستمع إلى آرائهم ، ثم يقرر ما يقرر في ضوء ما يسمعه منهم، هذا إلى أن بعضهم كان يؤسس صلات صداقة بالبارزين من رجال الأمة العربية ويتخذ من هذه الصلات ستاراً يقوم من ورائه بأعمال التجسس في أثناء الحرب )(57) .
والاستعمار في حقيقة أمره هو امتداد للحروب الصليبية التي كانت في ظاهرها حروباً دينية، وفي باطنها حروباً استعمارية. وقد كانت العودة إلى احتلال بلاد العرب وبلاد الإســــلام حلماً ظل يراود الغربيين منذ هزيمة الصليبيين (فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ليتعرفوا على مواطن القوة فيها فيضعفوها وإلى موطن الضعف فيغتنموه)(58) .
ولم تكن علاقة الاستشراق بالاستعمار ـ كما يظن ـ هي مجرد إضفاء طابع التبرير العقلي على المبدأ الاستعماري ، بل كان الأمر ـ كما يقوله إدوارد سعيد أيضاً ـ أبعد من ذلك وأعمق، فالتبرير الاستشراقي للسيادة الاستعمارية قد تم قبل حدوث السيطرة الاستعمارية على الشرق، وليس بعد حدوثها . فقد كان التراث الاستشراقي بمثابة دليل للاستعمار في شعاب الشرق وأوديته من أجل فرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها.
(فالمعرفة بالأجناس المحكومة أو الشرقيين هي التي تجعل حكمهم سهلاً ومجدياً. فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيداً من المعرفة ) فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية(59) .
وهكذا اتجه الاستشراق المتعاون مع الاستعمار ـ بعد الاستيلاء العسكري والسياسي على بلاد المسلمين ـ إلى إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وتراثهم، حتى يتم للاستعمار في النهاية إخضاعاً تاماً للحضارة والثقافة الغربية .

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة