مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه نستغفره ونستهديه، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وبعد،
فلقد خلّف الرسول صلى الله عليه وسلم لنا مجتمعاً نموذجياً، تولى بنفسه مهمة السهر على تنظيمه وتسييره وفق الشريعة، التي ارتضاها الله عز وجل شرعةً ومنهاجاً للمسلمين. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى هذه المهمة بوحي خيـاله أو ذكائه، وإنما كان بتوجيه من الله عز وجل عن طريق الوحي وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى (النجم:3-4). ولقد أجمع علماء الأمة، قديماً وحديثاً، على أن القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع. وإذا سلمنا بذلك فليس من المنطقي أو المعقول أن نأخذ بهذا التشريع منفصلاً عن التنظيم الذي على أساسه بني أو أقيم ذلك التشريع، وعلى رأس هذا التنظيم البنية التركيبية للمجتمع.
فلقد احتوى هذا المجتمع على فئات نخبوية، أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم بعضها وبارك غيرها وشجعها. فنخبة السحرة مثلاً عرفت عبر التاريخ كيف كانت تصنع القرارات، جنباً إلى جنب مع الفئة الحاكمة، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يضع نهاية لهذه الفئة وأثر موقعها السلبي في المجتمع، هذه الفئة التي اتخذت من الكذب والشياطين مصدراً لتشريعاتها. لذلك كانت عقوبة الساحر عقوبة قاسية وهي قطع الرأس.
وبارك الرسول صلى الله عليه وسلم النخبة التي اتخذت القرآن والسنة، والعقل، الذي يحافظ عليهما، مصدراً لتشريعاتها.
وتُعَدُّ النخبةُ المثقفةُ العقلَ المفكرَ والباحث عن حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، التي يعاني منها أي مجتمع كان، وعليه كوّن النبي صلى الله عليه وسلم صفوة من الصحابة في بداية طريقه الدعوي، قبل أن يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مكة، واستمر في ذلك حتى بعد تأسيسه للدولة الإسلامية. وبقيت تلك النخبة تسير مع النبي صلى الله عليه وسلم تتعلم منه وتتأسى بأفعاله. وكان ضمن تلك النخبة نخبة نسوية، على رأسهن السيدة عائشة، رضي الله عنها، تجلت أدوارهن خاصة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
ونظراً لأهمية هذا الموقع في سير حركة التغيير الاجتماعي نحاول من خلال هذا الكتاب التأصيل لموقع المرأة النخبوي في الإسلام، من خلال النماذج النظرية التي خلّفها المجتمع النبوي. وللقيام بهذا العمل تناولت بداية مفهوم النخبة، وأهمية هذه الوظيفة التكليفية والتشريفية في المجتمع. ثم تعرضت إلى بيان موقع المرأة النخبوي في التجربة الإسلامية من خلال الشخصيات التي كانت سبباً في نـزول بعض الآيات في القرآن الكريم، ثم عرض موقع نماذج من الصحابيات في الوسط النخبوي من خـلال السنة الشريفة، مع التركيز على أم المؤمنين عائشة، المرأة النخبوية النموذجية، وذكر الظروف التي أحاطت بهن لأداء أدوارهن في المجتمع، وكيف استطعن أن يخلِّفن إسهاماتٍ بارزة في المجتمع بقيت آثارها إلى يومنا هذا على رغم التزامهن بوظائفهن الطبيعية.

المبحث الأول
مفهوم النخبة وفق المنظورين الإسلامي والغربي
المطلب الأول: مفهوم النخبة حسب التصور الإسلامي:
- المعنى اللغوي لمصطلح النخبة:( )
ملخص ما جاء في (لسان العرب) أن كلمتي (النخبة) و(الصفوة) تأتيان مترادفتان في موضع، فكلتاهما تحمل معنى خيار الشيء. وتحملان محمل الاختيار والنقاء الذي هو نقيض الكدر. وتختلف كلمة النخبة عن كلمة الصفوة في أن مصطلح النخبة ينفرد بمعنى النـزع، الجبن وضعف القلب، أو المهزول، ومعنى المباضعة والعضة، وعليه فهو يجمع بين معنيين متضادين. أما مصطلح الصفوة فينفرد بمعنى أخـلصته، صـدق، والصديق. وتأتي بمعنى غزيرة كثيرة. ورأينا أنها ترد أيضاً بمعنى العفوة أو العفاوة. وأخيراً بمعنى الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها. ومنه فإن مصطلح الصفوة يحمل المعنى الإيجابي فقط. وللإشارة فإن مصطلح الصفوة يشترك مع مصطلح طبقة في التوزيع والتصنيف.
مصطلح النخبة عند المفسرين:
يبدو من خلال كتب التفسير أن مصطلح النخبة استخدم كمصطلح بلفظ الصفوة، ويرجع السبب، حسب اعتقادنا، لعدم وروده في القرآن الكريم. واستخدم لفظ النخبة ككلمة فلم يخرج عن معنى عضة النملة، كما جاء في تفسير البيضاوي، وتفسير أبي السعود في السياق الآتي «يحتمل ما تجاوز الشوكة في الألم كالخرور، وما زاد عليها في القلة كنخبة النملة»( ).
وجاء بمعنى زبدة تَعَبِهِ في كتاب «دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية»، لكن لم يأت في سيـاق التفسـير نفسـه إنما ورد أثناء الحديث عن كتاب أبي المعالي، وجاء كالآتي «واعتبر ذلك بأن كتاب أبي المعالي الذي هو نخبة عمره نهاية المطلب في دراية المذهب»( ).
وعند استخدام المفسرين لمصطلح النخبة بلفظ الصفوة، جاءت معاني لفظ «الصفوة» بوصفها مصطلحاً قرآنياً لتؤكد «نظرية الصفوة» بدلالاتها وأبعادها الإسلامية، حيث يقرر القرآن أن القلة من الناس تتمتع بقدر عال من الفهم والتفكر والتذكر، الذي يؤهلها لمعرفة حقائق وأسرار الحياة والأحياء والأشياء( ). فلقد استعملها المفسرون( ) على حسب السياق القرآني الذي يدخل ضمن معاني الاصطفاء والانتقاء والاختيار، وهذا في أكثر من موضع. فمثلاً أثناء الحديث عن الأنبياء باعتبارهـم صفوة الخـلق كما أورد ذلك القرطبي في تفسيره: «...وأنبياء فهم صفوة الخلق...»، «..هذا ولي الله، هذا صفوة الله..». وأورد ذلك ابن كثير في تفسيره أيضاً وهو يتحدث عن موسى: «..وموسى صفوة الله..» اختارهم الله عز وجل عن باقي مخلوقاته لتولي مسؤولية التبليغ والتغيير. ولم يكن تفضيلهم من أجل التفضيل إنما كان ذلك الاصطفاء على قدر قيمة التكليف. فنجد المولى عز وجل يصف بأعظم وصف المعاناة التي عاناها الأنبياء من أجل تغيير الفساد ونشر الخير الذي كلفهم به الله عز وجل. وارتقى محمد صلى الله عليه وسلم إلى مستوى أعلى من الاصطفاء ليكون حبيب الله، نتيجة صبره وتحمله أذى قومه ولما أنجزه من تغيير، غير معتمد على كثرة المعجزات. هذا عن الأنبياء، وفي مواضع أخرى استخدم المفسرون مصطلح الصفوة ضمن معاني الأفضل، وخـلاصة الشيء أو زبدته»( ).
مصطلح النخبة عند الفقهاء:
لم يخرج الفقهاء عن سنة المفسرين، إذ يبدو أيضاً من خلال كتب الفقه، أن الفقهاء استخدموا لفظ النخبة ككلمة وليس كمصطلح. ويمكن أن يرجع السبب أيضاً إلى شهرة مصطلح الصفوة بسبب ورود مشتقاته في القرآن الكريم بمعناه الإيجابي. وجدت أن كلمة النخبة قد استخدمت في المبسوط( ) كاسم: «المسيب بن نخبة»، واستخدمت بمعنى خيار أي صفوة في سياق الكلام الآتي: «ونصلي ونسلم على نهاية خلاصة الأصفياء وذخيرة نخبة العظماء من الأنبياء سيدنا محمد الصادق الأمين»( ). واستخدمت أيضاً بمعنى خيار، وصفوة، ومتميزين في كتاب المحلى( ) في سياق «نخبة أبطال أمجاد مسلمين».
ولقد شهد مصطلح النخبة بلفظ الصفوة استخداماً واسعاً عند الفقهاء. فجاء بمعانٍ مختلفة، بمعنى خيار وأفضل، كما جاء عند العقبلي مثلاً في قوله: «فهم صفوة الله من عباده»( )؛ وابن تيمية أيضاً في قوله «..الذين هم من صفوة الأمة علماً..»( )؛ والدسوقي في قوله: «..حسن فهو من صفوة الله من خلقه..»( )؛ كما وردت عند الشاطبي في قوله: «وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة»، وفي موضع آخر «..فعلوا ذلك وهم صفوة الله..»( )؛ وفي حديثه عن الصحابة ذكر ابن القيم ما يلي: «..وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة»( )؛ وفي سياق كلام للأسيوطي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه صفوة الصفوة، وفي موضع آخر يمدح فيه ويثني على أحد العلماء بقوله: «من العلماء العاملين صفوة الملوك»( ).
واستخدمها الفقهاء أيضاً بمعانٍ أخرى أثناء تناول قضايا فقهية، مثلما ورد في مغني المحتاج: «لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى» وهذا لإبراز أهمية التكبيرة الأولى في الصـلاة( ). ووردت بمعنى خـلاصة الشيء كما جاء في البرهان في أصول الفقه: «وبعد فإن صفوة الفرق مأخودة من متلقي..»( ) ووردت في مواضع كثيرة بمعنى فترة النقاء الأولى للإسلام وسماها بعض العلماء بفترة النورانية مثلما وردت في كتاب إعانة الطالبين: «ماكانوا عليه في صفوة الإسلام»( )، أي بداية الإسلام.
غير أن ابن الجوزي( ) في كتابه «صفة الصفوة» وضع تعريفاً خاصاً للصفوة في مقدمة كتابه مبرراً أسباب كتابته لهذا الكتاب. فالصفوة هم «العاملون بالعلم، الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة، المستعدون للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح، ذكرت مَنْ هذه حاله دون من اشتهر بمجرد العلم، ولم يشتهر بالزهد والتعبد، ولما سميت كتابي هذا صفة الصفوة رأيت أن أفتتحه بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه صفوة الخلق وقدوة العالم».
فعند ابن الجوزي أن من ينتمي إلى الصفوة لا يكفي بأن يشتهر بالعلم. بل يجب أن يشتهر بالزهد والتعبـد. ولقد شمل كتابه النموذج التاريخي الذي لا مثيل له في تاريخ البشرية، ابتدأه بخير خلق الله وتلاه بالصفوة التي تربت على يديه. وكانت نعم الصفوة، السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، حسب متطلبات ذلك العصر. فلقد صنعوا تاريخهم، عرفوا أن انتماءهم للصفوة لا يعني تشريفاً بقدر ما هو تكليف.
هذا، يبدو حسب ما رأينا أن الفقهاء استخدموا مصطلح النخبة الذي ورد بلفظ الصفوة بمعـانيه المختلفة، ولم يتناولوه كمـوضوع قابل للدراسة، ولم يضعوا له تعريفاً خاصاً به باستثناء ابن الجوزي، الذي لم يقصد وضع تعريف للصفوة نفسها إنما التعريف بكتابه «صفة الصفوة». غير أنه يمكننا أن نخلص إلى أنهم لم يخرجوا عن التعريف الذي استخلصناه من كلام ابن الجوزي عند شرحه للصفوة التي يقصدها في عنوان كتابه. غير أن المحدثين تناولوا هذا المصطلح من زوايا أخرى.
مصطلح النخبة عند المحدثين:
لم يرد مصطلح النخبة بهذا اللفظ كمصطلح، بل ورد ككلمة استخدمت بشكل أكثر عند المحدثين مقارنة بالمفسرين والفقهاء، ويرجع السبب -حسب رأيي- إلى ورود هذه الكلمة في المرويات التي سنتعرض لها بعد قليل. لقد ألَّف ابن حجر العسقلاني كتاباً في مصطلح الحديث مستخدماً هذا المصطلح بدون أدنى حرج تحت عنوان نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر وهو ملخص لأهم القضايا المتعلقة بمصطلح أهل الحديث( ).
ووردت كلمة نخبة في الفائق للزمخشري بمعنى الصفوة في كلمة: الشُّرْطة، وهي تعني نُخْبَة الجيش التي تشهد الواقعة أوّلاً( ).
ووردت في غريب الحديث لابن الأثير( ) بأكثر من معنى، في شرحه لمعنى شُرَط السلطان، يقول: هم نُخْبة أصحابه الذين يُقدِّمهم على غَيرهم من جُنْده. وفي موضع آخر يذكر: نخبت النملة تنهب إذا عضت. وأورد حديثاً لسيدنا علي -وقيل: لسيدنا عمر، رضي الله عنهما- في قوله: «خرَجنا في النُّخبة» يعني، كما شرح الكاتب: المُنتَخَبون من الناس المُنَتَقَوْن، والانْتِخاب الاختيار والانتِقاء. وأورد ابن الأثير حديث ابن الأكوع، جاء فيه: انتَخب من القوم مائةَ رجلٍ. وفي مواضع أخرى تأتي بمعان مختلفة كما أوردها الكاتب. والنَّخِيبُ كما شرح ابن أثير، الجَبانُ الذي لا فُؤادَ له، وقيل الفاسد الفعل.
ويبدو أن مصطلح النخبة كمصطلح ورد بلفظ الصفـوة عند المحدثين ولم يرد بلفظ نخبة، وهذا راجع -حسب ما يبدو- إلى ورود المصطلح في الأحاديث النبوية الشريفة. لقد تناولت كتب الحديث هذا المصطلح كمصطلح وككلمة بالشرح تارة وبالتحليل تارة أخرى( ). فلقد وردت في كتب شرح غريب الحديث بمعانٍ مختلفة. ففي كتاب (الفائق) مثلاً جاء مايلي: اصطفاه بمعنى اقْتَفاه: اختاره. وهو القِفْوة نحو الصِّفْوَة من اصطفى. العَفْوَة وهي الصَّفْوَة والعفاوة، والعـافي: صَفْوَة المرقـة ووجـدنا مكاناً عَفْواً، أي سهلاً، والمراد ذو الصَّفْوة والسهولة من العيش، يعني أنه أَلِفَ التنعيم فيعمل فيه الجُوع ويُضْجره.
أما في كتاب النهاية في غريب الحديث:( ) الصَّفيُّ، ما كان يأخُذه رئيسُ الجيش ويختاره لنَفْسه من الغَنيمة قبل القِسْمة. وفي حديث عوف بن مالك «تسْبيحةٌ في طلب حاجةٍ خيرٌ من لَقُوحٍ صَفِيٍّ في عامِ لَزْبَةٍ»، الصَّفِيُّ: الناقةُ الغزيرةُ اللَّبن. وفي حديث علي والعباس «أنَّهُما دخلا على عُمر، رضي الله عنه، وهما يَخْتَصِمان في الصَّوافي التي أَفاءَ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أمْوالِ بني النَّضير»، الصَّوافي: الأملاكُ والأراضي التي جَلا عنها أهْلُها أو ماتوا ولا وارِث لها, واحدُها صافِيةٌ. قال الأزهري: يقال للضِّياع التي يَسْتَخلِصُها السلطانُ لخاصَّته : الصَّوافي. وبه أخذ من قرأ قوله تعالى: فاذكروا اسم الله عليه صواف (الحج:36)، صَوافيَ أي خالِصَة لله تعالى.
ويقرر الحديث الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم مسألة مهمة في فكرة الصفوة، تفيد أن لكل شيء صفوة. فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل شيء صفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى»( ). إن هذا التقرير يتجاوز مفهوم التعدد والتنوع في الصفوة المحصور في الإنسان، فهو يعتبرها من بين السنن الكونية، فهي موجودة في كل شيء.
وأعطى الحكيم الترمذي لمصطلح الصفوة بعداً آخر. فأثناء مقارنته بين الأمة الإسلامية وباقي الأمم الأخرى، يشير إلى أن هذه الأمة هي خير الأمم بمعنى الأفضل، كما سميت في التوراة بصفوة الرحمن، يقول: «فهذه أمة مختصة بالوسائل من بين الأمم، محبوة بالكرامات، مقربة بالهدايات، محظوظة من الولايات، تولى الله هدايتهم وتأديبهم وتقريبهم، مسمون في التوراة صفوة الرحمن، وفي الإنجيل حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، وفي القرآن أمة وسطاً أي عدلاً، وشهداء الله في الموقف للأنبياء، عليهم السلام، على الأمم، وخير أمة أخرجت للناس»( ).
تميز الحكيم الترمذي في طرحه هذا عن غيره في خروجه بالصفوة من دائرة الأفراد والمجتمع الواحد، منتقلاً إلى الحديث عن الصفوة بين مختلف المجتمعات. وفي موضع آخر أشار إلى الفرق بين صفوة الأنبياء باعتبارهم معصومين وذريتهم، وإن كانوا من الصفوة فهم غير معصومين. وفي كلامه عن مبدأ التنوع بين الأفراد يقـول: «إنه (أي الله عز وجـل) أعلم بما يراد لهم، فإنما خلقهم من وجه الأرض تربتها مختلفة، وأن القلوب أوعية في أرضه، يضع فيها ما أحب، وأن العقول مقسومة بين العبيد، وأن الأخلاق لهم من الخزائن ممنوحة، وأن الأنوار على ما اختصه برحمته من بينهم ممنونة، وأن له من خلقه صفوة، وربك يخلق ما يشاء، ويختار ما كان لهم الخيرة». فهو يقرُ من خلال كلامه هذا بمبدأ: «كل ميسر لما خلق له».

المطلب الثاني: مفهوم النخبة حسب التصور الغربي:
- المعنى اللغوي للنخبة:
لقد وضعت مجموعة تعاريف حول مصطلح النخبة أبرزها ما جاء في القواميس الإنجليزية، حيث تُعرف بأنها «أقوى مجموعة من الناس في المجتمـع، التي لها مكانتها المتميزة وذات اعتبار». ويضيف قاموس أوكسفورد أنها «فئة اجتماعية تعتبر الأفضل من غيرها بسبب القوة أو الفن أو الثروة التي تملكها»( ).
مفهوم النخبة عند علماء الاجتماع الغربيين:
يرى رايت ميلز (C. Wright Mills) أن سلطة (أو قوة) النخبة في عالم اليوم، تكمن في النظام السياسي، ومفتاح تلك القوة يتركز في مجموعة القرارات السياسية( ). والقوة السياسية تختلف نوعيتها من نظام سياسي لآخر. ففي النظم الديمقراطية العريقة المستقرة تتمثل في الأحزاب السياسية، وفي قيادات تلك الأحزاب، وكذلك في القوى الاقتصادية على اختلاف ميادينها، وفي القوى الإدارية والفنية والاستشارية، أي كل القوى التي تؤثر في القرارات المهمة. أما في النظم العسكرية، أو النظم الاستبدادية الأخرى فإن قوة القرار السياسي تنحصر في شخص واحد، أو في عدد قليل من الأشخاص، أو قد تكون قوة القرار السياسي في يد عائلة واحدة تتوارثها عبر أجيالها.
لم يقف علماء الاجتماع في دراستهم للنخبة عند فئة معينة من النخبة، بل صنفوا النخبة إلى أنواع مختلفة كما هو وارد بالتفصيل في كتاب الصفوة والمجتمع( ). ويتفقون على أن الانتماء للنخبة المثقفة هو تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن مصلحة العامة مقدمة على المصلحة الشخصية. وللأسف اعترض كاتب مسلم معاصر على هذه المسألة واعتبرها نسبية لا تصدق على كل المثقفين( ).
التعريف الاصطلاحي الراجح للنخبة من المنظورين:
رأينا أن مصطلح النخبة استخدم عند المسلمين بلفظ الصفوة بدل مرادفه لفظ النخبة، نظراً لتحمله المعنيين، الإيجابي والسلبي. وعليه عندما نستخدم مصطلح النخبة بلفظ النخبة فإننا نقصد المفهوم الذي يحمله مصطلح نخبة بلفظ الصفوة. والتعريف الاصطلاحي الراجح عن النخبة من خلال ما سبق والذي تطمئن إليه النفس هو أن النخبة هي: تلك الفئة من الناس المكلفة بتحمل مسؤولية التغيير والتسيير وقيادة المجتمع. وعناصرها هم (كما ذكر ابن القيم) العاملون بالعلم، الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة، المستعدون للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح، ولا يندرج معـهم من اشتـهر بمجرد العلم، ولم يشتهر بالزهد والتعبد. وعلى رأسهم الأنبياء الذين ما نالوا ذلك الشرف العظيم إلا بما تحملوا من صعاب وتحدي أسوأ الظروف لتحقيق التغيير المنشود.
وأخلص إلى القول: إن النخبة في نظري هي تلك الطليعة من الناس التي تعتبر أن الانتماء إلى النخبة تكليف قبل أن يكون تشريفاً والتي تعيش شعوراً وإلحاحاً داخلياً يمدها بطاقة التحمّل لمواجهة الواقع السيئ في المجتمع، وتكابد من أجل تغييره نحو الأحسن. ولا يشترط بالضرورة أن تكون العناصر التي تنتمي إلى تلك النخبة من العناصر المثقفة ومتولدة من نخبة المثقفين ثقافة أكاديمية فقط. فكل التخصصات المعاصرة لها نخبة متميزة ومبدعة سواء أكانت تعتمد على العقل أو قوة الساعد. عناصر هذه النخب يجمعها همُّ واحدٌ، وهو التغيير لتحقيق حياة أفضل لمجتمعاتها.
خلف لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم نخبة نموذجية تولى تصحيح دورها في المجتمع وتثبيت موقع المرأة فيها، سواء من خلال القرآن الكريم أو عن طريق النماذج النسائية التي اعتنى بتوجيههن. فأشرف على تربية هذه النخبة وإعدادها لتتحمل وتواجه كل ما استجد في الدولة الإسلامية من قضايا، فمثلت هذه النخبة دورها أحسن تمثيل على مستوى كل الأصعدة، فتولى رجالها الأكفاء القيادة السياسية معتمدين على النخبة التي هيأها لهم المصطفى، عليه أفضل الصلاة والتسليم، من الرجال والنساء.





1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة