التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 123 ] ذكر قصة يوسف عليه السلام

ذكروا أن إسحاق توفي وعمره ستون ومائة سنة ، وقبره عند أبيه إبراهيم ، قبره ابناه يعقوب وعيص في مزرعة حبرون ، وكان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة ، وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه شطر الحسن ، وكان يعقوب قد دفعه إلى أخته ابنة إسحاق تحضنه ، فأحبته حبا شديدا وأحبه يعقوب أيضا حبا شديدا ، فقال لأخته : يا أخية ، سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عني ساعة . فقالت : والله ما أنا بتاركته ساعة . فأصر يعقوب على أخذه منها ، فقالت : اتركه عندي أياما لعل ذلك يسليني ، ثم عمدت إلى منطقة إسحاق ، وكانت عندها ، لأنها كانت أكبر ولده ، فحزمتها على وسط يوسف ثم قالت : قد فقدت المنطقة فانظروا من أخذها . فالتمست ، فقالت : اكشفوا أهل هذا البيت . فكشفوهم فوجدوها مع يوسف ، وكان من مذهبهم أن صاحب السرقة يأخذ السارق له لا يعارضه فيه أحد ، فأخذت يوسف فأمسكته عندها حتى ماتت وأخذه يعقوب بعد موتها . فهذا الذي تأول إخوة يوسف : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل وقيل في سرقته غير هذا ، وقد تقدم .

فلما رأى إخوة يوسف محبة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه وعظم عندهم .

[ ص: 124 ] ثم إن يوسف رأى في منامه كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد له ، فقصها على أبيه ، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة . فقال له أبوه : يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين . ثم عبر له رؤياه . فقال وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث .

وسمعت امرأة يعقوب ما قال يوسف لأبيه فقال لها يعقوب : اكتمي ما قال يوسف ولا تخبري أولادك . قالت : نعم . فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم بالرؤيا ، فازدادوا حسدا وكراهة له ، وقالوا : ما عنى بالشمس غير أبينا ، ولا بالقمر غيرك ، ولا بالكواكب غيرنا ، إن ابن راحيل يريد أن يتملك علينا ويقول أنا سيدكم . وتآمروا بينهم أن يفرقوا بينه وبين أبيه ، وقالوا : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين في خطإ بين في إيثارهما علينا اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين أي تائبين .

فقال قائل منهم ، وهو يهودا ، وكان أفضلهم وأعقلهم : لا تقتلوا يوسف فإن القتل عظيم ، ( وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة ) ، وأخذ عليهم العهود أنهم لا يقتلونه ، فأجمعوا عند ذلك أن يدخلوا على يعقوب ويكلموه في إرسال يوسف معهم إلى البرية ، وأقبلوا إليه ووقفوا بين يديه ، وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا منه حاجة ، فلما رآهم قال : ما حاجتكم ؟ قالوا ياأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون نحفظه حتى نرده أرسله معنا إلى الصحراء غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون . فقال لهم يعقوب : إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لا تشعرون ، وإنما قال لهم ذلك لأنه كان رأى في منامه كأن يوسف على رأس جبل وكأن عشرة من الذئاب قد شدوا عليه ليقتلوه ، وإذا ذئب منها يحمي عنه ، وكأن الأرض انشقت فذهب فيها فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام ، فلذلك خاف عليه الذئب .

[ ص: 125 ] فقال له بنوه : لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون . فاطمأن إليهم ، فقال يوسف : يا أبت أرسلني معهم ، قال : أو تحب ذلك ؟ قال : نعم . فأذن له ، فلبس ثيابه وخرج معهم وهم يكرمونه ، فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل بعض إخوته يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيما ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، وجعل يصيح : يا أبتاه يا يعقوب ، لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء .

فلما كادوا يقتلونه قال لهم يهودا : أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه ؟ فانطلقوا به إلى الجب ، فأوثقوه كتافا ونزعوا قميصه ، وألقوه فيه ، فقال : يا إخوتاه ، ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب ! فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك . قال : إني لم أر شيئا ، فدلوه في الجب ، فلما بلغ نصفه ألقوه ، أرادوا أن يموت ، وكان في البئر ماء ، فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فأقام عليها ، ثم نادوه فظن أنهم قد رحموه فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بالحجارة فمنعهم يهودا .

ثم أوحى الله إليه : لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون بالوحي ، وقيل لا يشعرون أنه يوسف .

والجب بأرض بيت المقدس معروف .

ثم عادوا إلى أبيهم عشاء يبكون فقالوا : ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب . فقال لهم أبوهم : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل . ثم قال لهم : أروني قميصه . فأروه . فقال : تالله ما رأيت ذئبا أحلم من هذا ! أكل ابني ولم يشق قميصه ! ثم صاح وخر مغشيا عليه ساعة ، فلما أفاق بكى بكاء طويلا فأخذ القميص يقبله ويشمه .

وأقام يوسف في الجب ثلاثة أيام ، وأرسل الله ملكا فحل كتافه ، ثم جاءت سيارة فأرسلوا واردهم ، وهو الذي يتقدم إلى الماء ، فأدلى دلوه إلى البئر ، فتعلق به [ ص: 126 ] يوسف فأخرجه من الجب ، و قال يابشرى هذا غلام وأسروه بضاعة يعني الوارد وأصحابه خافوا أن يقولوا اشتريناه فيقول الرفقة أشركونا فيه فقالوا : إن أهل الماء استبضعونا هذا الغلام .

وجاء يهودا بطعام ليوسف فلم يره في الجب فنظر فرآه عند مالك في المنزل فأخبر إخوته بذلك ، فأتوا مالكا وقالوا : هذا عبد آبق منا . وخافهم يوسف فلم يذكر حاله ، واشتروه من إخوته بثمن بخس ، قيل عشرون درهما ، وقيل أربعون درهما وذهبوا به إلى مصر ، فكساه مالك ، وعرضه للبيع ، فاشتراه قطفير وقيل أطفير ، وهو العزيز ، وكان على خزائن مصر ، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العمالقة ، قيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حي ، وملك بعده قابوس بن مصعب ، فدعاه يوسف فلم يؤمن .

فلما اشترى يوسف وأتى به إلى منزله قال لامرأته ، واسمها راعيل أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا [ فيكفينا ] إذا [ هو بلغ و ] فهم الأمور بعض ما نحن بسبيله أو نتخذه ولدا ، وكان لا يأتي النساء ، وكانت امرأته حسناء ناعمة في ملك ودنيا .

فلما خلا من عمر يوسف ثلاث وثلاثون سنة آتاه الله العلم والحكمة قبل النبوة ، وراودته راعيل عن نفسه وأغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته إلى نفسها ، فقال : معاذ الله إنه ربي يعني أن زوجك سيدي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ، يعني أن خيانته ظلم ، وجعلت تذكر محاسنه وتشوقه إلى نفسها ، فقالت له : يا يوسف ما أحسن شعرك ! قال : هو أول ما ينتثر من جسدي . قالت : يا يوسف ما أحسن عينيك ! قال : هما أول ما يسيل من جسدي . قالت : ما أحسن وجهك ! قال : هو للتراب . فلم تزل به حتى همت وهم بها وذهب ليحل سراويله ، فإذا هو بصورة يعقوب قد عض على إصبعه [ ص: 127 ] يقول : يا يوسف لا تواقعها إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وسقط إلى الأرض .

وقيل : جلس بين رجليها فرأى في الحائط : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا . فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد الباب ، فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قبل ظهره فقدته ، وألفيا سيدها لدى الباب - وابن عمها معه ، فقالت له - ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن . قال يوسف : بل هي راودتني عن نفسي فهربت منها فأدركتني فقدت قميصي . قال لها ابن عمها : تبيان هذا في القميص فإن كان قد من قبل فصدقت ، وإن كان قد من دبر فكذبت ، فأتي بالقميص فوجده قد من دبر فقال : إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم .

وقيل : كان الشاهد صبيا في المهد . قال ابن عباس : تكلم أربعة في المهد وهم صغار ، ابن ماشطة امرأة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم .

وقال زوجها ليوسف : أعرض عن هذا أي ذكر ما كان منها فلا تذكره لأحد ، ثم قال لزوجته . استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين

وتحدثت النساء بأمر يوسف وامرأة العزيز ، وبلغ ذلك امرأة العزيز ، ( أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ ) يتكئن عليه [ من ] وسائد ، وحضرن ، وقدمت لهن أترنجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا لقطع الأترنج ، وقد أجلست يوسف في غير المجلس الذي هن فيه وقالت له : اخرج عليهن - فخرج - فلما رأينه أكبرنه - وأعظمنه - وقطعن أيديهن [ ص: 128 ] بالسكاكين ولا يشعرن ، وقلن : معاذ الله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم

فلما حل بهن ما حل من قطعهن أيديهن وذهاب عقولهن ، وعرفن خطأهن فيما قلن أقرت على نفسها ، وقالت : فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين . فاختار يوسف السجن على معصية الله فقال : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن . فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن . ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى الآيات من القميص ، وخمش الوجه ، وشهادة الطفل ، وتقطيع النسوة أيديهن في ترك يوسف مطلقا .

وقيل : إنها شكت إلى زوجها ، وقالت : إن هذا العبد قد فضحني في الناس يخبرهم أنني راودته عن نفسه ، فسجنه سبع سنين . فلما حبس يوسف أدخل معه السجن فتيان من أصحاب فرعون مصر ، أحدهما صاحب طعامه ، والآخر صاحب شرابه ، لأنهما نقل عنهما أنهما يريدا أن يسما الملك ، فلما دخل يوسف السجن قال : إني أعبر الأحلام . فقال أحد الفتيين للآخر : هلم فلنجربه . قال الخباز : إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه وقال الآخر إني أراني أعصر خمرا . فقال لهما يوسف : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما . كره أن يعبر لهما ما سألاه عنه ، وأخذ في غير ذلك وقال : ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار وكان اسم الخباز مخلت ، واسم الآخر نبو ، فلم يدعاه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه ، فقال : أما أحدكما ، وهو الذي رأى أنه يعصر الخمر ، فيسقي ربه خمرا ، يعني سيده الملك ، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه [ ص: 129 ] فلما عبر لهما قالا : ما رأينا شيئا ! قال : قضي الأمر الذي فيه تستفتيان . ثم قال لنبو ، وهو الذي ظن أنه ناج منهما : اذكرني عند ربك الملك ، وأخبره أني محبوس ظلما . فأنساه الشيطان ذكر ربه غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان فأوحى الله إليه : يا يوسف ، اتخذت من دوني وكيلا ! لأطيلن حبسك . فلبث في السجن سبع سنين .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة