الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة

عود إلى بقية حوادث بني إسرائيل ، بعد مجاوزتهم البحر ، فالجملة عطف على جملة وجاوزنا ببني إسرائيل البحر .

وقد تقدم الكلام على معنى المواعدة في نظير هذه الآية في سورة البقرة ، وقرأ أبو عمرو : " ووعدنا " . وحذف الموعود به اعتمادا على القرينة في قوله ثلاثين ليلة إلخ . و ( ثلاثين ) منصوب على النيابة عن الظرف ؛ لأن تمييزه ظرف للمواعد به وهو الحضور لتلقي الشريعة ، ودل عليه ( واعدنا ) لأن المواعدة للقاء فالعامل واعدنا باعتبار المقدر ، أي حضورا مدة ثلاثين ليلة .

وقد جعل الله مدة المناجاة ثلاثين ليلة تيسيرا عليه ، فلما قضاها وزادت نفسه الزكية [ ص: 86 ] تعلقا ورغبة في مناجاة الله وعبادته ، زاده الله من هذا الفضل عشر ليال ، فصارت مدة المناجاة أربعين ليلة ، وقد ذكر بعض المفسرين قصة في سبب زيادة عشر ليال ، لم تصح . ولم يزده على أربعين ليلة : إما لأنه قد بلغ أقصى ما تحتمله قوته البشرية فباعده الله من أن تعرض له السآمة في عبادة ربه ، وذلك يجنب عنه المتقون بله الأنبياء ، وقد قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإما لأن زيادة مغيبه عن قومه تفضي إلى إضرار ، كما قيل : إنهم عبدوا العجل في العشر الليالي الأخيرة من الأربعين ليلة ، وسميت زيادة الليالي العشر إتماما إشارة إلى أن الله - تعالى - أراد أن تكون مناجاة موسى أربعين ليلة ولكنه لما أمره بها أمره بها مفرقة إما لحكمة الاستيناس وإما لتكون تلك العشر عبادة أخرى فيتكرر الثواب ، والمراد الليالي بأيامها فاقتصر على الليالي لأن المواعدة كانت لأجل الانقطاع للعبادة وتلقي المناجاة ، والنفس في الليل أكثر تجردا للكمالات النفسانية ، والأحوال الملكية ، منها في النهار ، إذ قد اعتادت النفوس بحسب أصل التكوين الاستئناس بنور الشمس والنشاط به للشغل ، فلا يفارقها في النهار الاشتغال بالدنيا ولو بالتفكر وبمشاهدة الموجودات ، وذلك ينحط في الليل والظلمة ، وتنعكس تفكرات النفس إلى داخلها ، ولذلك لم تزل الشريعة تحرض على قيام الليل وعلى الابتهال فيه إلى الله - تعالى - ، قال تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا الآية . وقال وبالأسحار هم يستغفرون ، وفي الحديث ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيقول هل من مستغفر فأغفر له هل من داع فأستجيب له ، ولم يزل الشغل في السهر من شعار الحكماء والمرتاضين لأن السهر يلطف سلطان القوة الحيوانية كما يلطفها الصوم قال في هياكل النور : النفوس الناطقة من عالم الملكوت وإنما شغلها عن عالمها القوى البدنية ومشاغلتها فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحيانا إلى عالم القدس وتتصل بربها وتتلقى من المعارف .

على أن الغالب في الكلام العربي التوقيت بالليالي ، ويريدون أنها بأيامها ؛ لأن الأشهر العربية تبتدأ بالليالي إذ هي منوطة بظهور الأهلة .

وقوله فتم ميقات ربه أربعين ليلة فذلكة الحساب كما في قوله [ ص: 87 ] فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ، فالفاء للتفريع .

والتمام الذي في قوله فتم ميقات ربه مستعمل في معنى النماء والتفوق فكان ميقاتا أكمل وأفضل كقوله - تعالى - تماما على الذي أحسن وقوله وأتممت عليكم نعمتي إشارة إلى أن زيادة العشر كانت لحكمة عظيمة تكون مدة الثلاثين بدونها غير بالغة أقصى الكمال ، وأن الله قدر المناجاة أربعين ليلة ، ولكنه أبرز الأمر لموسى مفرقا وتيسيرا عليه . ليكون إقباله على إتمام الأربعين باشتياق وقوة .

وانتصب ( أربعين ) على الحال بتأويل : بالغا أربعين .

والميقات قيل : مرادف للوقت ، وقيل هو وقت قدر فيه عمل ما ، وقد تقدم في قوله - تعالى - قل هي مواقيت للناس والحج في سورة البقرة .

وإضافته إلى ربه للتشريف ، وللتعريض بتحميق بعض قومه حين تأخر مغيب موسى عنهم في المناجاة بعد الثلاثين ، فزعموا أن موسى هلك في الجبل كما رواه ابن جريح ، ويشهد لبعضه كلام التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج .

التالي السابق


الخدمات العلمية